أرشيف المقالات

عصبة الأمم في التاريخ

مدة قراءة المادة : 23 دقائق .
8 للدكتور حسن صادق 1 - فكرة عصبة الأمم وتطورها يكثر الناس في هذه الأيام من الكلام عن عصبة الأمم بمناسبة انضمام مصر إليها في هذا العهد الجديد، ومنهم من يحبذ هذا الانضمام ويرجو من ورائه خيراً، ومنهم المتشائم الذي يتمثل في ذهنه الماضي القريب وما جرى فيه من حروب وعدوان بين دول هي أعضاء في العصبة، ويرى أن غنم هذه العصبة للقوى وغرمها على الصغير الضعيف.
وليس من غرضنا في هذا المقام أن نخوض غمار السياسة في مجلتنا الأدبية، ولكننا سنبين في هذه الكلمة كيف ولدت فكرة العصبة وتطورت خلال الزمن حتى برزت في شكلها الحالي، ونرجو أن يجد القارئ في هذا الموضوع بعض الفائدة العلمية التاريخية. من يتصفح التاريخ يجد أن الشعوب دائماً في حروب تفصلها فترات تطول حيناً وتقصر أحياناً.
وكلما وضعت حرب أوزارها يبحث الإنسان عن وسائل لتنظيم السلام ويهتم لهذا الأمر جد الاهتمام.
ولم يشعر الإنسان في أي وقت بشدة حاجته إلى توطيد أركان السلام أكثر مما شعر عقب الحرب العظمى في سنة 1914 لهول ما لاقى الناس منها.
وقد كانت فكرة عصبة الأمم كائنة قبل الحرب، وظهرت جلية في كتاب للمسيو ليون بورجوا الفرنسي عنوانه (عصبة الأمم).
ثم بدت هذه الفكرة بعد ذلك رسمياً في مذكرة الرئيس ويلسون في ديسمبر سنة 1916.
وانتشرت هذه الفكرة بين رجال الحكم والسياسة فقويت، ثم ازدادت قوة حين تغلغلت في الرأي العام وسرت بين الشعوب التي عانت في الخنادق أفظع الآلام وذاقت في تلك الحرب الضروس طعم الأهوال البشعة التي يذيب ذكرها لفائف القلوب. وفكرة عصبة الأمم تضرب بأصولها إلى أزمان بعيدة، لأنها تتصل بشعور طبيعي ضروري، وبرغبة شديدة في الهدوء والسلام.
والباحث المدقق يجد أن عصبة الأمم وجدت منذ أن تكونت شعوب منظمة قامت بينها الصلات الكثيرة المختلفة.
وقد أنشأ الرومان ما يمكن أن نسميه (جمعية شعوب) وكانوا هم بطبيعة الحال رؤساء هذه الجمعية. وبعد وقت طويل جاءت المسيحية تحمل للعالم أفكار المساواة والإخاء على الأخص.
وهذ المثل الأعلى العظيم تحقق تقريباً في القرون الوسطى أي من القرن العاشر إلى القرن الرابع عشر.
فالمسيحية في ذلك العهد كانت عبارة عن أسرة مكونة من جميع الأمم المسيحية، تحت نفوذ رئيسين وهما البابا والإمبراطور.
ولم يكن هذا النظام في الوقع إلا نوعاً خاصاً من (عصبة الأمم) تقوم على أساس من الدين.
وكان رئيس المسيحية يحظى بسلطان كبير، فكان في استطاعته أن يصدر قرار الحرمان ضد أية دولة أو ضد جماعة من الأفراد، ومن حقه أن (يشلح) أي فرد ولو كان رئيس دولة؛ وهذا القرار الذي يجعل الدولة التي صدر ضدها خارجة على القانون له نتائج خطيرة، لأنها تصبح عرضة لعدوان الدول الأخرى عدواناً مشروعاً.
وهذه الحال من غير شك تنتج اضطراباً خارجياً.
وفوق لك فإن رعايا الأمير الخارج على القانون يصبحون في حل من يمين الطاعة والإخلاص له، وينتج عن هذا اضطراب داخلي دون ريب.
