أرشيف المقالات

تخلقوا بأخلاق الله

مدة قراءة المادة : 4 دقائق .
2تخلَّقوا بأخلاق الله   يظن كثير من الناس أن هذا حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي أعلمه من مطالعاتي في كتب القوم وغيرها أنه حكمة صوفية.   ولقد بحثت جاهدًا عن مصدرها في مظان كثيرة؛ مثل "كشْف الخفا ومزيل الإلباس" للحافظ العجلوني، وتذكرة الموضوعات للفتني، والفتاوى الحديثية للهيتمي، والرسالة القشيرية، فلم أجدها.   ثم سألت كثيرًا من أرباب البحث والاطلاع، فلم أظفر بشيء، وأخيرًا رجعت إلى ما بدأت البحث فيه، وهو كتاب الإحياء للإمام الغزالي، فعثرت في فضيلة حسن الخلق من كتاب رياضة النفس على حديث في هذا المعنى، وهو: ((حسن الخلق خلق الله الأعظم))؛ قال العراقي: رواه الطبراني في الأوسط من حديث عمَّار بن ياسر بسند ضعيف[1]، ثم كانت خاتمة المطاف أن رجعتُ إلى "المقصد الأسنى، في شرح أسماء الله الحسنى" للغزالي أيضًا، فوجدت في ص15 ما نصُّه: الفصل الرابع في بيان أن كمال العبد وسعادته في التخلُّق بأخلاق الله تعالى والتحلِّي بمعاني صفاته وأسمائه بقدر ما يُتصوَّر في حقه، ثم أخذ يشرح هذا الفصل ويبيِّن أن التحلي بمكارم الأخلاق هو السبيل إلى الكمال والسعادة.   وبعد، فهذا بحث في مصدر هذه الحكمة ومنشؤها، نرجو ألا يلهينا عن معناها والانتفاع بها، فإن الحكمة ضالَّة المؤمن؛ فحيثما وجدها أخذها، وإجمال القول في هذه الحكمة الجليلة أن صفات الله سبحانه لا تتناهى، وأن كمالاته جل شأنه لا تُحصى، وإذا كانت نعمته جل ثناؤه لا يحصيها عدٌّ، ولا يدنو منها حصرٌ، فكيف بأوصاف جماله وجلاله؟ وما جاء في الصحيحين وغيرهما مما قد يُشير إلى حصْرها من مثل قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة))، فليس المراد منه الحصر؛ وإنما المقصود ما يترتب على حفظها والعمل بها والتحلي بمعانيها من دخول الجنة ورضوان الله عز وجل. ويدلُّ لهذا قوله صلى الله عليه وسلم: ((أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علَّمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك...)) الحديثَ؛ أخرجه أحمد وصححه ابن حبان، ولعل هذه الأسماء التسعة والتسعين هي مجامع الأسماء قاطبة، وجوامع الصفات كافة.   ثم إن الإحصاء يقع بالقول وبالعمل؛ فالذي يكون بالعمل أن لله تعالى أسماء وصفات يختص بها كالأحد والمتعالي والجبَّار والقهار ونحوها من صفات الجلال، فيجب الإقرار بها والخضوع عندها، وله جلَّ شأنه أسماء وصفات كالرحيم والكريم والعفو والغفور ونحوها من صفات الجمال، فيجب الاقتداء بها والتحلي بمعانيها، أما مجرد الإحصاء القولي، فهذا أمر يستوي فيه البر والفاجر، والمؤمن والكافر، فلا يترتب عليه ثمرة إلا بالإيمان والعمل والخضوع والإذعان[2]، ولا يبعد أن يكون للعبد حظ من صفات الجلال أيضًا؛ فيتكبر على أعداء الله عز وجل، وينتقم ويقهر لله، وهكذا، فيكون تحلِّيه بصفات الله تعالى كلها على حسب حاله، وما يتفق وعبوديته لمولاه ذي الجلال والإكرام، والقهر والانتقام.   هذه كلمة عاجلة في هذا الموضوع الخطير، ونرجو أن نعود إليه بالبسط والتفصيل عما قريب إن شاء الله.   مجلة نور الإسلام - العدد 7 - غرة ربيع الثاني 1362 - 6 من أبريل 1943


[1] الإحياء ج3، ص43، حديثٌ رواه الترمذي، انظر تمييز الطيِّب من الخبيث. [2] راجع فتح الباري في كتابَي الدعوات والتوحيد ج11، 13.



شارك الخبر

المرئيات-١