أرشيف المقالات

من أحرم وفي يده صيد

مدة قراءة المادة : 16 دقائق .
2من أحرم وفي يده صيد المرتع المشبع في مواضع من الروض المربع   قوله: ((ولا يملك المحرم - ابتداء - صيدًا بغير إرث، وإن أحرم وبملكه صيد لم يزل، ولا يده الحكمية، بل تُزال يده المشاهدة بإرساله...)) إلى آخره[1]. قال في ((الشرح الكبير)): مسألة: (وإن أحرم وفي يده صيدٌ أو دخل الحرم بصيد لزمه إزالة يده المشاهَدَةِ دون الحكمية عنه، فإن لم يفعل فتلف ضمنه، وإن أرسله إنسان من يده قهرًا فلا ضمان على المُرْسِلِ) إذا أحرم وفي ملكه صيد لم يزل ملكه عنه ولا يده الحكمية، مثل أن يكون في يده أو في يد نائب له في غير مكانه، ولا شيء عليه إن مات، وله التصرُّف فيه بالبيع والهبة وغيرهما، وإن غصبه غاصب لزمه رده، ويلزمه إزالة يده المشاهدة عنه، ومعناه إذا كان في قبضته، أو خيمته، أو رَحْلِه، أو قفص معه، أو مربوط بحبل معه لزمه إرساله، وبه قال مالك[2] وأصحاب الرأي[3].   وقال الثوري: هو ضامن لما في بيته أيضًا.
وحكي نحو ذلك عن الشافعي[4].   وقال أبو ثور: ليس عليه إرسال ما في يده، وهو أحد قولي الشافعي[5]؛ لأنه في يده ولم يجب إرساله كما لو كان في يده الحكمية، ولأنه لا يلزم من منع ابتداء الصيد المنع من استدامته بدليل الصيد في الحَرَم.   ولنا[6] على أنه لا يلزمه إزالة يده الحكمية: أنه لم يَفْعل في الصيد فِعلاً فلم يلزمه شيء كما لو كان في ملك غيره، وعكس هذا إذا كان في يده المشاهدة؛ لأنه فعل الإمساك في الصيد فكان ممنوعًا منه، وكحالة الابتداء فإن استدامة الإمساك إمساك بدليل أنه لو حلف لا يملك شيئًا فاستدام إمساكه حنث.   والأصل المقيس عليه ممنوع، والحكم فيه ما ذكرنا قياسًا عليه، إذا ثبت هذا فإنه متى أرسله لم يَزُلْ ملكه عنه، ومن أخذه ردَّه عليه إذا حل، ومن قتله ضمنه له؛ لأن ملكه كان عليه وإزالة يده لا تزيل الملك بدليل الغصب والعارية.   فإن تلف في يده قبل إرساله مع إمكانه ضمنه؛ لأنه تلف تحت اليد العَادِيةِ فلزمه ضمانه كمالِ الآدمي، ولا يلزمه ضمانه قبل إمكان الإرسال لعدم التفريط والتعدي، فإن أرسله إنسان من يده قهرًا فلا ضمان عليه؛ لأنه فعل ما له فعله، ولأن اليد قد زال حكمها وحرمتها، فإن أمسكه حتى حلَّ فملكه باق عليه؛ لأن ملكه لم يزل بالإحرام إنما زال حكم المشاهدة فصار كالعصير يتخمَّر ثم يتخلل قبل إراقته.   فصل: ومن ملك صيدًا في الحل فأدخله الحَرَم لزمه رفع يده وإرساله فإن تلف في يده، أو أتلفه، فعليه ضمانه؛ كصيد الحل في حق المحرِم.   قال عطاء: إن ذبحه فعليه الجزاء.
ورُوي ذلك عن ابن عُمر رضي الله عنهما.   وممن كره إدخال الصيد الحرم ابن عمر وابن عباس وعائشة وعطاء وطاووس وأصحاب الرأي[7]، ورخَّص فيه جابر بن عبدالله، ورويت عنه الكراهة[8].   قال هشام بن عروة: كان ابن الزبير تسع سنين يراها في الأقفاص، وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم لا يرون به بأسًا[9]، ورخَّص فيه سعيد بن جبير ومجاهد ومالك[10] والشافعي[11] وأبو ثور وابن المنذر[12]؛ لأنه مَلَكَهُ خارجًا وحلَّ له التصرف فيه، فجاز له ذلك في الحرم، كصيد المدينة.   ولنا[13]: أن الحَرَم سبب محرِّم للصيد؛ يوجب ضمانه، فحرم استدامة إمساكه كالإحرام؛ ولأنه صيد ذبحه في الحرم فلزمه جزاؤه كما لو صاده منه، وصيد المدينة لا جزاء فيه بخلاف صيد الحَرَم.   