أرشيف المقالات

بيع المعدوم

مدة قراءة المادة : 22 دقائق .
2بيع المعدوم
المعدوم هو غير الموجود، أو الذي لا وجود له، وهو ينافي شرطًا من شروط البيع عند الفقهاء وهو: أن يكون المبيع موجودًا وقت التعاقد.   وهو عبارة عن ضابط فقهي يندرج تحته عدد من المسائل، فنجد أن بعض الفقهاء يطلق عدم صحة بيع المعدوم، وهو ما جعل ابن تيمية يقف عند هذا الإطلاق ويناقشه.   اختيار ابن تيمية: اختار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله - جواز بيع المعدوم إذا كان محقق الوجود في المستقبل بحسب العادة وأن ربحه حلال، خلافًا للمشهور من مذهب الحنابلة بالمنع من ذلك [1].   تحرير محل النزاع: المعدوم أنواع عدة: 1- معدوم موصوف في الذمة. قال ابن القيم: فهذا يجوز بيعه اتفاقًا أ.
هـ.
[2] وهو بيع السلم.   2- معدوم لا يدرى يحصل أو لا يحصل مما فيه غرر، فهذا بيعه محرم، وحكي الإجماع على تحريمه [3]، كبيع السنين وحبل الحبلة ونحوها.   3- معدوم تبع للموجود وإن كان أكثر منه، وهو نوعان: أ- نوع متفق على صحة بيعه كما قال ابن القيم، وهو بيع الثمار بعد بدو الصلاح في ثمرة منها وإن كان معدومًا في غيرها وقت العقد، قال بن القيم: فاتفق الناس على جواز بيع ذلك الصنف الذي بدا صلاح واحدة منها، وإن كانت بقية الثمار معدومة وقت العقد.
أ.
هـ [4].   ب- نوع مختلف فيه كبيع المقاثي إذا طابت ونحوها مما يبدو صلاحه شيئًا فشيئًا، وسيأتي بحثها بإذن الله، وهو من ضمن محل الخلاف في المسألة [5].   أقوال العلماء في المسألة: القول الأول: أنه لا يجوز بيع المعدوم، سواءً كان المعدوم متحقق الوجود في المستقبل عادة أو لا، وسواءً كان فيه غرر ظاهر أولا، كبيع حبل الحبلة ونحوه، وهذا قول جمهور الفقهاء من الحنفية [6]، والمالكية [7]، والشافعية [8]، والحنابلة [9].   القول الثاني: جواز بيع المعدوم إذا كان محقق الوجود في المستقبل بحسب العادة، فهو ليس ممنوعًا على الإطلاق وإنما يجوز في بعض الصور ويمنع في بعضها.   وهذا القول رجحه ابن تيمية وابن القيم [10].   أدلة القول الأول: 1- استدلوا بعموم النصوص الدالة على النهي عن بيوع الغرر السابقة الذكر، والغرر ما انطوى عنه أمره وخفي عليه عاقبته، والمعدوم قد انطوى عنه أمره فلم يجز بيعه [11].   ونوقش: أ- بأن المعدوم في صوره الجائزة ليس مقصودًا في عقد البيع وحده ولكنه يدخل تبعًا للموجود، كبيع المقاثي وبيع الثمار بعد بدو صلاحها [12].   ب- أن العلة في النهي عن بيع أنواع من المعدوم ليست هي العدم بل الغرر، وعليه فلا يعتبر العدم علة يعلل بها في جميع الصور، والغرر ما لا يقدر على تسليمه سواءً كان موجودًا أو معدومًا كالعبد الآبق والجمل الشارد [13].   قال ابن القيم: وقد ظن بعض الناس أنه إنما نهي عنه لكونه معدومًا، فقال: لا يصح بيع المعدوم، وروى في ذلك حديثًا أنه - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع المعدوم، وهذا الحديث لا يعرف في شيء من كتب الحديث ولا أصل له، والظاهر أنه مروي بالمعنى من هذا الحديث [يعني حديث النهي عن بيع ما ليس عندك] ا.