وقد لجأ البابوات كثيراً إلى هذه الوسيلة لحفظ السلام وليصبحوا رؤساء إمبراطورية شاسعة كما يقول بعض المؤرخين. وكانت الحروب في تلك الأزمنة مشروعة ضد الملحدين، وجائزة في أحضان المسيحية نفسها.
ولكن البابوات والأساقفة كانوا يبحثون عن وسائل لتقصير مدتها وتخفيف نتائجها؛ من ذلك أن مجالس الدين في تولوز وكليرمون بفرنسا أذاعت في الناس ما يسمى (هدنة الله) و (سلام الله) ووجدت هذه الإذاعة من الدول المسيحية ما تستحقه من الاحترام. والغريب في ذلك العهد أن الحرب نفسها كانت متلفعة بروح من العدل.
ولم تكن الموقعة تقوم على خطط حربية، ولكن كان المعتقد أن الذي يخرج من الحرب ظافراً، سيخرج من محكمة الله في الأخرى وعلى رأسه تاج النصر والظفر؛ وعلى ذلك كانت تجري المواقع بطريقة تبعث اليوم في النفس دهشة شديدة.
فالخصوم كانوا يتواعدون في ساعة ومكان معينين، ويصطفون للموقعة بطريقة نمطية لا تتغير، ثم يهجم بعضهم على بعض وجهاً لوجه.
وكانت خدع الحرب إلى القرن الخامس عشر تعتبر خيانة وعاراً ينفر منه المقاتل أشد النفور.
وأول موقعة طبقت فيها خطة حربية بمعنى الكلمة هي موقعة رو كروي بين فرنسا وإسبانيا، إذ قام الأمير دي كونديه بحركة التفاف طوق بها الأسبان وانتصر عليهم، ولكن هذا العمل من جانب الأمير بعث التذمر في صدور كثير من فرسانه النبلاء، لأنه لا يمت في نظرهم ونظر عصرهم بأية صلة إلى النبل والشرف في القتال.
وإذن نستطيع أن نعتبر موقعة رو كروي خاتمة الطريقة الحربية في القرون الوسطى وبداية الحروب الحديثة التي تبرر جميع الوسائل وتجعل القتال أشد هولاً مما كان. وهذه القواعد التي ذكرناها لم تكن مقبولة في كل موطن، فهي لم تكن تطبق إلا في أوربا المسيحية التي كان يحيط بها الأرتوذكسية اليونانية والإسلام، ثم الآسيويين الذين كانت أوربا تطلق عليهم اسم البرابرة. نستنتج مما سبق أن أوربا في تلك العصور كانت تشتمل على وحدة حقيقية على رأسها البابا والإمبراطور، ولكن في أواخر القرن الرابع عشر وخلال القرن الخامس عشر قويت الأمم في كل النواحي وأخذت كل أمة طابعها الخاص، وشرعت تتناضل وتتقاتل.
ثم ظهر الإصلاح الديني على يد لوثر وكلفن، فأصاب المسيحية بضربة شديدة وفرقها شيعاً. وعقب هذه الحوادث، رغب الناس في إقامة نظام جديد للعلاقات الدولية.
وحاول أحد رجال الدين من الجزويت (سوارز 1548 - 1617) أن يقيم نظاماً أقوى على الثبات من نظام القرون الوسطى، بأن يدخل على العلاقات الدولية مبادئ المسيحية الثابتة.
أدرك هذا الرجل أن لكل دولة الحق في سيادة زمنية متينة، على أن تكون فيما بينها جميعاً جمعية حقيقية.
ثم ذهب علماء البروتستانت إلى أبعد من هذا، وجعل جنتليس أولاً ثم جرتيوس من بعده مكاناً أكبر في تعاليمهما لسيادة الشعوب، وأعلن في شجاعة أن العلاقات الدولية ينبغي أن تحرر من كل صبغة دينية.
ولجنتليس في هذا المقام كلمة مأثورة لاقت رواجاً هائلاً في ذلك الوقت وهي (فليعتصم علماء اللاهوت بالصمت في هذا الميدان، لأنه غريب عنهم وهم غرباء عنه) والمفكرون الذين أتوا من بعدهما، عملوا على توكيد آرائهما حتى انتشرت انتشاراً كبيراً. ولما تولى هنري الرابع عرش فرنسا جدد بناءها وأراد أن يعيد بناء أوربا كلها، وكان هذا الحلم موضوع حديثه في أغلب الأحيان مع وزيره سوللي.
