أرشيف المقالات

غزوتا مؤتة وتبوك

مدة قراءة المادة : 12 دقائق .
2غزوتا مؤتة وتبوك
بسم الله، والحمد لله، والصلاة على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومَن والاه.   اللهم أنت ربنا لا إله إلا أنت، عليك توكَّلنا وأنت ربُّ العرش العظيم، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم، نعلمُ أن الله على كلِّ شيء قدير، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا، اللهم إنا نعوذُ بك من شرور أنفسنا ومن شر كل دابة أنت آخذٌ بناصيتِها إن ربنا على صراط مستقيم.   قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير، قال: بعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بعثةً إلى مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمانٍ (للهجرة)، واستعمل عليهم زيد بن حارثة، وقال: إن أُصيب زيد، فجعفر بن أبي طالب على الناس، فإن أُصيب جعفر، فعبدالله بن رواحة على الناس.   فتجهَّز الناس وتهيَّؤوا للخروج، وهم ثلاثة آلاف، فلما حضر خروجهم، ودَّعهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وودعهم المسلمون، ثم مضوا حتى نزلوا مَعَانَ من أرض الشام، فبلغ الناسَ أن هرقل (ملك الروم) قد نزل (وجيشه) مآبَ من أرض البَلْقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لَخْم وجُذام وبَهْراء وغيرهم (من قبائل العرب المتحالفين معهم) مائةُ ألف منهم، فلمَّا بلغ ذلك المسلمين أقاموا على مَعَانَ ليلتين يفكرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنُخبِره بعدد عدوِّنا (بأنهم مائتا ألف، ونحن ثلاثة آلاف)، فإما أن يُمدَّنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له.   قال: فشجع الناسَ عبدُالله بن رواحة، وقال: يا قوم، والله (إنكم) خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعددٍ ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذي أكرمَنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين؛ إما ظهور (وانتصار على الأعداء)، وإما الشهادة (في سبيل الله)، قال: فقال الناس: قد والله صدق ابن رواحة.   فمضى الناس حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم (وعملاؤهم) من العرب بقرية من قرى البلقاء، يقال لها: (مشارف)، ثم دنا العدو وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة، فالتقى الناس عندها، فتعبأ لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتِهم رجلاً من بني عذرة يقال له: قطبة بن قتادة بن مالك، وعَبَاية بن مالك، قال ابن إسحاق: ثم التقى الناس واقتتلوا، فقاتل زيد بن حارثة برايةِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى شاط في رماح القوم (وسال دمه فهلك)، فاستشهد - رضي الله عنه - ثم أخذ الراية من بعده جعفر وتسلم قيادة الجيش، فقاتل براية رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى إذا ألحمه القتال (واشتد ودخل بين صفوف الأعداء) اقتحم عن فرسٍ له شقراء فعقرها فرمى نفسه من فرسه التي كان يركبها وقتلها؛ من أجل ألا يعتمد عليها، أو قد تُعِيقه عن القتال، وقيل: السبب في ذلك خشية أن تكون عند الأعداء فيقاتلون بها المسلمين، فراح يواجهُ الروم وحلفاءهم راجلاً وجهًا لوجه، فقاتلهم حتى قتل واستشهد - رضي الله عنه - وكان جعفر أوَّل رجل من المسلمين عقر في الإسلام، فقد نزل عن فرسه يقاتل ويرتجز شعرًا يحثُّ به نفسه على القتال.   