هـ.   ثم قال: وغلط من ظن أن معناهما واحد ا.
هـ[14].    ج- ثم من المعدوم ما لا تخفى عاقبته كالسلم، ولذا جوزه الشارع [15].   2- حديث جابر رضي الله عنه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن بيع السنين وهي المعاومة [16].
أخرجه مسلم [17].   ونوقش: أ- بأن الصور الجائزة هنا ليست من بيع السنين، بل بيع موجود ومعدوم يدخل تبعًا للموجود.   ب- ثم هو منع من بعض صور المعدوم لا كل صوره [18].   3- حديث حكيم بن حزام في النهي عن بيع ما ليس عندك السابق [19]، والمعدوم ليس عند الإنسان، وعلى هذا فتكون الإجارة والمساقاة ونحوها على خلاف القياس.   ونوقش: أ- أن الصور التي هي محل النزاع ليست من باب ما ليس عنده، بل هي عنده فهو موجود ومعدوم تابع للموجود.   ب- ثم لا نسلم أن الإجارة والمساقاة ونحوها على خلاف القياس، بل هي على وفق القياس، وهي أصل لوحدها يقاس عليه، وطبيعة هذه العقود أن المعقود عليه غير موجود لكن أصله موجود كما في الإجارة والمساقاة [20].   4- واستدلوا بالإجماع على بطلان بيع المعدوم، حكاه غير واحد.   ونوقش: بأن الإجماع وارد على بعض الصور كحبل الحبلة ونحوه وليس على كل الصور فهي محل خلاف، والخلاف فيها أشهر من أن يذكر كبيع المقاثي ونحوها [21].   5- أن موجب العقد التسليم عقبه فلا يجوز التأخير.   وقد ناقش هذا ابن تيمية بقوله: فيقال له: لا نسلم أن هذا موجب العقد: إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد أو ما أوجبه المتعاقدان على أنفسهما، وكلاهما منتفٍ، فلا الشارع أوجب أن يكون كل بيع مستحق التسليم عقب العقد، ولا العاقدان التزما ذلك، بل تارة يعقدان العقد على هذا الوجه، كما إذا باع معينًا بدين حال، وتارة يشترطان تأخير تسليم الثمن كما في السلم، وكذلك في الأعيان، وقد يكون للبائع مقصود صحيح في تأخير التسليم أ.
هـ.   وقال: بل القبض في الأعيان والمنافع كالقبض في الدين، تارة يكون موجب العقد قبضه عقبه بحسب الإمكان، وتارة يكون موجب العقد تأخير التسليم لمصلحة من المصالح، وعلى هذا فالنبي - صلى الله عليه وسلم - جوز بيع الثمر بعد بدو الصلاح مستحق الإبقاء إلى كمال الصلاح ا.
هـ.
[22].   أدلة القول الثاني: 1- عدم الدليل على التحريم، والأصل في المعاملات الإباحة.   قال شيخ الإسلام: فليس في كتاب الله ولا سنة رسوله، بل ولا عن أحد من الصحابة أن بيع المعدوم لا يجوز، لا لفظ عام ولا معنى عام، وإنما فيه النهي عن بعض الأشياء التي هي معدومة كما فيه النهي عن بيع بعض الأشياء التي هي موجودة ا.
هـ.
[23].   2- ثم العلة في النهي عن بيوع الغرر وما ليس عندك ليست هي العدم بل للغرر الذي خفي أمره.   قال شيخ الإسلام: وليست العلة في المنع لا الوجود ولا العدم، بل الذي ثبت في الصحيح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه نهى عن بيع الغرر، والغرر ما لا يقدر على تسليمه، سواء كان موجودًا أو معدومًا، كالعبد الآبق والبعير الشارد ونحو ذلك مما قد لا يقدر على تسليمه، بل قد يحصل وقد لا يحصل، وهو غرر لا يجوز بيعه وإن كان موجودًا، فإن موجب البيع تسليم المبيع، والبائع عاجز عنه، والمشتري إنما يشتريه مخاطرة ومقامرة، فإن أمكنه أخذه كان المشتري قد قمر البائع، وإن لم يمكنه أخذه كان البائع قد قمر المشتري، وهكذا المعدوم الذي هو غرر، نهي عن بيعه لكونه غررًا، لا لكونه معدومًا ا.
