أرشيف المقالات

الرافعي بعد عام

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
8 للأستاذ محمد سعيد العريان في صباح الاثنين 10 مايو سنة 1937 نعي المرحوم مصطفى صادق الرافعي إلى أدباء العربية، فجأة وبغير إنذار؛ فسكت القارئ وتلفت السامع، وتغشى السامرين من أهل الأدب سكون ووحشة وانقباض وطالت فترة الصمت، والسامرون في غشيتهم لا ينطقون، إلا نظرات شاردة، وخواطر تصطرع وتموج، وذكريات تنبعث محرقة لاذعة، تذكر بما كان وتنبه إلى ما ينبغي أن يكون.
وهمس هامس: (يرحمه الله! لقد كان رجلاً للدين وللعربية هيهات أن تجد بديلاً منه أو ينقضي زمان من عمر التاريخ!) ثم عاد الصمت، وعاد السكون، إلا النظرات الشاردة، والخواطر المائجة، والذكريات والأماني.
وهتف هاتف في جلال الصمت وفي وحشة السكون: (أن للفقيد لحقاً على اللغة، وحقاً على المسلمين، لا يجزئ فيهما أن نقول: يرحمه الله!) وتدانت الرءوس، وتجاوبت النظرات، وانثالت الأفكار، وتزاحمت الأماني؛ ثم لم يلبث أن عاد الصمت، وعم السكون! ثم عاد القارئ يقرأ، وأنصت السامع يسمع، وانتحى اثنان يداولان الرأي في شأن من شئون الأدب، وتماسك اثنان يفاضلان بين الجديد والقديم؛ وغامت في سماء الندى غائمة، وانعقدت على رءوس السامرين عجاجة، وضج المكان كسالف عهده، واختلطت الأصوات فما يبين صوت من صوت، واشتغل كل بما هو فيه.
وصاح صائح في نبرة اليائس المحزون: (ويحكم يا بني عدنان! لقد شغلتكم دنياكم عن الوفاء، وفتنتكم الحياة عن ذكر الموت! لقد كان هنا إنسان منكم، وإنه لأرفعكم صوتاً، وأبلغكم بياناً، وأبعدكم غاية ومدى؛ فهلا ذكره منك إنسان.
)
وبرقت العيون، واختلجت الشفاه، واهتزت الرءوس، وانبعث صوت السامرين يحوقل ويسترجع في همس خافت، وقال قائلهم: (يرحمه الله! لقد كان.
!)
يرحمه الله! يرحمه الله! هذا كل وفاء العربية للراحلين من أدبائها: يتهاوون من الذروة إلى بطن الوادي فرداً فرداً، وإخوانهم على الطريق ينظرون إليهم في بلادة وصمت؛ لا تشيعهم منهم قدم، ولا تتبعهم عين باكية، ولا يذكرهم منهم إنسان! يرحمه الله! يرحمه الله! هذا كل تراث الأديب في العربية لبنيه وأهله، هو حسبهم من الطعام والشراب والثياب وتكاليف الحياة، وفيه العوض كل العوض من عائلهم الذي طواه الموت بين الصفائح والتراب يرحمه الله! يرحمه الله! هذا هو الخلود الذي ضمنته العربية لمن يموت من أدبائها وهو في ميدان الجهاد يكافح الفقر والمرض وشئون العيال، ويبذل نفسه لينشئ أدباً يسمو بضمير الأمة، ويشرع لها طريقاً تسير فيه إلى عظمة الخلد وسعادة الأبدية ومجد التاريخ! يرحمه الله! يرحمه الله! هذا كل ما تستطيع العربية من كلمات العزاء، وكل ما يملكه أدباء العربية من أساليب المواساة، وكل ما يقدر عليه ناطق يبين، وصديق يتحبب، وحبيب يشعر أن عليه حقاً لمن يموت من أهل البيان! يرحمه الله! يرحمه الله! صوت ما له صدى! وتراث ليس فيه غناء، وطعام لا يهنأ ولا يمرأ، وخلود لا يدوم إلى غد، وعزاء لا يجفف دمعة ولا يخفف لوعة ولا ينفذ إلى قلب طفل سلبه الموت أباه وسعادة دنياه! يرحمه الله! يرحمه الله! .

خلوا عنكم أيها الأدباء الكبار، وأيها الشعراء العظام، وأيها الخطباء المصاقع؛ خلوا عنكم عناءها، سيرحمه الله وإن لم تقولوها؛ سيرحمه بما جاهد، وبما بذل، وبما عانى، وبما تحمل من جهد التضحية ومشقة الحرمان؛ وسيرحمه ثانية بما لقي من العقوق وكان براً، وبما لقي من الغدر وكان وفياً، وبما قوبل من إنكار الجميل وكان من أهل الجميل؛ وسيرحمه بدموع هؤلاء اليتامى، وبأنات هؤلاء الأيامى، وبدعوات كثير من أهل الإيمان وفوا له ما وسعهم الوفاء! مضى عام منذ مات الرافعي، فهل سأل أحد: كم خلف وكم ترك؟ سأحدثكم وإن لم تطلبوها إلي.