وقد أعد هذا الوزير ما سمي (غرض هنري الأكبر) وخلاصته أن تكون أوربا اتحاداً حقيقياً مسيحياً مكوناً من ست دول ملكية وراثية، وخمس دول ملكية انتخابية، ثم خمس جمهوريات.
وكان سوللي يرى أن هذا المشروع لا يمكن تحقيقه إلا إذا انهارت قوة الأسرة الملكية النمسوية، ومن هنا نشأ النضال ومقاومة الحركة الجرمانية.
وكان الغرض أن يوضع على رأس الاتحاد المسيحي المرغوب فيه مجلس مكون من ستين عضواً تنتخبهم الدول الداخلة في الاتحاد، ويقيم هذا المجلس في هذه الجدول على التوالي، وأن تكون أحكامه إجبارية، وتوضع تحت تصرفه لهذا الغرض قوة مادية عامة، وأن تكون حرية التجارة كاملة بين جميع البلدان التي يشملها الاتحاد.
ثم رؤي أن يكون أول عمل يقوم به هذا الاتحاد هو إبعاد الأتراك عن أوربا.
ومات هنري الرابع من قبل أن يرى هذا المشروع الكبير نور الإنفاذ، ولكن فكرته استقرت في النفوس والأذهان، وظهرت آثارها في المؤتمرات السياسية.
ففي مفاوضات وستفاليا التي اختتمت بها حرب الثلاثين سنة في عام 1648، دار البحث عن وسائل تقضي على الاضطراب الألماني من ناحية، وتجعل ألمانيا غير ذات خطر على أوربا من ناحية أخرى.
وكان في ألمانيا حينذاك قوتان: الإمبراطورية وكانت في حالة تدهور وانحلال، ونحو أربعمائة دولة صغيرة تخضع إلى حد ما لسلطان الإمبراطورية، ففصلت هاتان القوتان حتى لا يتكدر صفو السلام، وأعلن أن هذه الدول الصغيرة أصبحت مستقلة عن الإمبراطورية، وهذا الإعلان سمي بالحريات الجرمانية، وقد ضمنت هذه الحريات الدولتان الظافرتان فرنسا والسويد.
وهذا يعني أنه في ذلك الوقت ظهرت فكرة إنشاء توازن أوربي ضامن للسلام الدولي وفي نهاية القرن السابع عشر وأوائل القرن الثامن عشر، كثرت حروب لويس الرابع عشر حتى اشرأبت أعناق الناس للصلح والسلام، وجرى البحث عن كيفية تنظيمهما وإقامة أسسهما.
وبعد معاهدة أترخت سنة 1713 نشر القسيس دي سان بيير - وقد حضر المفاوضات بصفته سكرتيراً - مشروعاً يجعل السلام دائماً في اعتقاده، وأمل في وضع قانون عام لأوربا كما كان الحق الخاص للأفراد مقرراً بالأوامر الملكية.
وأعلن القسيس أنه للمحافظة على سلام العالم، ينبغي إنشاء محكمة عامة تكون أحكامها إجبارية.
والدول التي تأبى إنفاذها يجب أن توضع خارج القانون.
والذي يلفت النظر هو أن مشروع القسيس دي سان بيير أوسع مدى من مشروعات سابقيه، فلم يكن خاصاً بأوربا وحدها، بل بالعالم كله.
وقويت هذه الفكرة على مر الأيام وظهرت آثارها في عدة مناسبات وعدة معاهدات مثل معاهدتي 1762، 1783، كما نتج عنها فكرة العمل على خير الإنسانية التي ظهرت في كتب جان جاك روسو وقد تأثرت الثورة الفرنسية بهذا التيار من الأفكار.
