أرشيف المقالات

رسَالة العلم

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
8 الزنك كعنصر أساسي لنمو النبات للأستاذ عبد الحليم منتصر كان المعتقد إلى عهد قريب أن العناصر الأساسية لنمو النبات، أي التي لا يستطيع أن يتابع نموه بحالة طبيعية بدونها هي الكربون والأيدروجين والأكسجين والأزوت والكبريت والفسفور ثم الحديد والبوتاس والمغنسيوم والكلسيوم، ولم يجد العلماء كبير عناء في إثبات أهمية أي عنصر من هذه العناصر، ولم يصادفوا أية مشقة في دراسة الدور الذي يقوم به كل منها في بناء النبات، بل لقد عرفوا تفصيل كل ذلك بصورة قاطعة لم يعد الشك يتطرق إليها.
فالثلاثة الأول تكون الكربوايدراتات التي توجد بالنبات، ومنها مع الثلاثة التالية، يتكون البروتبلازم ومركباته.
أما العناصر الأربعة الأخرى فهي ضرورية جداً للنبات على رغم عدم دخولها في تركيب مادته.
فالحديد والمغنيسيوم ضروريان جداً لتكوين مادة الخضير التي بدونها لا يستطيع النبات الأخضر تحضير مواد غذائه، كما أنه لا يستطيع تكوين النشاء إذا انعدم البوتاس من عناصر تغذيته، كذلك يدخل الكلسيوم في تكوين هيكل النبات الداخلي، أي في جُدُر خلاياه، كما أنه لازم ليكون انقسام الخلايا في الأجزاء النشطة عادياً وليس ثمة شك في أساسية هذه العناصر التي يأخذها النبات - ماعدا الكربون والأكسجين للتنفس - من التربة.
والقول بأن هذه العناصر أساسية لا يقصد منه أن غيرها لا لزوم له، بل على النقيض من ذلك قد يوجد بالنبات عشرات من العناصر الأخرى لها بعض الأثر في نمو النبات وأزهاره وأثماره، ولكنه لا يكون لانعدامها هذا الأثر الذي نلاحظه عند حذف أي عنصر من هذه العناصر سالفة الذكر.
ويمكن القول بأن هذه العناصر هي الأساسية إجمالاً أو إطلاقاً، أما غيرها فقد يكون لازماً لبعض النباتات دون البعض الآخر، ولكن فقدها بالكلية ليس قوي الأثر على حياة النبات أي ليس مهلكا له على أن هذا الثبت من العناصر قد أخذ يتزايد على مر الأيام نتيجة لنشاط العلماء وتجاريبهم الدقيقة، فقد قال بعضهم بضرورة عنصر البورن، وأثره البالغ في تحسين المحصول وحالة البذور جودة ومناعة.

كذلك قيل عن أهمية المنجنيز لتنشيط الخمائر، والنحاس ودوره في التفاعلات الكيميائية بالنبات، والكلور وأثره في زيادة خضرار النبات وقلة نتحه، كذلك الفلور واليود وأثرهما في زيادة نمو النبات.
وعن السليكون وأهميته في تمثيل حامض الفسفوريك في النبات، والصوديوم وفائدته في حالة قلة البوتاسيوم.
وغير هذه العناصر كثير مما تحدث عنه العلماء نتيجة لتجاربهم وملاحظاتهم مما جعل بعضهم يضيفها إلى قائمة العناصر الأساسية، وإن كانوا لا يعنون في أغلب الأحوال أن تكون أساسية إطلاقاً، أي أنها لازمة لكل أنواع النبات، أو أن فقدها يسبب هلاك النبات.
وسترى فيما نعرض في هذا الحديث مكان الزنك بين هذه العناصر المختلفة التي يحتاجها النبات، والآثار التي تترتب على فقده، والأخطار التي يتعرض لها النبات عند حرمانه منه، وذلك ما جعل موضوع أساسيته محل البحث والدرس عند العلماء في الوقت الحاضر ولقد كان (رولن) أول من لاحظ ضرورة وجود الزنك لنمو بعض الفطريات، وأثبت أنه في حالة عدم وجوده يضعف نمو الفطرة ويقل ازدهارها، وقال إنه حتى في حالة عدم إضافته يكون موجوداً مع مركبات العناصر الأخرى نظراً لعدم نقائها، ولعل ذلك هو السر في تجاهل شأن الزنك.
وقد عضده في ذلك (جافييه) بتجارب أجراها على الفطرة (اسبرجلس) ثم أعاد (شتينبرج) تجارب (جافييه) محاولاً تنقية مركبات العناصر التي كان يغذى بها الفطرة من أي أثر للزنك، فوجد أن نموها قد تأثر كثيراً.
على أن أحداً من هؤلاء لم يقطع بأن الزنك عنصر أساسي لنمو النبات.
بل لقد افترضوا آنئذ أن الزنك ما هو إلا حافز في حالة الفطرة.
ولكن (رولن) أبدى رأيه في أساسية الزنك للنباتات الراقية، بيد أنه كان متحفظاً، فلم يقطع بذلك بل تركه للزمن يحققه ويمحصه وقد أثبت كثير من العلماء تأثر النبات بكمية الزنك التي تضاف إليه، ومن أخص هؤلاء (ميز) و (سومر) و (ليبمان) الذين كانت تجاربهم مضرب المثل في الدقة والعناية والبعد عن مظان الضعف أو مواطن التشكيك، كاختبار الزجاج الذي تجري به التجارب للتأكد من خلوه من الزنك، كذلك خلو الماء الذي تروى به النباتات أو الغبار الذي يعلو المزرعة، أو المركبات الكيميائية التي تستعمل في المحاليل الغذائية، مثل هذه التجارب كان من أهم نتائجها إثبات ضرورة الزنك لنمو النباتات وقد أثبت (هامس) في سنة 1932 فائدة الزنك لأشجار الليمون كما أوضح (هجلاند) في سنة 1936 أعراض المرض الذي ينتاب كثيراً من النباتات عند حرمانها قطعياً من الزنك.
كما أثبت في كثير من الحالات تحسن المحصول وزيادة النمو في الحقل بعيداً عن تجارب المعمل، وذلك بإضافة الزنك للتربة فيكون له هذا الأثر البارع من اطراد في النمو وازدياد في الإيناع إلى شفاء من أعراض المرض، فإضافة بضعة كيلو جرامات من كبريتات الزنك للفدان قمينة بزيادة محاصيل كثير من الأنواع النباتية كالقمح والشوفان والذرة والترمس والبسلة وكثير من أنواع الفاكهة.
وقد أثبت (موري) و (كامب) وغيرهما أن إضافة مركبات الزنك للتربة تفيد كثيراً في حالات تبقع الأوراق وتجعدها وجفاف الأفرع، وغير ذلك من الأعراض التي تصيب النبات نتيجة حرمانه من الزنك.
كان من نتائج تقدم هذه البحوث أن استطاع علماء النبات توفير ملايين من الجنيهات كانت تضيع هباء في أمريكا نتيجة لما يصيب الموالح والتفاح والجوز والعنب من التبقع والاصفرار والانكماش مما يؤثر تأثيراً بليغاً في المحصول.
وقد ظهر أن السبب هو نقص الزنك، وأن العلاج هو الزنك دون سواه، ولهذا سمي المرض نقص الزنك أو الحرمان من الزنك ما هي أعراض هذا المرض، وكيف نشخصه بدقة، وما هي طرائق علاجه بمركبات الزنك؟ سيكون ذلك موضوع حديثنا في عدد الرسالة المقبل. عبد الحليم منتصر

شارك الخبر

المرئيات-١