.
أما المال فلا سبد ولا لبد، وأما الأدب فثروة للرواة ومحزنة للولد، وأما العيال.

وا حزناً لو كان يجدي الحزن! هذا (سامي) كبيرهم في بعثة الجامعة بأمريكا ما يزال بينه وبين الغاية خطوة؛ وهذه (سعدية) الصغيرة تلثغ في الراء وتضم شفتيها على الباء؛ وبينهما ثمانية يقوم على شئونهم (محمد) الله لهذا الشاب العائل؛ لم يكد ينعم بقرب الأهل بعد فراق سبع سنين في فرنسا لدراسة الطب، حتى كان عليه عبء الأسرة كله، فكأنما كان هو في تلك الغربة وديعة إلى أجل، وذخيرة إلى ميعاد؛ وعاجلته تبعات الحياة وما يزال في باكر الشباب! والحكومة.
.؟ خلي عنك يا وزارة الحقانية، خلي عنك يا وزارة المعارف، خلِّ عنك يا وزير المالية.

الله أكرم! لقد تصرم من عمر الرافعين في خدمة الحكومة ثمان وثلاثون سنة، ومات ولم يجاوز السابعة والخمسين؛ فأي مكافأة وأي جزاء؟ بضعة عشر جنيهاً في كل شهر، تأبى الحكومة إلا أن يكون لها فيها ميراث.
إنه الرافعي، إنه الرجل الذي كان اسمه في مقدمة الأسماء المصرية التي تؤكد زعامة مصر للأمم العربية، وترفع اسمها وتبني مجدها الممتاز، وتسن طرائقها التي يحتذيها الأدباء في العالم العربي.
إنه هو.

ولكنها هي مصر.
! وكتب رئيس الرافعي في وزارة الحقانية كتاباً غداة منعاه إلى وزارة المالية، يصف لها من حال الرافعي ومن خبره، ويقترح.

يقترح أن تنزل الحكومة عن نصيبها من الميراث في (معاش) الرافعي لأولاده.

ولكن وزير المالية يأبى.

ولكن الله أكرم.
! (يرحمه الله! يرحمه الله!) ذلك كان جواب الحكومة المصرية.
! لقد مضى عام، فهل تذاكر أدباء العربية فيما عليهم للرافعي؟ وهل ذكرت الأمة والحكومة ما عليهما من واجب الوفاء للرافعي؟ لقد تداعى الأدباء إلى ميعاد يحتفلون فيه بتأبين الرافعي، وجاء الميعاد وتخلف المدعو والداعي؛ وترادف ميعاد وميعاد وميعاد، ومضى عام، وعلى مكتب كل أديب دعوة لتأبين الرافعي، وفي ذيل كل دعوة جواب المدعو وبخطه أو بلسانه: (يرحمه الله! يرحمه الله!) وعند دكاكين الوراقين أسئلة عن كتب الرافعي، ولكن السوق ليس فيه كتاب من كتب الرافعي؛ وقال قائل: (أعيدوا طبع الديوان، أعيدوا طبع إعجاز القرآن، أعيدوا.
.
أعيدوا.
.)
وقال الطابع والناشر والوراق: (يرحمه الله! يرحمه الله!) وعلى مكتب الرافعي كتب لم تطبع، وقصاصات لم ترتب، وثمرة عقل خلاق كان يجهد جهده ليضيف كل يوم إلى العربية ثروة جديدة وفكراً جديداً.
وقلنا: (يا وزارة المعراف، هذه كتب إن لم تخرج للناس سبق إليها العث والفئران فيضيع على العربية كنز ما لها منه عوض!) ولكن وزارة المعارف في أحلامها الهنيئة لا تسمع ولا تجيب، إلا همساً في أمثال أنفاس النائم تردد قول الناس: (يرحمه الله! يرحمه الله!) وفي الأمة مع ذلك أدباء، وفي الأمة كتاب وشعراء، وفي الأمة ناشئة غافلة ما تزال ترجو الخلود في الأدب.
وفي الأمة عقول ناضجة في أجسام مهزولة من الفقر والجوع؛ وفي الأمة رءوس ممتلئة على أناسي تضطرب كل مضطرب للبحث عن القوت وفي الأمة.

وفي الأمة رءوس فارغة على أجسام تكاد تتمزق شبعاً ورياً؛ وفي الأمة.

وفي الأمة قلوب خاوية في أناسي تتمرغ بين وسائد الدمقس وحشايا الحرير.
وفي الأمة.

وفي الأمة مع ذلك من يتساءل مدهوشاً: (لماذا.

لماذا لا نجد في الأمة العربية شعراء وكتاباً ومنشئين كبعض من نقرأ لهم من أدباء الغربيين.
)
يرحمك الله يا مصطفى.
! بل يرحمك الله أيتها الأمة! (شبرا) محمد سعيد العريان

شارك الخبر

المرئيات-١