وفي 18 مايو سنة 1790 أعلن (فولتي) للجمعية التأسيسية قوله: (ستدعون إلى الانعقاد جمعية الأمم) ووجهة النظر هذه اقتبسها بعض عظماء المفكرين، وعلى الأخص الفيلسوف الألماني (كانت) فقد أعلن أن الحرب هي حالة الإنسانية الطبيعية، وإذن ينبغي إيجاد حالة للسلام بتكوين حلف من شعوب حرة.
والشعوب الحرة في اعتقاده لا تكون إلا في الجمهورية.
وكثير من أفكار كانت، وعلى الأخص الفكرة الأخيرة، اعتنقها الرئيس ويلسون ونادى بها كما هو معروف وأول من ابتكر اسم (عصبة الأمم) هو الكاتب الفرنسي المشهور (جوزيف دي مستر)، فقد وردت للمرة الأولى في حديثه السابع من كتابه الذائع الصيت (أمسيات سان بطرسبرج) وفي أثناء حروب نابليون الأول وعقب سقوطه، دار البحث عن إنشاء هيئة لمنع عودة مثل تلك الحروب.
ومن أجل ذلك فكر القيصر إسكندر الأول الروسي في إقامة الحلف المقدس، أو الحلف الديني بين الملوك.
وكان الغرض منه الدفاع عن مصالح الملوك أكثر مما يكون الدفاع عن قواعد السلام وخلال القرن التاسع عشر وفي أوائل القرن العشرين، انتشرت أفكار الجنسية والقومية وشقت طريقها بين الشعوب الأوربية، بفضل المفكرين الذين يعتبرون أن أوربا هي الأسرة الوحيدة للشعوب الحرة. وعقب الحرب الألمانية الفرنسية في سنة 1870، خيم على أوربا ضيق سياسي شديد، فحاول رجال الدولة تبديده بخلق توازن أوربي تكون مهمته تجنب ألوان الخلاف والشقاق.
وظلت الأفكار التي ترمي إلى التفاهم الدولي تنمو وتقوى حتى حرب سنة 1914.
والذي يدل على نمو هذه الأفكار، كثرة عدد المؤتمرات التي أقيمت من سنة 1870 إلى سنة 1914 وإنشاء هيئة قضائية دولية في لاهاي واتفاقيات السلام الموقعة السلام في سنة 1899، وسنة 1907 وهذه المحاولات كلها أدت إلى تكوين عصبة الأمم في سنة 1920. وحين إنشائها، قامت عقبة فلسفية عملية مأتاها: كيف العمل لحمل الدول التي تزداد ميلاً يوماً بعد يوم إلى الأخذ بمذهب الفردية، على الخضوع لعصبة الأمم؟ وهل ينبغي جعل عصبة الأمم دولة عليا حتى تقوم بدور هام، أو جعلها تقتصر على أداء أعمال ثانوية فقط؟ وفي الحق أننا إذا أنعمنا النظر نجد أن من الصعب على أمة من الأمم أن تقبل سلطة أعلى من سلطتها، أو أن تقبل أن يكون للعصبة الحق في فرض سلطانها على الدول، لاسيما وهذه العصبة تعتمد على مبدأ ديني كما كان الحال في القرون الوسطى. ولكي تكون عصبة الأمم ذات مبدأ مقبول، ينبغي أن تقدر كل القوى الدولية.
وهذه القوى ليست الدول فقط، ولكنها كامنة أيضاً في بعض هيئات دولية وبعض تيارات فكرية.
وربما نرى في المستقبل هذه العصبة تدعو إلى تمثيل الدول فيها، ممثلي القوى الدينية والخلقية والاجتماعية والاقتصادية.
وهذا أمر صعب التحقيق، ولكنه إذا تحقق يجعل للعصبة نفوذاً أقوى مما لها الآن. 2 - تكوين عصبة الأمم ولدت عصبة الأمم رسمياً في 16 يناير سنة 1920 في وزارة الخارجية الفرنسية بباريس، حيث اجتمع مجلس الإدارة لمرة الأولى برآسة المسيو ليون بورجوا الفرنسي، المكونة من ممثلي الدول الكبرى المتحالفة، وقام بأعمال السكرتير السير جيمس آرك درموند: ولم يصدف عن هذا المجلس من الحلفاء إلا الولايات المتحدة الأمريكية، حتى قيل إن عصبة الأمم ولدت مشوهة هزيلة وكانت أولى خطواتها عرجاء كيف تكونت عصبة الأمم هذه؟ أخذت فكرتها مكاناً كبيراً أثناء الحرب العظمى وسيطرت على مفاوضات الصلح، حتى أن الحلفاء وضعوا ميثاق العصبة في مقدمة معاهدات الصلح جميعاً.