وقال ابن هشام: وحدثني مَن أثق به من أهل العلم أن جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - أخذ اللواء بيمينه (بيده اليمنى) فقُطِعتْ، فأخَذه بشماله (بيده اليسرى) فقُطعتْ، فاحتضنه بعضديه حتى قُتِل - رضي الله عنه - وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة، فأثابه الله بذلك جناحينِ في الجنة يطير بهما حيث شاء، فلما قُتِل جعفر تسلَّم عبدالله بن رواحة قيادةَ الجيش وأخذ الراية، ثم تقدَّم بها وهو على فرسِه، فجعل يستنزل نفسه وتردَّد بعض التردد فأحجم بعض الشيء عن أن يندفع إلى القتال اندفاعًا شديدًا كما فعل صاحباه اللذان تقدَّماه بالشهادة - زيد وجعفر - ثم جعَل بعد ذلك يلومُ نفسَه على هذا التردد بأبيات من الشعر يأمر فيها نفسه أن يكون كما كان صاحباه زيد وجعفر، ويخاطبها: أقسمتُ عليكِ يا نفسُ أن تنزلي عن الفرس وتقاتلي، فإن لم تنزلي طوعًا نزلتِ عنها كرهًا إذا قُتلتِ فوقها ونعاكِ القوم واشتد عويلهم.   ثم نزل عن فرسه فأتاه ابن عمٍّ له بعرقٍ من لحم (بعظم عليه شيء من لحم)، فقال: شُدَّ بهذا صلبك، قوِّ بأكلك قطعةَ اللحم هذه نفسَك على القتال، فإنكِ قد لقيتَ في أيامك هذه ما لقيتَ، فأخذه من يده ثم انتهش منه نهشة (فأكل منه شيئاً قليلاً)، ثم سمع الحطمة في ناحية الناس، سمع زحام الناس في القتال في مكان قريب منه، فقال يخاطب نفسه: أما زلتِ تحبين الدنيا وحطامها ومتاعها؟! فألقى عرقَ اللحم من يده قبل أن يتم أكله، ثم أخذ سيفه فتقدم بين صفوف الروم فقاتل حتى قتل واستشهد - رضي الله عنه - ثم أخذ الراية ثابت بن أرقم أخو بني عجلان، فقال: يا معشر المسلمين، اصطلحوا على رجل منكم، قالوا: أنتَ، قال: ما أنا بفاعل، فاصطلح الناس على خالد بن الوليد، فلما أخذ الراية دافع القومَ وحاش بهم، ثم انحاز وانحيز عنه حتى انصرف الناس.   ثم أعلم الله رسولَه - صلى الله عليه وسلم - ما حلَّ بجيش المسلمين وقادته الثلاثة قبل أن يعودوا بوحي أو برؤيا صادقة، ثم أخذ يحدِّث المسلمين بأمرهم، فقال لهم: ((أخذ الرايةَ زيدُ بن حارثة فقاتل حتى قُتل شهيدًا، ثم أخذها جعفر فقاتل بها حتى قُتل شهيدًا))، ثم صمتَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى تغيَّرت وجوه الأنصار وظنُّوا أنه قد كان من عبدالله بن رواحةَ الأنصاري بعضُ ما يكرهونَ، ثم قال: ((ثم أخذها عبدُالله بن رواحةَ فقاتل بها حتى قُتل شهيدًا))، ثم قال: ((لقد رُفعوا إليَّ في الجنة فيما يرى النائم على سررٍ من ذهب، فرأيت في سرير عبدالله بن رواحة ازورارًا (مَيَلانًا) عن سريري صاحبيه، فقلت: عمَّ هذا؟ (لِمَ هذا الميلان)، فقيل لي: مضيا، وتردد عبدالله بعض التردُّد ثم مضى)).   وبعد أن تسلَّم خالد بن الوليد - رضي الله عنه - قيادة جيش المسلمين، فكَّر في الانسحاب من قتال الروم بعد أن وجد أن عدد جيش الروم يفوقُ عدد جيش المسلمين سبعين مرَّة، وأدرك أنه إذا بقي يقاتلُهم بهذه النسبة هلَك جيش المسلمين عن آخرِهم، فعدل عن مواصلة القتال حفاظًا على أرواح المسلمين، فاستطاع بتوفيقٍ من الله ثم بحنكتِه العسكرية أن يتراجع وجيش المسلمين إلى المدينة بسلام، وقد أعذره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولم يعاقبه على انسحابه، بل بارَكَ له فعله.   