هـ.
[24].   3- تصحيح الشارع للمعدوم في عدد من الصور.   قال شيخ الإسلام ابن تيمية: بل الشارع صحح بيع المعدوم في بعض المواضع؛ فإنه قد ثبت عنه من غير وجه أنه نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحه [25]، ونهى عن بيع الحب حتى يشتد [26]، وهذا من أصح الحديث، وهو في الصحيح عن غير واحد من الصحابة، فقد فرق بين ظهور الصلاح وعدم ظهوره ا.
هـ.
[27].   4- ومن ذلك القياس على السلم فهو معدوم موصوف في الذمة [28].   5- ومن ذلك القياس على بيع التأجيل فهو صحيح مع أنه معدوم حال العقد[29].   الترجيح: والراجح - والله أعلم - هو القول الثاني لقوة أدلتهم ووجاهتها ومناقشة أدلة القول الأول بما يفيد ضعفها.   ويشهد لذلك: 1- ما ذكره ابن تيمية بقوله: ومن أصول الشرع أنه إذا تعارض المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما، فهو إنما نهي عن بيع الغرر لما فيه من المخاطرة التي تضر بأحدهما، وفي المنع مما يحتاجون إليه ضرر أعظم من ذلك، فلا يمنعهم من الضرر اليسير بوقوعهم في الضرر الكثير، بل يدفع أعظم الضررين باحتمال أدناهما.
ولهذا لما نهاهم عن المزابنة لما فيها من نوع ربا أو مخاطرة أباحها لهم في العرايا للحاجة، لأن ضرر المنع من ذلك أشد ا.
هـ.
[30].   2- والقول الأول لما كان فيه ما فيه من التشديد المخالف لأصول الشريعة اضطرهم ذلك إلى التحايل على بعض صور المعدوم كبيع المقاثي لقطة لقطة.   قال ابن القيم: ولما رأى هؤلاء ما في بيعها لقطة لقطة من الفساد والتعذر قالوا: طريق رفع ذلك بأن يبيع أصلها معها ا.
هـ.
[31].   والاحتيال على المحرم قد يكون أشد من الوقوع في المحرم مباشرة كما في قصة أصحاب السبت.   ولعل من أسباب الخلاف: هو الخلاف في إدراج المعدوم في بيوع الغرر [32].   ومن ثمار الخلاف في المسألة الخلاف في بعض صور المعدوم كبيع المقاثي إذا طابت ونحوها [33]، والله أعلم.