وهذا الميثاق لكبير أهميته ثم لروح الخلاف الذي بدأ يدب بين الحلفاء أنفسهم، كان شديد الصعوبة في إعداده.
وقد اجتمع المندوبون فوق العادة الذين كلفوا القيام بهذا الأمر في باريس، وحاولوا ونجحوا آخر الأمر في التوفيق بين المشروعين الإنجليزي والأمريكي.
والنص الأخير الذي اتفق عليه هو في الواقع ما عرضه الرئيس ويلسون مع بعض تحفظات هامة أرادتها بريطانيا لتجنب نفسها التدخل في منازعات الشعوب الأخرى انتظم في سلك العصبة معظم الدول.
ففي مبدأ الأمر، اشتملت على كل الدول التي قامت في وجه ألمانيا ووقعت على معاهدات الصلح.
وهذه الدول هي: بلجيكا، بوليفيا، البرازيل، بريطانيا، كندا، استراليا، زيلندة الجديدة، الهند، ثم ارلندة بعد قليل، كوبا، جمهورية خط الاستواء، فرنسا، اليونان، جوايتمالا، تاهيتي، الحجاز، إيطاليا، اليابان، ليبريا، نيكاراجوا، هندوراس، بنما، بيرو، البرتغال، رومانيا، يوغوسلافيا، سيام، تشيكوسلوفاكيا، اورجواي.
وهذه الدول يطلق عليها اسم أعضاء مؤسسين لعصبة الأمم. ثم انضم إليها 13 دولة كانت على الحياد أثناء الحرب وهي: أرجنتين، شيلي، كولومبيا، الدانمرك، أسبانيا، نرويج، باراجواي، هولندة، إيران، سلفادور، السويد، فنزولا.
وهذه الدول والتي ذكرت من قبلها تعرف باسم أعضاء أصليين في العصبة.
ومن سنة 1920 إلى الآن طلبت عدة دول الانضمام إلى العصبة وقبلت 14 دولة منها وأصبحت أعضاء فيها وللقبول في العصبة أربعة شروط ذكر نصها في الميثاق، وهي: (1) تقبل الدولة عضواً في العصبة إذا كان لها حكومة حرة؛ والحكومة الحرة في رأي ويلسون هي التي تكون على رأس أمة تحظى بالانتخاب العام وحرية الصحافة، وتكون من نفسها حكومة برلمانية، ولكن مع هذا قبلت الحبشة ولم تكن إلا حكومة مطلقة. (2) أن تكون الدولة منظمة حتى تستطيع أن تعضد حربيا أي حكم يصدر عن مجلس العصبة. (3) أن تمثل الدولة أمة حقيقية تربط أفرادها صلة الجنسية والقومية (4) أن تكون الدولة قد قدمت ضمانات فعالة تثبت احترامها للتعهدات الدولية.
وقد أثار هذا الشرط مناقشة حادة حين عرض فرض دخول ألمانيا العصبة.
وقد طرحت هذه المسألة منذ سنة 1922 من جانب الإنجليز، ولكن مندوب فرنسا تمسك بهذا الشرط وأقفلت المناقشة على ذلك.
وقد رفض قبول بعض الدول في العصبة لأسباب مختلفة، ومنها الدول القوقازية مثل أرمينيا وجورجيا واذربيجان لأن حدودها كانت لا تزال مثاراً للاحتجاج فلما سويت هذه الحدود في جلاء، دخلت هذه الدول العصبة في الوقت نفسه الذي دخلت فيه إيران، وقد رفض قبول إمارة ليخنشتين في العصبة لأن مساحة أرضها ضئيلة لم تبلغ الحد الأقصى الذي عينه ميثاق العصبة. وبعد اجتماع العصبة الأول، دخلها أربع دول هي إسبانيا وكورستارنكا وفنلنده ولكسمبرج.
