أرشيف المقالات

( باب صدقة التطوع ) من بلوغ المرام

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
2مختصر الكلام على بلوغ المرام (بابُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ)
599- عَنْ أَبي هُريرة - رضي الله عنه - عنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "سبْعةٌ يظلُّهُمُ الله في ظلِّه يَوْم لا ظلَّ إلا ظلُّهُ" فَذَكَرَ الحديث وفيهِ "ورجلٌ تصدَّقَ بصَدقة فأخفاها حتى لا تعْلَمَ شَمَالُهُ ما تُنْفِقُ يمينُهُ" مُتّفقٌ عليه.   ولفظ الحديث: "سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا على ذلك وتفرقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه".
في الحديث دليل على فضل إخفاء الصدقة وقد قال الله تعالى: ﴿ إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ [البقرة: 271]، وقوله في ظله: أي ظل عرشه كما أخرجه سعيد بن منصور من حديث سلمان: "سبعة يظلهم الله في ظل عرشه".   600- وعنْ عُقبةَ بنِ عامرٍ - رضي الله عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يقُول: "كلُّ امرىءٍ في ظلِّ صدقتِهِ حتى يُفْصَلَ بين النّاسِ" رواهُ ابنُ حِبّان.   فيه حث على الصدقة سرها وعلانيتها، قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرّاً وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [البقرة: 262].   601- وعَنْ أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "أَيُّما مُسْلِمٍ كسَا مُسْلماً ثَوْباً على عُرْيٍ كساهُ الله من خُضْرِ الجنّةِ، وأَيُّما مسلم أَطعم مُسلماً على جوعٍ أَطعَمَهُ الله من ثمار الجنّة، وَأَيُّما مُسْلم سقى مُسلماً على ظَمَإٍ سقاه اللهُ من الرَّحيقِ المختوم" رواهُ أَبو داودُ وفي إسناده لينٌ.   فيه حض على أنواع البر، وإعطائها من هو مفتقر إليها، وكون الجزاء من جنس العمل.   602- وعنْ حَكيم بن حِزَام - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "اليَدُ العُلْيا خَيرٌ من اليدِ السفلى، وابْدأ بمنْ تَعُول، وخيْرُ الصَّدقةِ عنْ ظهْر غنِىً، ومَنْ يسْتَعْفِفْ يُعِفَّه الله، وَمَنْ يسْتَغْن يُغْنِهِ اللهُ" مُتّفقٌ عليه واللفظُ للبخاريِّ.   اليد العليا يد المعطي، والسفلى يد السائل، وفي الحديث الآخر: ( اليد العليا التي تعطي ولا تأخذ)، وفي الحديث دليل على البداءة بنفسه وعياله، وأن أفضل الصدقة ما بقي بعدها شيء يعينه على حوائجه ومصالحه لأن المتصدق بجميع ماله يندم غالباً إلا إذا كان صبوراً على الفاقة لقوله تعالى: ﴿ يُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ﴾ [الحشر: 9].   603- وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قيلَ: يا رسول الله أَيُّ الصَّدقةِ أَفضلُ؟ قال: "جُهْدُ المُقِلِّ، وابدأْ بمن تَعُولُ" أَخْرجَهُ أحمد وأَبو داود وصحَّحَهُ ابنُ خزيمة وابن حِبَّان والحاكمُ.   الجمع بين هذا الحديث والذي قبله ما قاله البيهقي إنه يختلف باختلاف أحوال الناس في الصبر على الفاقة والشدة والاكتفاء بأقل الكفاية.   604- وعنْهُ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: "تصَدَّقوا" فقال رَجُلٌ: يا رسولَ اللهِ عندي دينارٌ؟ قالَ: "تَصَدَّق به على نَفْسِكَ" قال: عِنْدي آخرُ، قالَ: "تصدق به على ولَدِك" قال: عندي آخرُ، قال: "تصَدَّق به على خادِمِك" قال: عِنْدي آخر، قال: "أَنْتَ أَبْصَرُ" رواهُ أَبو داودَ والنسائيُّ وصحَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ والحاكمُ.   