فصل: فإن أمسك صيدًا في الحَرَم فأخرجه؛ لزمه إرساله من يده كالمحرِم إذا أمسك الصيد حتى حلَّ، فإن تركه؛ فتلف؛ فعليه ضمانه، كالمحرِم إذا أمسكه حتى تحلَّلَ))[14].   وقال في ((الإفصاح)): (([واختلفوا][15]: فيما إذا أدخل الحلالُ صيدًا من الحِلِّ إلى الحرم: فقال أبو حنيفة[16] وأحمد[17]: يجب عليه إرساله وتخليته. وقال مالك[18] والشافعي[19]: لا يلزمه إرساله، وله ذبحه والتصرُّف فيه))[20].   وقال في ((الفروع)): ((وإن أحرم وفي ملكه صيد؛ لم يزل ملكه عنه؛ ولا يده الحكمية؛ كبيته ونائبه في غير مكانه، ولا يضمنه، وله نقل الملك فيه، ومن غصبه لزمه ردُّه، وإن كان بيده المشاهدة كرَحْله وخيمته وقَفَصِهِ لزمه إرساله، وملكه باق، فيرده من أخذه، ويضمنه من قتله.   وإنْ لم يرسله فقيل: يضمنه.
وجزم الشيخ - وقدَّمه في ((الفصول)) -: إنْ أمكنه، وإلا فلا؛ لعدم تفريطه، نص أحمد[21] على التفرقة بين اليدين، وعليه الأصحاب، وفاقًا لأبي حنيفة[22] ومالك[23]، وللشافعي قولان: أحدهما[24]: يزول ملكه مطلقًا. والثاني[25]: لا.
وله في لزوم إرساله مطلقًا قولان، والأشهر للحنفية[26]: لا يلزمه إرساله مِن قفصٍ معه.
ولهم قول: إن كان في يده لزمه على وجه لا يضيع...   إلى أن قال: وإن ملك صيدًا في الحِلِّ فأدخله الحَرَم لزمه رفع يده وإرساله، فإن أتلفه أو تلف ضمِنه كصيد الحِلِّ في حقِّ المُحْرِم.
نقله الجماعة وعليه الأصحاب، وفاقًا لأبي حنيفة[27] ويتوجَّه: لا يلزمه إرساله، وله ذبحه ونقل الملك فيه وفاقًا لمالك[28] والشافعي[29]؛ لأن الشارع إنما نَهَى عن تنفير صيد مكة، ولم يبين مثل هذا الحكم الخفي مع كثرة وقوعه، والصحابةُ مختلفون، وقياسه على الإحرام فيه نظر؛ لأنه آكد؛ لتحريمه ما لا يحرم))[30].   وقال البخاري: ((باب: إذا أُهدي للمُحْرِم حمارًا وحشيًا حيًّا لم يقبل.   وذكر حديث الصَّعْب بن جثَّامة الليثي أنه أهدى لرسول الله صلى الله عليه وسلم حمارًا وحشيًا وهو بالأبْواء أو بوَدَّان فردَّه عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: (إنا لم نردّه عليك إلا أنا حُرُم)[31])).   قال الحافظ: ((وفيه أن على المُحْرِم أن يرسل ما في يده من الصيد الممتنع عليه اصطياده))[32].   وقال في ((الشرح الكبير)): ((فإن تَفَلَّى المُحْرِم أو قتل قملاً فلا فدية فيه، فإن كعب بن عُجْرة حين حَلَق رأسه قد أذهب قملاً كثيرًا، ولم يجب عليه لذلك شيء، إنما أوجب الفِدية بحَلْق الشعر؛ ولأن القمل لا قيمة له فأشبه البعوض والبراغيث؛ ولأنه ليس بصيد، ولا هو مأكول.   حُكي عن ابن عمر قال: هي أهون مقتول[33].   وسُئل ابن عباس في مُحرِم ألقى قملة، ثم طلبها فلم يجدها.
قال: تلك[34] ضالة لا تُبتغى[35]، وهذا قول طاوس وسعيد بن جبير وعطاء وأبي ثور وابن المنذر[36].   وعن أحمد[37] في مَن قَتَل قَمْلةً، قال: يطعم شيئًا.
فعلى هذا أي شيء تصدَّق به أجزأه، سواء قتل قليلاً أو كثيرًا، وهذا قول أصحاب الرأي[38].   وقال إسحاق: تمرة فما فوقها.   وقال مالك[39]: حفنة من طعام.
ورُوي ذلك عن ابن عمر[40].   وهذه الأقوال كلها قريبٌ من قولنا فإنهم لم يريدوا بذلك التقدير، وإما هو على التقريب لأقلِّ ما يتصدَّق به.   فصل: والخلاف إنما هو في قتله للمُحرِم، أما في الحرم فيُباح قتل القمل بغير خلاف))[41].