ولما بدأت النمسا وبلغاريا في إنفاذ تعهدات الصلح، استطاعتا دخول العصبة، ثم قطعت المجر على نفسها وعوداً رسمية صريحة بإنفاذ ما فرض علها فقبلت في العصبة في سنة 1922.
ولم يبق في ذلك الوقت خارج العصبة من الدول الكبرى غير الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا السوفيتية.
أما ألمانيا فقد رؤي أنها قامت بتعهداتها في مسألة السلاح والتعويضات، ثم جاءت اتفاقات لوكارنو واستقر الرأي على أنها لا تكون ذات قيمة إلا إذا كانت الدول الموقعة عليها أعضاء في العصبة، ومن أجل ذلك قبلت ألمانيا في العصبة في شهر سبتمبر سنة 1926 ومثلها في مجلس العصبة وزير خارجيتها الهر فون شتريزمان.
ولكن ألمانيا إنفاذاً لسياستها ورغبة منها في استرداد كامل حريتها، تركت العصبة بعد سنوات قليلة كما استقالت أسبانيا والأرجنتين. وفي العصبة عنصر دائم هو السكرتارية العامة.
وقد نص في الميثاق على أن يكون السكرتير العام إنجليزي.
وقد تولى هذا المنصب سير جيمس أرك درموند يعاونه ثلاثة آخرون فرنسي وياباني وإيطالي.
والسكرتارية منقسمة إلى جملة أقسام، وهي تعد أعمال مجلس العصبة وتقوم بدور الوساطة بين مجلس العصبة وجمعيتها العامة. ويمكن أن نقول إن الجمعية العامة هي عنصر الديمقراطية في العصبة، وإن مجلسها هو العنصر المختص بالحكم.
وكان من المتفق عليه في بادئ الأمر أن يتكون المجلس من خمسة أعضاء دائمين يمثلون الدول الخمس الكبرى وهي إنجلترا والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وإيطاليا واليابان.
ولكن لما امتنعت الولايات المتحدة عن دخول العصبة، كون المجلس من أربعة أعضاء، حتى قبلت ألمانيا فأكملت هذا النقص.
وكان من المتفق عليه أيضاً أن يكون إلى جانب هؤلاء ربعة أعضاء مؤقتين، وكانوا بادئ الرأي يمثلون البلجيك والبرازيل وأسبانيا واليونان.
ثم زيد عدد الأعضاء المؤقتين إلى خمسة وليس المجلس بازاء الجمعية في المركز الذي يكون لمحكمة الاستئناف بالنسبة لمحكمة الدرجة الأولى، فليس هناك أي استئناف أو أي فرق في الدرجة، فالمجلس هيئة تنفيذية تسيطر عليها الدول الكبرى ولا يخضع لأية رقابة.
والجمعية العامة تسيطر عليها الدول الصغيرة لكثرة عددها، وتستطيع في بعض الحالات أن تعمل بمفردها.
وينتج عن ذلك أن الخلاف جائز الوقوع بين هذين العنصرين في العصبة. واختصاصات مجلس العصبة كثيرة، فهو الذي يوافق على تعيين السكرتير العام ويقرر محل إقامة العصبة، وهو إلى الآن في جنيف، وهو الذي كان يعد الخطة التي ترمي إلى إعادة النظر في التسلح ويفرض الرقابة على تجارة الأسلحة حتى لا تكون خطراً على سلام العالم.
وفي حالة وقوع اعتداء دولي أو ظهور شبح الاعتداء أو خطر الحرب، يتخذ المجلس ما يراه ضرورياً للوصول إلى حل سلمي للخلاف، أي أنه يقوم بدور الوساطة بين الدول الأعضاء.
ومن الناحية النظرية.
يستطيع المجلس أن يطلب من الدول التي ليست أعضاء في العصبة، أن تتخذ بعض تدابير يراها ضرورية لحفظ السلام.
وهو المختص بتسلم وفحص تقارير الدول المنتدبة.
ثم أعطت معاهدات الصلح مجلس العصبة اختصاصات مؤقتة مثل إدارة وادي السار (المادة 50 من معاهد فرساي) لمدة 15 سنة.
