أرشيف المقالات

ليلى المريضة في العراق

مدة قراءة المادة : 17 دقائق .
8 للدكتور زكي مبارك - 10 - أقف قليلاً حتى أستعد لتدوين ما سمعت من ظمياء.
وأشهد أني سمعت بقية حديثها وأنا كاره، لأن أسم عبد الحسيب أصبح يزعجني، فهو الحبيب الأول، وأنا إن شاء الهوى سأكون الحبيب الثاني.
وحماسة ظمياء في سرد القصة قد تنتهي بتذكير ليلى بماضيها فتنتكس وتضيع من يدي، لا قدّر الله ولا سمح.
وهل أملك زمانها إلا إن وصلتُ بها إلى ساحل العافية؟ كتب الله لها السلامة، وشفى من أجلها جميع المرضى من الملاح! ومن واجبي نحو نفسي أن أنص بصراحة على أني لست لئيماً كل اللؤم في هذه القضية - وما أبرئ نفسي، إن النفس أمارة بالسوء، إلا ما رحم ربي - فأنا أحب أن تُعافَي ليلى لأنفرد بهواها، ولكني مع ذلك أشعر في بعض الأحيان أني أخدمها بإخلاص، فانه يعز عليّ والله أن تُعطب سيدة لها مثل طرفها الساحر، وصوتها الرخيم.
يعزّ عليّ أن تعطب مثل تلك الإنسانة وإن خلت منها يدي، وهذه فيما أظن أول مرة أشعر فيها بحلاوة الصدق، فقد مضت أعوام وأنا لا أداوي امرأة جميلة إلا هممت بخطفها من زوجها.
وقد وقعت لي من ذلك حوادث سيطول عليها ندمي، حين أثب إلى رشُدي، أنا الطبيب الآثم الذي زعزع عروش السعادة في كثير من البيوت أنا أشعر حقاً وصدقاً أن ليلى تهمني؛ وأشعر حقاً وصدقاُ أني مستعد للتضحية بنصيبي من هواها؛ ولكن ما الذي يمنع من الجمع بين المزيتين: عافيتها وسعادتي؟ يمكن بسهولة أن تصير محبوبتي بلا بغي ولا عُدوان، والخلاصة أني أريد أن يُنسى اسم عبد الحسيب، ولكن كيف؟ إن قصته تهمني جداً، لأنها ستعلمني كيف أسوس ليلى، وهذا بيت القصيد، فقد أصبح مفهوماً عندي أنه كان (عبيطاً) لا يعرف ما يأتي وما يدع.
وكان مصيره أن يُحرم عطف ليلى، فيمرض هو في مصر، وتمرض هي في العراق، وما احب أن أكون ثالث المرضى! يضاف إلى هذا أن ظمياء ستتكلم أيضاً عن درية أخت عبد الحسيب؛ وهذا الاسم يهمني جداً، ولا اعرف السبب في ذلك، ولعلي أعرف بعد حين، فقد تتذكر الإنسانة التي تح هذا الاسم الجميل أن الفتى الذي كان يصارحها وتكاتمه لم ينس أن جسمها كان أخصب حسم تبختر واختال في شارع فؤاد.
ولعلها تمرض هي أيضاً فيُدَعى لها الطبيب الذي يداوي ليلى المريضة في العراق درية، متى تمرضين؟ إخص عليك! بل متى تتصنعين المرض لأراك - في غير ريبة - ممدَّدة على السرير؟ متى؟ متى؟ إن بلائي سيطول! أنا أغار من اسم عبد الحسيب، فليؤجّل حديثه لحظات، ولأدوِّن بعض الوقائع المتصلة بهذه الأحاديث 1 - بجوار دار المعلمين العالية رجل يجلس على الأرض و (يضرب الرمل) وهو معروف لسائر أهل بغداد، وهو يذكرني بأمثاله من الذين كنت أستخبرهم مصيري في الحب حين كنت أمشي بشارع الخليج.
