أرشيف المقالات

الوفاء بالعهد من مبادئ الإسلام

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
2الوفاء بالعهد من مبادئ الإسلام
يظهر ذلك من خلال صحابيين يُدعَى أحدهما: عُبَيد بن أَسِيد بن جارية، أو عُتْبَة بن أَسِيد، وكان يُكنَّى بأبي بَصِير، وهذا هو اللقب الذي اشتهر به في كتب السيرة، وُلِد في مكة من أبوين عربيينِ من بني ثَقِيف، وأمُّه من بني هاشم جد الرسول - صلى الله عليه وسلم - أسلم في الأرجح إبَّان الدعوة العلنية، وأخفى إسلامه؛ خوفًا من قريش التي كانت من أشد معارضي الدعوة، فلما علِم قومُه بإسلامه سجنوه، وظل مسجونًا حتى تمكَّن من الهرب إلى المدينة بعد صلح الحديبية.   ويدعى الثاني: العاص بن سُهَيل بن عمرو بن عبدشمس، وكان يُكنَّى بأبي جَنْدل، وقد اشتهر بهذا اللقب أيضًا في كتب السيرة، ووُلِد أيضًا في مكة لأبوين عربيَّين من قريش من بني عامر، وقد أسلم أبو جندل قبل الهجرة النبوية، وهو كأبي بَصِير، أسلم وأخفى إسلامه وكتمه عن آل بيته، فلمَّا علِم أهلُه بإسلامِه سجنوه، ثم تمكَّن من الفرار من سجنه والتحاقه بأبي بصير.   صلح الحديبية: بعد هجرة الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة وبعدَ معركة بدرٍ وأُحُدٍ وغزوة الخندق، عزم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يزورَ مكَّة ويؤدِّيَ فيها مناسك العمرة، فلما توجَّه مع صحابته إلى مكة، منعتْه قريشٌ من دخولها، وعقَدوا معه مفاوضاتٍ، كان من بنودها أن يرجِعَ الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى المدينة، ويأتي مكة معتمرًا في العام المقبل، وكان من بنودها أيضًا بند ينصُّ - وحسبما ثبت في وثيقة الصلح - على أنه من أتى محمدًا من قريش بغير إذنِ وليِّه، ردَّه عليهم، ومَن جاء قريشًا ممَّن مع محمدٍ، لم تَرُدَّه عليه.   بعد أن أتم الرسول - صلى الله عليه وسلم - كتابةَ هذا البند وباقي بنود الصلح، طلع على الرسول - صلى الله عليه وسلم - أبو جندل وهو يرسُفُ بالحديد، وكان أبوه قد حبسه في مكة، فأفلت من سجنه والتجَأ إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - يريد الفرار بدينه إليه، فلما رآه أبوه صاح: يا محمد، رُدَّه إلينا؛ استنادًا إلى ما تم بيننا من معاهدات، فردَّه إلى أهله قائلاً: ((يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا، وإنَّا صالَحْنا القوم، وإنا لا نغدر ولا نخون))، فصاح أبو جندل بأعلى صوته: يا معشر المسلمين، أأُرَدُّ إلى المشركين يفتنوني في ديني؟!   وعلى وَفْقِ شروط المعاهدة أُعِيد أبو جندل إلى مكة وحُبس مجددًا، وقد أثَّر هذا الموقف المثير في عموم المسلمين الذين كانوا قد خرجوا مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ولم تمضِ بضعةُ أشهرٍ على توقيعِ معاهدة الصلح حتى تمكن أبو بَصِير - رضي الله عنه - من الإفلات من سجنه والالتحاق بالرسول - صلى الله عليه وسلم - في المدينة، ولمَّا كان زعماء مكة يُدرِكون تمامًا أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سيُنفِّذ بنودَ الصلح من دون أي تأخير أو تردد كان، فقد كتب الأخنس بن شريق والأزهر بن عوف كتابًا بعثَا به مع مولى لهما ورجلٍ من بني عامر بن لُؤَي استأجراه؛ ليردَّ إليهم أبا بصير، وعندما وصلا إلى المدينة وأخبرا الرسول - صلى الله عليه وسلم - بخبر صاحبيهما ودفعا إليه بكتاب قريش، دعا رسول الله على الفور أبا بصير، وقال له: ((يا أبا بصير، إن هؤلاء القوم قد صالحونا على ما قد علمتَ، وإنَّا لا نغدر ولا نخون، فالحق بقومك))، فقال: يا رسول الله، أترُدُّني إلى المشركين ليفتنوني في ديني؟! فقال له الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ((اصبر يا أبا بصير واحتسب، فإن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين من المؤمنين فرجًا ومخرجًا)).   وكما توقَّع زعماء المشركين فقد استجاب الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكتابِهم فالتزم ببنودِ المعاهدة ووفَّى بها؛ لأن الوفاء بالعهد من أخلاق المسلمين ورسولهم الكريم، فأمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - فورًا أبا بصير بضرورة العودة إلى مكة؛ وفاءً للعهد مع قريش، فامتَثَل أبو بصير - رضي الله عنه - بأمرِ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورافق مبعوثي قريش اللَّذينِ كُلِّفا بإعادته إلى مكة، إلا أن أبا بصير لم يستطع أن يتقبَّل قضية وصولِه إلى مكة، وخشي أن يفتنوه عن دينه، فتمكَّن وهو مع القرشيين في منتصف الطريق بين مكة والمدينة أن يقتُلَ أحدَ حارسَيْه وهرب منهما، وجاء الحارس الثاني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: لقد قَتَلَ صاحبُكم صاحبي، وقد أدرك أبو بصير بأنه لا مكان له في مكة ولا في المدينة، فخرج حتى نزل العيص من ناحية ذي المروة على ساحل البحر، وهي منطقة تكثر فيها الأشجار، وبعد أن علِمَت قريش وأهل مكة وباقي القبائل العربية بأمر أبي بصير والمكان الذي التجأ إليه، كان كل مَن يُعلِن إسلامه منهم ويستطيع الإفلات من قومه يلتجئُ إلى العيص ملجأِ أبي بصير، وكان أول مَن التجأ إليه أبو جندل - رضي الله عنه - بعد أن تمكَّن من الإفلات من سجن أبيه وقومه، فكثُر الملتحقون بأبي بصير، ثم ألَّف أبو بصير ممَّن التحق به قوة عسكرية تقوم بالاستطلاع، والهجوم، والقتال، ومشاغلة المشركين، والتعرض لقوافلهم التجارية، فلما أدركت قريشٌ خطرَ هؤلاء على مصالحهم، وبعد أن أدركوا أنهم ليسوا تحت ولاية الرسول - صلى الله عليه وسلم - سارعت للتخلِّي عن هذا البند وهي صاغرة؛ لذا أرسلت إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - تطلب منه إيواءَ أبي بصير وأعوانه، فلما وصل هذا الكتاب إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتب - عليه الصلاة والسلام - إلى أبي بصير وأبي جندل ليَفِدَا عليه بمَن معهما، فقدِم كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على أبي جندل، وأبو بصير في سكرات الموت، فمات أبو بصير - رضي الله عنه - وكتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده يقرؤه، فدفَنه أبو جندل مكانه وصلَّى عليه.



شارك الخبر

ساهم - قرآن ١