[1] انظر: نظرية العقد: (213)، الفتاوى الكبرى: (4/17) (6/120)، مجموع الفتاوى: (29/23-25)، (20/537، 542)، إعلام الموقعين: (1/312، 399)، (2/4، 8-12)، تهذيب السنن: (5/158)، الفروع: (4/27). [2] زاد المعاد: (5/808). [3] انظر: الإجماع لابن المنذر: (114)،، مجموع الفتاوى: (30/237)، المجموع: (9/310)، موسوعة الإجماع لسعدي: (1/174)، الفقه الإسلامي وأدلته: (5/3398). [4] زاد المعاد: (5/808). [5] انظر: زاد المعاد: (5/808). [6] انظر: بدائع الصنائع: (5/138)، تبيين الحقائق: (4/8-9، 12، 13، 50) شرح العناية: (7/114)، درر الحكام شرح غرر الأحكام: (2/186-187)، البحر الرائق: (5/279) مجمع الأنهر: (2/84-85)، حاشية ابن عابدين (5/61). [7] انظر: بداية المجتهد: (2/111)، شرح الزرقاني على الموطأ: (3/384)، مواهب الجليل: (4/363)، التاج والإكليل: (6/225)، حاشية الدسوقي: (3/57). [8] انظر: الأم: (3/118)، نهاية المحتاج: (3/410-415)، أسنى المطالب: (2/103)، حاشية الجمل: (3/69)، مغني المحتاج: (2/42). [9] انظر: المغني: (6/299-300)، الشرح الكبير: (2/325)، الفروع:(4/27)،، المبدع: (4/27)، كشاف القناع: (3/166)، دقائق أولى النهى: (2/147)، الروض المربع مع حاشية ابن قاسم: (4/353). [10] انظر: الفتاوى الكبرى: (4/17) (6/120)، إعلام الموقعين: (1/312، 399)، (2/4، 8-12)، تهذيب السنن: (5/158)، زاد المعاد: (5/808)، جامع الفقه لابن القيم: (4/151). [11] انظر: المجموع: (9/310). [12] انظر: اختيارات ابن القيم: (1/108). [13] انظر: مجموع الفتاوى: (20/543)، زاد المعاد: (5/810)، إعلام الموقعين: (2/9). [14] انظر: زاد المعاد: (5/808). [15] انظر: الغرر وأثره في العقود: (355). [16] والمراد به أن يبيعه ثمرة نخله سنتين أو ثلاثاً، فإنه بيع شيء لا وجود له، مأخوذ من السنة والعام، انظر: المصباح المنير: (438). [17] صحيح مسلم: (3/1175)، كتاب البيوع: (21)، باب (16)، حديث رقم: (85/1536). [18] انظر: الغرر وأثره في العقود: (355). [19] سبق تخريجه ص: ( 243). [20] انظر: مجموع الفتاوى: (20/531)، إعلام الموقعين: (1/399). [21] انظر: المجموع: (9/310)، مجموع الفتاوى: (29/23-25)، موسوعة الإجماع لسعدي: (1/174). [22] انظر: مجموع الفتاوى: (20/544-546)، وانظر: إعلام الموقعين: (2/10). [23] مجموع الفتاوى: (20/542)، وانظر: نظرية العقد: (213)، إعلام الموقعين: (2/9). [24] مجموع الفتاوى:(20/543)، وانظر: نظرية العقد:(213)،إعلام الموقعين:(2/9)،زاد المعاد: (5/810)، الغرر في العقود للخفيف: ( 86) في مجلة معهد البحوث والدراسات العربية. [25] صحيح البخاري: (4/394)، كتاب البيوع (34)، باب رقم (85)، حديث رقم (2194)، صحيح مسلم: (3/1190)، كتاب المساقاة (22)، حديث رقم (15/1555) عن ابن عمر، وعن جابر مثله. [26] سنن أبي داود: (3/253)، كتاب البيوع، حديث رقم (3371)، سنن الترمذي: (3/529)، كتاب البيوع، باب رقم (15)، حديث رقم (1226)، سنن ابن ماجه: (2/747)، كتاب التجارات (12)، باب (32)، حديث رقم (2214-2217)، من حديث جابر وأنس وابن عمر، وقال الترمذي: حسن غريب. [27] مجموع الفتاوى: (20/544)، وانظر: إعلام الموقعين: (2/9). [28] انظر: إعلام الموقعين: (1/399، 400)، زاد المعاد: (5/808). [29] انظر: زاد المعاد: (5/813-815). [30] مجموع الفتاوى: (20/538)، وانظر: إعلام الموقعين: (2/6-7). [31] زاد المعاد: (5/809)، وانظر في المسألة: الغرر وأثره في العقود: (356)، الفقه الإسلامي وأدلته: (5/3398)، الأموال ونظرية العقد، د.
محمد موسى: (284). [32] انظر: مجموع الفتاوى: (20/543)، نظرية العقد: (213)، إعلام الموقعين: (2/9)، زاد المعاد: (5/810). [33] انظر: الغرر وأثره في العقود: (358).



شارك الخبر

مشكاة أسفل ١