فقد أقبل خالد بن الوليد - رضي الله عنه - بجيش المسلمين قافلاً، فلما دنَوا من حول المدينة، تلقَّاهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون، وجعل الناس يَحثُون على الجيش التراب، ويقولون: يا فُرَّار، أَفَرَرتم في سبيل الله؟ فيقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ليسوا بالفُرَّار، ولكنهم الكُرَّار إن شاء الله تعالى))؛ إنهم لم يعودوا فرارًا من القتال، ولكنهم عادوا ليتهيؤوا للقتال في جولة قادمة.   وعن أم سلمة زوجة النبي - صلى الله عليه وسلم - قالت: قلتُ لامرأةِ سلمة بن هشام بن العاص بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضرُ الصلاة مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومع المسلمين؟ وكان سلمة - رضي الله عنه - أحد المسلمين الذين شاركوا في غزوة مؤتة، قالت: والله، ما يستطيع أن يخرجَ، فكلما خرج صاح به الناس: يا فُرَّار، أفررتم في سبيل الله! حتى قعد في بيته فما يخرج.   لقد وصف رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صحابته الراجعين من غزوة مؤتة وليسوا بالفُرَّار ولكنهم الكرار، وها هو في غزوة تبوك يُعِيد الكرَّة عليهم ليفي بقوله ووعده، حتى صرَّح - عليه الصلاة والسلام - بأن الغاية من هذه الحملة هو محاربة الروم في عقر دارهم.   وكان الفصل الذي تم فيه تجهيز هذه الحملة فصلَ صيفٍ وحرٍّ شديد، وكانت بلاد الروم بعيدة، واستغلَّ المنافقون عاملَي الحرِّ والبعد؛ لتثبيط عزائم الناس عن الجهاد بقولهم: يغزو محمد بني الأصفر مع جهد الحال والبلد البعيد، إلى ما لا قبل له به، يحسب محمد أن قتال بني الأصفر اللعب؟ فتملَّص من المشاركة في هذه الحملة الأعراب والمنافقون، ولكن الرسول - صلى الله عليه وسلم - استطاع على الرغم من ذلك أن يجهِّز جيشًا قوامه ثلاثون ألفًا من المقاتلين المسلمين، ومعهم عشرة آلاف فرس، فقاده بنفسه وسار بجيش المسلمين حتى نزل في تبوك، وهي منطقة في شمال الجزيرة العربية وتقع ضمن دائرة نفوذ الإمبراطورية البيزنطية، وقد مكث في هذه المنطقة عشرين ليلة، وهرقل ملك الروم يومئذٍ في حمص لم يتحرك لمهاجمة المسلمين.   وفي هذه الغزوة بعث الرسول - صلى الله عليه وسلم - خالد بن الوليد من تبوك في أربعِمائة وعشرين فارسًا إلى أُكَيدر بن عبدالملك بدومة الجندل، وكان أُكَيدر من كندة قد ملكهم وكان نصرانيًّا، فتمكَّن خالد من أسر أُكَيدر وأتى به إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - فحقن له دمه وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله فرجع إلى قريته وحذت حذوَه قرى نصرانيةٌ أخرى، كأَيْلة وتيماء، كانت متحالفة مع الروم، فخاف ملوكُها أن يفعل بهم محمد - صلى الله عليه وسلم - ما فعل بأُكَيدر، فأتوه جميعًا فصالحهم فقطَع عليهم الجزية، وقرَّروا تقديم الولاء للدولة الإسلامية بعد أن كانوا يؤدُّونه للإمبراطورية البيزنطيَّة.   ثم عاد الرسول - صلى الله عليه وسلم - بعد ذلك إلى المدينة في شهر رمضان بعد أن مضى بعيدًا عنها حوالي الشهرين بعد أن أكَّد للروم ولعملائهم أنه لا قدم لهم بعد اليوم في الجزيرة العربية.   وفي هذه الغزوة نزل قولُه -تعالى-: ﴿ فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ * فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ﴾ [التوبة: 81، 82].



شارك الخبر

فهرس موضوعات القرآن