وما كنت أول محب استخبر الرمل، فزميلي البهاء زهير تنطق أشعاره بأنه كان يعرف جميع من (يضربون الرمل) بالقاهرة أقول إني أقف دقائق كل صباح حول بساط هذا الرجل وأنا في طريقي إلى الدرس، والطلبة يمرون فلا ينتقدون أستاذهم، لأنهم سمعوا أنه أديب فيلسوف لا يهمه غير الوقوف على أحوال المجتمع.
ولكن الواقع غير ذلك، الواقع أني بدأت أتخوف مصيري في هوى ليلى، وأصبحت كالطفل أصدّق كل شيء.
ولكن كيف أستخبر الرمل والطلبة يغدون ويروحون وأكثرهم يحمل المصورات الشمسية، وفي مقدورهم أن يأخذوا صورتي على تلك الحال ويقدموها إلى الجرائد فأصبح محور السمر الساخر في الأندية والمعاهد؟ الحل سهل: أنتظر ذهاب الطلبة للغداء ثم أعرج على ضارب الرمل لأشوف بختي كذلك فعلت ويلاه! ماذا تصنع المقادير؟ أنا أجلس أمام أحد الدراويش في بغداد لأشوف بختي، وأنا الذي غلبت الساحر الهندي على شاطئ الإسكندرية في صيف سنة 1934؟ ليت أيامي تعود! فما زلت أذكر كيف أعطاني ذلك الساحر الهندي عشرين ديناراً في سبيل أن أترك له التفرد بقراءة الكف لمن يحج ذلك الشاطئ من الظبيات وخلاصة القصة أني ذهبت في ضحى يوم صائف إلى خليج ستانلي، ونزلت بثوب البحر إلى ملعب الغزلان، فرأيت فقيراً هندياً يقرأ الكف لفتاة ناهد تشبه أفروديت، أو تشبهها أفروديت، فجلست بجانبهما جلسة الباحث المتعقب، لا جلسة اللاهي اللاعب، وما هي إلا لحظات حتى قلت بصوت الواثق بصحة ما يقول: على رِسلك أيها الساحر، فأنت فيما يظهر قليل العلم بأسرار الكف، وما يجوز لك أن تشغل فتاة بمصيرها على غير هدى.
أين تعلمت هذا العلم أيها الدرويش الجهول! فانزعج الرجل انزعاجاً شديداً، وفقراء الهنود ضعاف العزائم والقلوب في أكثر الأحيان ونظرت الفتاة في استغراب وقالت: وحضرتك تعرف علم الكف؟ فقلت، وأقسم ما قلت غير الصدق: نعم أعرف علم الكف وهو خير ما تعلمت في باريس! فانعطفت الفتاة في تخاذل وقالت: تسمح تقرأ لي كفي! فأخذت يدها ونظرت إلى صدرها مرة وعينيها مرتين، ثم شرعت أقص عليها أخبار المستقبل وما فيه من ابتسام وأنين وما هي إلا دقائق حتى كنت ساحر الشاطئ فهل تعود أيامي؟ هل تعود؟ أمري إلى الهوى! وتخاذل الساحر الهندي وتضعضع وأقبل يسر في أذني: تتفضل بكلمة؟ فقلت: نعم.
وانتحينا بعيداً عن أسماع الظباء فقال: أعرف أنه لا يفل الحديد إلا الحديد، وأعرف ثانياً أني أعلم منك بقراءة الكف، ولكني واثق بالهزيمة إذا ناضلتك، لأنك تحدث الفتياتِ بأحاديث أجهلها كل الجهل، ويغلب على ظني أنك لا تقرأ الكف، وإنما تقرأ العيون، ولا علم لي وحياة غاندي بلغة العيون فقلت: وماذا تريد، أيها الشيخ؟ فقال: أرجو أن تبيعني هذا الميدان (وعندئذ تذكرت أني موظف في الحكومة المصرية وأن من الممكن أن يتعقبني مندوب (آخر ساعة) أو مندوب (روزاليوسف) أو مندوب (الصباح)، وأن من العقل أن أقبض ما يمكن قبضه وأترك الميدان) - وماذا تقدم يا شيخ؟ - أقدم عشرة دنانير - أنا أترك لك هذا الميدان من أجل عشرة دنانير؟ هيهات! - يا سيد، أنت في وطنك وأنا غريب - ونحن لا نترك خيرات بلادنا للأجانب - أنا لست أجنبياً بالمعنى البغيض لهذه الكلمة، فأنا مسلم مثلك وأتكلم اللغة العربية - إنك رجل لبق يا شيخ، ولكني لا أترك هذا الميدان بعشرة دنانير - أنا لم أغنم من هذا الموسم غير أربعين ديناراً - أنت إذاً جهول! ولو كنت مكانك لجمعت ألف دينار في شهرين - هذا ما وقع وأنت تعرف يا سيدي أن عمل السحر صار قليل المكاسب بفضل المقالات التي تكتب ضده كل يوم.