الحديث دليل على البداءة بالأهمّ فالأهمّ، ولم يذكر الزوجة في هذا الحديث وقد وردت في صحيح مسلم مقدمة على الولد.   605- وعَنْ عائشة - رضي الله عنها - قالتْ: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إذا أَنفَقَتِ المرْأَةُ من طعام بَيْتِها غيرَ مُفْسدةٍ كان لها أَجرُها بما أَنْفَقَتْ ولزوجها أَجْرُهُ بما اكْتَسَبَ وللخادمِ مِثْلُ ذلك لا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ من أَجْرِ بعضٍ شيئاً" مُتّفقٌ عَلَيْهِ.   الحديث دليل على جواز إنفاق المرأة من الطعام الذي لها فيه تصرف بشرط أن لا يخلّ ذلك بنفقة أهل البيت، قال النووي: هذا مفروض في قدر يسير يعلم رضا المالك به في العادة فإن زاد على المتعارف لم يجز، وهذا معنى قوله: غير مفسدة، ونبه بالطعام لأنه يسمح به في العادة بخلاف الدراهم في حق أكثر الناس انتهى ملخصاً.   606- وعنْ أَبي سعيدٍ الخدْري - رضي الله عنه - قالَ: "جاءَت زينبُ امرأَةُ ابن مسَعْوُدٍ فقالت: يا رسول الله إنّكَ أَمَرْتَ اليوْمَ بالصَّدقةِ وكان عندي حُليٌّ لي فأَردتُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بهِ فَزَعَمَ ابنُ مسْعُودٍ أَنّهُ وولدَهُ أَحَقُّ مَنْ أتَصَدَّقُ به عليهِمْ؟" فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صَدَقَ ابنُ مَسعود، زَوْجُكِ وولدُكِ أَحقُّ منْ تَصَدّقت به عليهِمْ" رَوَاهُ البخاري.   الحديث دليل على أن الصدقة على القريب أفضل من غيره، وفي الحديث الآخر: "الصدقة على المسكين صدقة وعلى القريب صدقة وصلة"، واستدل به على جواز صرف زكاة المرأة إلى زوجها وهو قول الجمهور.   607- وعن ابن عُمَر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما يزالُ الرَّجُلُ يَسْأَلُ النّاسَ حتى يأتيَ يوْمَ القيامة وليس في وجهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ" متفقٌ عليه.   الحديث دليل على قبح كثرة السؤال لأنه يذهب بهاء الوجه ولهذا يأتي يوم القيامة ووجهه عظم.   608- وعن أَبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ سَأَلَ النّاس أَمْوالَهُمْ تَكَثُّراً فإنما يَسْأَلُ جَمْراً فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ ليَسْتَكْثِرْ" رواهُ مُسْلمٌ.   الحديث دليل على تحريم السؤال من غير حاجة.   609- وعن الزبيْرِ بن العوَّام - رضي الله عنه - عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: "لأَنْ يأخُذَ أَحدُكُمْ حَبْلَهُ فيأتَي بحُزْمةٍ من الحطب على ظهرِهِ فيبيعَها فيكُفَّ بها وَجْهه خيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يسأَلَ الناسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ" رواهُ البخاريُّ.   الحديث دليل على كراهة السؤال ولو مع الحاجة، وفيه الحث على الاكتساب ولو أدخل على نفسه المشقة.   610- وعنْ سَمُرَةَ بن جُنْدُبٍ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ اللهِ - رضي الله عنه -: "المسألةُ كَدٌّ يَكُدُّ بها الرَّجُلُ وجْهَهُ إلا أنْ يسْأَلَ الرَّجُلُ سُلطاناً أَوْ في أَمر لا بُدَّ مِنْهُ" رواهُ الترمذي وصححهُ.   الحديث دليل على تحريم سؤال الناس أموالهم إلا فيما لا بد منه، وهو فقر مدقع أو دم موجع أو غرم مفظع؛ وفيه جواز سؤال السلطان لأنه إنما يسأل من بيت مال المسلمين وله فيه حق، والسلطان بمنزلة الوكيل، والله أعلم.



شارك الخبر

المرئيات-١