وقد أجري استفتاء في شهر يناير سنة 1935 في ذلك الوادي وكانت النتيجة أن أعيد إلى وطنه الأصلي ألمانيا.
وقد عين المجلس لهذا الغرض لجنة مكونة من خمسة أعضاء، فرنسي وساري وثلاثة أجانب.
وأسندت رقابة مدينة والزج إلى رقابة مجلس العصبة (المادة 102 من معاهدة فرساي) كما أسند إليه رقابة تسلح ألمانيا والقيام بتحقيق في أرضها إذا تطلب الأمر.
وقد تخلصت ألمانيا من كل رقابة واستردت حريتها في التسلح وحطمت أغلال معاهدة فرساي الجائرة، ولم تستطع العصبة منعها من إنفاذ مشيئة شعبها الحي. ما هي الصلات التي بين المجلس والجمعية؟ الجمعية تعين أعضاء المجلس المؤقتين ولها الرأي في مسألة قبول أعضاء جدد في العصبة.
ولكن اختصاصات الجمعية والمجلس في أغلب الأحيان تختلط وتمتزج.
وهما يقفان على جميع المسائل التي تدخل في حيز نشاط العصبة أو تمس السلام الدولي.
ومن ناحية المبدأ، لا يجتمع المجلس إلا مرة واحة في العام، واجتماعات خاصة، أما اجتماعات الجمعية فعامة علنية والجمعية تعقد مرة في السنة، ولكنها تجتمع في أي وقت تراه إذا دعت الظروف إلى ذلك، أو إذا جدت مسألة تتطلب النظر في الحال.
وفي العصبة لجان كثيرة مثل لجنة العمل الدولي ولجنة المواصلات والنقل ولجنة الاقتصاد والمال ولجنة الصحة ولجنة التعاون الفكري.
وقد أنشأت العصبة محكمة العدل الدائمة الدولية بجنيف في سنة 1920 وهي مختصة بالفصل في ضروب النزاع القانوني.
أما محكمة لاهاي فمختصة بالفصل في النزاع السياسي.
فكل نزاع الآن يقع بين دولتين أو أكثر، يمكن أن يقدم للفصل فيه إلى ثلاث جهات: محكمة التحكيم في لاهاي، ومحكمة العدل الدولية، ومجلس عصبة الأمم وقد ظهر نظام جديد عقب الحرب هو نظام الانتداب.
ورقابة الدول المنتدبة من اختصاص العصبة.
والانتداب هو إدارة دول ناشئة، موكولة إلى دول كبيرة تعتبر في عرف السياسة أنها أرقى من الدول الواقعة تحت الانتداب، وهي أجزاء من الإمبراطورية العثمانية ومستعمرات ألمانيا القديمة.
والانتداب ثلاثة أنواع: (أ) وهو ضرب من الحماية، (ب) وهو قريب جداً من النظام الاستعماري، (ج) وهو عبارة عن ضم مقنع.
وليست العصبة هي التي قامت بتوزيع الانتداب، ولكنها فقط أقرت أمراً واقعاً.
وفي كل عام تقدم الدولة المنتدبة تقريراً إلى العصبة عن إدارتها، ولمجلس العصبة أن يبدي النقد الذي يرى من ورائه نفعاً. ونستخلص من كل ما سبق أن عصبة الأمم ضعيفة ليس لها قوة مادية تكسبها الاحترام المرجو، وأحكامها قليلاً ما تطاع، وهي لهذا ترجو وتطلب أكثر مما تأمر وترغم.
وما يزال في الأذهان ذكرى اعتداء اليابان على الصين وإيطاليا على الحبشة. ومن يدري لعل العصبة في المستقبل تستطيع أن تقوم بدور هام يحتاج إليه العالم.
وقد كسرت الحرب النظم القديمة وهدمتها، وينبغي إعادة البناء لا من خرائب الماضي وعلى مثالها، بل بطريقة منظمة على ضوء حوادث الماضي واحداثه، حتى تتجنب الإنسانية أهوالاً أفظع وأبشع من التي سبقت حسن صادق

شارك الخبر

فهرس موضوعات القرآن