[1] الروض المربع ص200. [2] الشرح الصغير 1 /294، وحاشية الدسوقي 2 /72. [3] فتح القدير 2 /277، وحاشية ابن عابدين 2 /608- 609. [4] تحفة المحتاج 4 /179- 180، ونهاية المحتاج 3 /345. [5] المجموع 7 /327- 328. [6] شرح منتهى الإرادات 2 /479، وكشاف القناع 6 /153. [7] فتح القدير 2 /277- 278، وحاشية ابن عابدين 2 /608- 609. [8] روى هذه الآثار ابن أبي شيبة 3 /348. [9] أخرجه البيهقي في الكبرى 5 /203. [10] الشرح الصغير 1 /294- 295، وحاشية الدسوقي 2 /79. [11] تحفة المحتاج 4 /182، ونهاية المحتاج 3 /345. [12] الإشراف 3 /247- 248 (1383). [13] شرح منتهى الإرادات 2 /478، وكشاف القناع 6 /153. [14] الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 8 /298- 302. [15] سقطت من الأصل، واستدركناها من المطبوع. [16] فتح القدير 2 /277، وحاشية ابن عابدين 2 /608- 609. [17] شرح منتهى الإرادات 2 /479- 480، وكشاف القناع 6 /154. [18] الشرح الصغير 1 /294- 295، وحاشية الدسوقي 2 /79. [19] تحفة المحتاج 4 /182، ونهاية المحتاج 3 /345. [20] الإفصاح 1 /498. [21] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 8 /300. [22] فتح القدير 2 /277- 278، وحاشية ابن عابدين 2 /611. [23] الشرح الصغير 1 /294- 295، وحاشية الدسوقي 2 /79. [24] تحفة المحتاج 4 /179- 180، ونهاية المحتاج 3 /343- 345. [25] المجموع 7 /338. [26] فتح القدير 2 /277- 279، وحاشية ابن عابدين 2 /608- 609. [27] فتح القدير 2 /278، وحاشية ابن عابدين 2 /612- 613. [28] الشرح الصغير 1 /259، وحاشية الدسوقي 2 /72. [29] تحفة المحتاج 4 /179، ونهاية المحتاج 3 /345. [30] الفروع 3 /417- 420. [31] البخاري (1825). [32] فتح الباري 4 /31. [33] أخرجه البيهقي 5 /213.
قال الألباني في الإرواء 4 /221: إسناده جيد، رجاله كلهم رجال البخاري. [34] في الأصل: ((مالك))، والمثبت من الشرح الكبير 8 /311- 312. [35] أخرجه عبدالرزاق 4 /414 (8263)، والبيهقي 5 /213. قال الألباني في الإرواء 4 /220: سنده صحيح. [36] الإشراف 3 /266. [37] الإنصاف مع المقنع والشرح الكبير 8 /312. [38] فتح القدير 2 /268، وحاشية ابن عابدين 2 /605. [39] الشرح الصغير 1 /289، وحاشية الدسوقي 2 /64. [40] أخرجه عبدالرزاق 4 /412 (8258). [41] الشرح الكبير مع المقنع والإنصاف 8 /311- 312.



شارك الخبر

المرئيات-١