أرشيف المقالات

الترهيب من الكلام فيما لا يعني وفضول الكلام

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
2الترهيب من الكلام فيما لا يعني وفضول الكلام
أخرج أبو الشيخ - بسند فيه مقال - من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكثر الناس ذنوبًا أكثرهم كلامًا فيما لا يعنيه)).   • وأخرج البخاري ومسلم من حديث المغيرةِ بن شعبة رضي الله عنه قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن الله كرِه لكم ثلاثًا: قيل وقال[1]، وإضاعة المال[2]، وكثرة السؤال[3]))".   وقيل: خيرُ الكلام قليلُ على كثيرٍ دليلُ والعِيُّ معنًى قصيرٌ يحويه لفظٌ طويلُ وفي الكلام فضولٌ وفيه قالَ وقيلُ   وفي الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد من حديث علقمة عن بلال بن الحارث المزني رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عز وجل له بها رضوانَه إلى يوم يلقاه، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، ما كان يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها سَخَطَه إلى يوم يلقاه))، فكان علقمة يقول: كم من كلامٍ منعنيه حديث بلال بن الحارث".   • ومما يرغِّب في ترك فضول الكلام ما أخرجه الطبراني في "الكبير" عن معاذ بن جبل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إنك لم تزل سالِمًا ما سكَتَّ، فإذا تكلَّمت كُتِب لك أو عليك))؛ (صححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب).   • وكان مجاهد رحمه الله يقول في كتاب "الزهد" لهنَّاد (2/ 535): "ما من شيء يتكلم به العبد إلا أُحصِيَ عليه، حتى أنينه في مرضه".   • وأخرج ابن أبي الدنيا والطبراني: "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على أحَد الصحابة يزوره في مرضه، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: ((أبشر يا كعب[4]))، فقالت أم كعب: هنيئًا لك يا كعبُ الجنة[5]، فقال صلى الله عليه وسلم: ((وما يدريك يا أم كعب؟! لعل كعبًا قال ما لا يعنيه، أو منع ما لا يُغنيه))".   • وفي رواية عند أبي يعلى والبيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قتل رجلٌ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم شهيدًا، فبكت عليه باكية، فقالت: واشهيداه، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وما يدريك أنه شهيد؟ لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، أو يبخل بما لا ينقصه))".   • وأخرج الترمذي من حديث أنس رضي الله عنه قال: "توفي رجلٌ، فقال رجلٌ آخر، ورسول الله يسمع: أبشر بالجنة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أولا تدري[6]؟ فلعله تكلم فيما لا يعنيه[7]، أو بخل بما لا ينقصه))".   • وأخرج ابن أبي الدنيا أيضًا وأبو يعلى من حديث أنس رضي الله عنه أنه قال: "استُشهد رجلٌ منا يوم أُحد، فوجد على بطنه صخرة مربوطة من الجوع، فمسحت أمه التراب عن وجه، وقالت: هنيئًا لك يا بني الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما يدريكِ لعله كان يتكلم فيما لا يعنيه، ويمنع ما لا يضره))"[8].   • وأخرج البيهقي - بسند فيه مقال - عن أبي سلمة بن عبدالرحمن: "أن امرأة كانت عند عائشة رضي الله عنها ومعها نسوة، فقالت امرأةٌ منهن: والله لأدخلن الجنة؛ فقد أسلمت، وما سرقت، وما زنيت، فأُتِيَت في المنام، فقيل لها: أنت المتألية[9] لتدخلن الجنة، كيف وأنت تبخلين بما لا يغنيك، وتتكلمين فيما لا يعنيك؟! فلما أصبحت المرأة دخلت على عائشة فأخبرتها بما رأت، وقالت: اجمعي النسوة اللاتي كن عندك حين قلت ما قلت، فأرسلت إليهن عائشة رضي الله عنها فجئن، فحدثتهن المرأة بما رأت في المنام".


[1] قيل وقال: ومعناهما - كما قال المحب الطبري -: "هي على ثلاثة أوجه: أحدها: أنهما مصدران للقول، تقول: قلت: قولاً وقالاً، والمراد في الأحاديث الإشارة إلى كراهة كثرة الكلام؛ لأنها تؤول إلى الخطأ، قال: وإنما كرره للمبالغة في الزجر عنه، ثانيها: إرادة حكاية أقاويل الناس، والبحث عنها ليخبر عنها، فيقول: قال فلان: كذا، وقيل: كذا، والنهي عنه إما للزجر عن الاستكثار منه، وإما لشيء مخصوص منه، وهو ما يكرهه المحكي عنه، ثالثها: أن ذلك في حكاية الاختلاف في أمور الدين؛ كقوله: "قال فلان: كذا، وقال فلان: كذا، ومحل كراهة ذلك أن يكثر من ذلك بحيث لا يؤمن مع الإكثار من الزلل، وهو مخصوص بمن ينقل ذلك من غير تثبُّت، ولكن يقلد من سمعه ولا يحتاط له"؛ اهـ. قال صلى الله عليه وسلم في "الفتح" (10/ 314): "ويؤيد ذلك الحديث الصحيح: ((كفى بالمرء إثمًا أن يحدِّثَ بكل ما سمع)). [2] إضاعة المال: الإسراف في الإنفاق، أو الإنفاق في الحرام، وقال في فتح الباري: "إن المقصود بإضاعة المال هو: ما أنفق في غير وجهه المأذون فيه شرعًا، سواء كانت دينية أو دنيوية، فمنع منه؛ لأن الله تعالى جعل المال قيامًا لمصالح العباد، وفي تبذيره تفويت تلك المصالح، إما في حق مضيِّعها، وإما في حق غيره، ويستثنى من ذلك كثرة إنفاقه في وجوه البر لتحصيل ثواب الآخرة، ما لم يفوِّت حقًّا أخرويًّا أهم منه"؛ اهـ. [3] كثرة السؤال: إما المقصود به: سؤال المال، أو السؤال عن الأمور المشكلة المعضلة، أو كثرة سؤال إنسان بعينه عن تفاصيل حاله؛ فإن ذلك يكرهه المسؤول غالبًا، أو السؤال عن مسائلَ يستحيل وقوعها عادة، أو يندر جدًّا، أو السؤال عن أشياءَ العلمُ بها لا ينفع والجهل بها لا يضر. [4] أبشر يا كعب: أي بالشفاء، أو لعله بالجزاء؛ أي: جزاء المرض وثوابه. [5] ظنت أن البشرى بالجنة. [6] أولا تدري؟: يعني: أتقول ولا تعلم؟ [7] تكلم فيما لا يعنيه: يعني في الأمور التي تشغله ولا تهمه. [8] ويمنع ما لا يضره: أي يضن بالذي لا يجعله فقيرًا محتاجًا. [9] المتألِّية: أي الحاكمة على الله.



شارك الخبر

فهرس موضوعات القرآن