وأنت يا زميلي تعرف ما جنت علينا حذلقة أصحاب الجرائد والمجلات - إذن تدفع عشرين وتحفظ لنفسك عشرين فقبل الرجل وقدم المبلغ، فأخذته وانصرفت وقد علمت بعد ذلك أن عرائس الشاطئ شككن في قدرته على فهم أسرار الكف فبار سوقه وضاع أما أنا فمضيت في دراسة هذا العلم النفيس حتى تفوقت فيه، ولكل مجتهد نصيب أليس من الغريب أن يكون هذا حالي في العلم بمصاير القلوب ثم أجهل مصير قلبي؟ إن هذا لدليل على ضعف القدرة البشرية، إن كان ذلك ما يرتاب فيه الزنادقة والملحدون جلست إلى الرمل أستلهمه وأستوحيه، والأمر للهوى - يابا، يابا - نعي يا عمي - لك أعداء في الشام، وسينصرك الله عليهم - طيب، طيب! (وماذا جنيت حتى يكون لي أعداء في الشام أو لبنان؟) - ولك أعداء في مصر، وسينصرك الله عليهم، قل آمين - آمين، آمين! - ولك في العراق فرد عدو (يعني عدواً واحداً) - طيب - ويجيء إليك فرد مكتوب - من وين يا عمي؟ - من بغداد - خير، خير - وأنت تحب فرد امرأة، وأكُو ناس يحسدونك - أكو خوف يا عمي؟ - ماكو خوف، ولكن احترس فنفحت الرجل درهما ومضيت وبالقرب من جامع مرجان سمعت صوتاً يناديني فالتفت فإذا أحد سعاة البريد يقدم إليّ خطاباً فعجبت من أن تفضحني ليلى إلى هذا الحد، ونظرت فرأيت العنوان مكتوباً بهذه الصورة الطريفة: (لحضرة الأستاذ الخفيف الروح الدكتور زكي مبارك يسلم إليه أثناء تجواله في شوارع بغداد!!) شيء ظريف حقاً! وأي ظرف أروع وأمتع من أن تصبح دار إقامتي موزعة بين شوارع بغداد، وأن ترى مصلحة البريد أنها مسئولة عن البحث عني في شوارع بغداد؟ إن مرسل هذا الخطاب لابد أن يكون أظرف الناس.
وإذا كان العنوان بهذه الصورة من اللطف فسيكون الخطاب ولا ريب آية الآيات في خفة الظل ولطف النسيم ولكني ما كدت أفض الظرف وأنظر الخطاب حتى انزعجت.
فهو بغير إمضاء وكاتبه ينهاني عن عيادة ليلى، ويهددني بالقتل.

أمري إلى الله لا إلى الهوى! ورأيت أن أحتاط لنفسي فذهبت أستشير صديقاً بالمفوضية المصرية سبقني إلى العراق بسنتين؛ فكان من رأيه أن أبلغ الخطاب إلى الشرطة.
وأكد لي أن العراقيين لا يعرفون المزاح في هذه الشؤون.
وبعد ساعة من تسلم الخطاب كنت عند سعادة رئيس الشرطة، فكان أول كلامه بعد رد التحية أن قال: - إيش لون ليلى؟ - أهدّد من أجلها بالقتل! وقدمت إليه الخطاب فكان يقرأ والغضب ينقله من لون إلى لون، ثم ابتسم فجأة وقال: - ولكنه صفح عنك! - صفح عني؟ وكيف؟ - ألم تقرأ هذه الجملة؟ ونظرت فإذا في نهاية الخطاب (ولكني عدلت عن هذا الخاطر لأني إذا قتلتك قتلت معك علماً غزيراً في الطب، وذوقاً دقيقاً في الأدب) فعجبت أن تفوتني هذه الجملة، ولكن يظهر أن انزعاجي صرفني عن استيعاب الخطاب؛ والتهديد بالقتل يصنع أشنع من ذلك.
عافى الله قراء هذه المذكرات من الأسواء ولما اطمأننت إلى صفح غريمي في هوى ليلى تشجعت وقلت: ومع هذا فأنا لا أبالي أحداً، وقديماً قال جميل: فليت رجالاً فيكِ قد نذروا دمي ...
وهَّموا بقتلي يابثين لقوني إذا ما رأوني طالعاً من ثَّنية ...
يقولون من هذا وقد عرفوني فقال رئيس الشرطة وهو يبتسم: يجب أن تثق يا دكتور أن العراقيين يفدون ضيوفهم بالأرواح، وهم لا يخافون عليك إلا عادية هواك 2 - تفضل سكرتير محطة الإذاعة العراقية فدعاني لإلقاء محاضرة عن الحِكم العطائية؛ وأنا فيما يظهر رجل خدّاع، فقد ظن الأستاذ فؤاد جميل أني أصلح الناس للكلام عن حِكم ابن عطاء الله؛ ولعل حياتي في بغداد هي التي هدته إلى ذلك، فقد رآني أحفظ آداب الصيام، وأؤدي الفرائض والنوافل، فظنني رجلاً تقياً، ونسى هذا الأديب أن الغريب لا فضل له في التخلق بمكارم الأخلاق.
وهل يستطيع رجل مثلي أن ينحرف عن الصراط المستقيم في بغداد؟ إن استقامتي في هذه المدينة ليست إلا ضرباً من الآداب الصناعية، ولن تكون لها قيمة إلا إذا عاملني الله عز شأنه بالمثل المأثور (يؤجر المؤمن رغم أنفه) وهنا أشعر بأن الله تباركت أسماؤه خصني بمزية قليلة الأمثال، فأنا أحاسب نفسي قبل أن يحاسبني الناس، وأدوّن عيوبي قبل أن يدونها الكرام الكاتبون، وربما كنت الرجل الوحيد الذي يخفي حسناته - إن كانت له حسنات - حتى لا تزل قدمه في مز الق الرياء أقول إني ألقيت محاضرة في محطة الإذاعة عن حِكم ابن عطاء الله، ولكني ما كدت أودع جمهور المستمعين حتى كان المذياع يجلجل: يقولون ليلى في العراق مريضة ...
فيا ليتني كنت الطبيب المداويا وكانت لحظة طرب لن أنساها ما حييت، فاسم ليلى يشوقني، وبفضل ليلى رأيت العراق.
وبدا لي أن أسأل عن صاحب الفضل في إمتاعي بهذا الصوت، فعرفت أنه الأستاذ يونس بحري صاحب جريدة العُقاب.
ويونس بحري أديب شرب ماء النيل، وذاق لذة الأسمار في القاهرة، وعرف كيف تطيب الأصائل والعشيات في مصر الجديدة والزمالك والمعادي وحلوان، وتمرغ على الرمل المقدس: رمل الإسكندرية وبور سعيد ودمياط، وقد شاء له وفاؤه لمصر أن يؤنسني بهذا الصوت، لأنه يعرف أني طبيب ليلى، ولأنه يعرف أن السيدة نادرة حضرت نادي الصحافة منذ سنين فلم تر إلا أن تجلس بجانبي عند اخذ الصورة التاريخية ليصح لها أن تقول إنها رسمت وبجانبها قلب خفّاق وليس من التزيد أن أقول إن محاضراتي في الإذاعة ينتظرها الناس في جميع أرجاء العراق؛ وكذلك كان إلقاء ذلك الصوت بعد محاضرتي شاهداً على حلاه الدعابة العراقية التي خلدها أبو الفرج الأصفهاني على وجه الزمان جلست بعد المحاضرة أستمع هذا الصوت، والرفاق يضجون من حولي بالضحك وفاتهم أني صرت كالذي قال: بكيت عينيَ اليسرى فلما زجرتها ...
عن الحلم بعد الجهل أسبلتا معا فقد كنت أعرف أن ليلى تسمع، وكنت أعرف أنها ستطرب لهذا الصوت الذي حبسه البغداديون عن أذنيها خمس سنين، وكنت أعرف أنها لو رأتني لقّبلتني.
ولكن هل تقبّلني ليلى؟ ليت ثم ليت! وخرجت من دار الإذاعة فعبرت دجلة من الكرخ إلى بغداد وأنا في ذهول، فحدثتني النفس بحلاوة الغرق في ذلك النهر الذي وعَى ما وعَى، وضيَّع ما ضيَّع، من أسرار القلوب.
ثم تذكرت ديوني في القاهرة، ديوني للوجوه الصِّباح التي تعطّر بأنفاسها نسائم مصر الجديدة والزمالك، وديوني لعرائس دمياط اللائى تفردن بنعومة الأجسام وعذوبة الأحاديث: رباه صُغْتَ فؤادي ...
من الأسى والحنين ولم تشأ لضلوعي ...
غير الجوى والشجون فكيف تصفو حياتي ...
من الهوى والفُتُون أم كيف تُرجى نجاتي ...
من ساجيات الجفون وهل من الإثم في هوى ليلى أن أحنّ إلى هوايَ في القاهرة عروس الشرق؟ هل من الآثم في هوى ليلى أن أتذكر غَبُوقي بمصر الجديدة وصَبُوحي بالزمالك؟ هل من الآثم في هوى ليلى أن أقول إني أبذل دمي إن استطعت لأفضي ليلة واحدة في ضيافة ليلى الصحيحة في حلوان؟ متى تعود أيامي وأستأنف اختطاف القبلات في القطار بين المعادي وحلوان؟! وما كنت أنتظر أن يخط قلمي أمثال هذه الاعترافات، ولكني أحب أن تغار الإنسانة التي سيخلِّد اسمها شارع العباس ابن الأحنف في بغداد، فإن غارت فهي ليلى بنت ليل وإلا فهي صخرة تغمرها الثلوج في أقاصي الشمال وأقسم لئن لم تنته عن تغافلها البغيض لأحدثنها عن لياليّ وأيامي في فندق مينا هاوس بسفح الأهرام؛ ولئن فعلت لأصوّبنَ إلى صدرها سهماً مسموماً لا يُرجى منه شفاه ليلى، يا بنت الفرات! أمري وأمرك إلى الهوى، فإليه ترجع القلوب! ألم يأن لي أن أعود إلى حديث الضابط عبد الحسيب؟ إن حديثه لن يصل إلى ليلى حتى أكون أنسيتُها كل من في الوجود.
وهل أمكنَ يوماً أن يكون لي فيمن أحب شريك؟ فلتقص حديث ذلك الغريم بلا تهيب ولا إشفاق قالت ظمياء (وما أعذب كلام ظمياء) - وأفاض الشيخ دعاس في شرح الاستشراق والاستغراب ففهمنا أن المستشرق هو الذي يدّعي علم الشرق، والمستغرب هو الذي يدّعى علم الغرب.
ثم تشعب الحديث من فن إلى فن، فانتقلنا من الأدب إلى السياسة؛ وليلى لم تشاطرنا الحديث، فقد كانت مشغولة البال بانتظار عبد الحسيب.
وكانت ترجو أن يكون هو الفتى الذي رافقناه في قطار المعرض. وبعد ساعات مرت على ليلى كأنها أعوام دخل شاب أخضر العينين، وكان هو يا مولاي، هو نفس الفتى الذي دارت معه ليلى في قطار المعرض دورتين - وكيف كان التلاقي؟ - فرّت ليلى من وجهه فرار الظبية الضعيفة من القانص الظلوم، فانزوت في أحد أركان البيت.
وألحت السيدة نجلاء في أن تتفضل ليلى بالسلام عليه، فاعتذرتْ بأن سلام الفتاة على الفتى وهي ليست من محارمه أدب تنكره حرائر العراق (للحديث شجون) زكي مبارك

شارك الخبر

المرئيات-١