أرشيف المقالات

الإطار العام للسلوك والمعرفة عند ابن تيمية

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
2الإطار العام للسلوك والمعرفة عند ابن تيمية
يمكننا أن نلخص في إيجازٍ الإطارَ العامَّ الذي يضم المعرفة والسلوك عنده ويضعه بديلًا لمناهج الكلام والتصوف: إنه يبدأ بالإيمان بالله ومعرفته، إن هذا هو الأصل الجامع لتصوره للنسق الإسلامي للإنسان والعالم "فكما أن نفسه عز وجل أصل لكل شيء موجود، فذكره والعلم به أصل لكل علم وذكره في القلب"[1].   والمعرفة بالله فطرية، فقد فطر الإنسان منذ نشأته على ذلك مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى ﴾ [الأعراف: 172].   هذه المعرفة مجملة تحتاج إلى تفصيل، حيث يمده القرآن بما يرغب في معرفته، أو بمعنى أدق أنه يعمق هذه المعرفة ويفصلها، ويوضح للسالك غايته وطريق الوصول إليها.   ثم يأتي دور الرسول صلى الله عليه وسلم فإن "الإرادة لا بد فيها من تعيين (المراد) وهو الله، والطريق إليه وهو ما أمرت به الرسل.."[2]، فإذا ما التقي العلم بالله مع العمل بأمره فقد اجتمع منهجا النظر والعمل في أتم صورة، فالعلم النافع إنما هو من علم الله "والعمل الصالح هو العمل بأمر الله، هذا تصديق الرسول فيما أخبر، وهذه طاعته فيما أمر"[3].   إن منهج الرسل إذن هو أسلم المناهج في الأصل النظري وفي الجانب السلوكي أيضًا.
ففي الجانب العقلي، أن الرسل "تخبر بمجيزات العقول، لا تخبر بمحالات العقول"[4]، فإذا ما انتقل إلى تعريف القصد والإرادة النافعة فهو "إرادة عبادة الله وحده"[5].   ويتحقق النموذج الصحيح في المؤمن الموحد حيث يعبد ربه بالحب والرجاء والخوف[6].   ولكن الإنسان خطاء، فهو يحتاج إلى فعل الطاعات والتوبة دون كلل أو يأس، فلا ييأس الإنسان "أن يصل إلى ما يحبه الله ويرضاه من معرفته وتوحيده، بل عليه أن يرجو ذلك ويطمع فيه.
لكن من رجا شيئا طلبه، ومن خاف من شيء هرب منه، وإذا اجتهد واستعان بالله تعالى ولازم الاستغفار والاجتهاد فلابد أن يؤتيه الله من فضله ما لم يخطر ببال"[7].   هنا حركة مستمرة من جانب الإنسان لكي يتخلص من العوائق التي تحول بينه وبين الوصول إلى غايته.
ولفظ "الوصول" فيما يرى شيخنا - لفظ مجمل - لأنه ما من سالك إلا وله غاية "وإذا قيل: وصل إلى الله أو إلى توحيده أو معرفته أو نحو ذلك.
ففي ذلك من الأنواع المتنوعة والدرجات المتباينة، ما لا يحصيه إلا الله تعالى"[8].   وتتضح نظرته للصفات الإلهية ابتداء من نظرته للعلم الإلهي، فلكي يعرف الإنسان ربه حق المعرفة، فلابد أن يتقيد بما وصف به نفسه إثباتًا ونفيًا، حتى يتفادى الشبهات التي أثيرت بواسطة المتكلمين، والفلاسفة وأتباع التصوف الفلسفي وغيرهم.   إن الله عز وجل بائن عن خلقه، ينبغي أن نعرفه، كما وصف نفسه، دون تمثيل أو تكييف أو تعطيل.
أي أنه لا يحل في العالم - كما يقول الحلولية - ولا يشبهه شيء من مخلوقاته، فهو تعالى خالق العالم ومبدعه، والقائم على العناية به، وله وحده الخلق والأمر، فهو "خالق كل شيء ما سواه مخلوق له"[9].   وينهض دليله في التنزيه على إثبات الكمال المطلق لله عز وجل "والكمال أمور وجودية، فالأمور العدمية لا تكون كمالًا" وقد أخبرنا في كتابه بأنه حي قيوم، ولا تأخذه سنة ولا نوم.
وهذا يتضمن كمال الحياة.
وقال إنه (لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء) فهذا دليل العلم، وهو من صفات الكمال.
وأخبرنا بخلق السموات والأرض في ستة أيام دون أن يصيبه التعب، وفي هذا كمال القدرة "فتنزيه الله يتضمن كمال حياته، وقيامه، وعلمه، وقدرته..
فالرب موصوف بصفات الكمال التي لا غاية فوقها"[10].   وعن طريق هذه المعرفة، بالإضافة إلى التصفية والتوبة الدائمة أثناء اجتياز الطريق، يصل العبد إلى أفضل ما في الدنيا.
ولا يتم ذلك إلا بالعبادات المشروعة، واتباع الطريقة الإيمانية المحمدية، لأن الإسلام يقوم على أصلين هما: "أن يعبد الله وحده، وأن يعبد بما شرع ولا يعبد بالبدع"[11].
وأظهر ما في العبادة اثنان: الصلاة، التي هي قوت القلوب، والجهاد وهو يهدف إلى أن تكون كلمة الله هي العليا"[12] ويدل على كمال المحبة لأنه البذل في سبيل ما يرضي الرب سبحانه وتعالى.   ويزيد ابن تمية الأمر إيضاحًا وتفصيلًا فيقول: (فإن العابد لله، والعارف بالله، في كل يوم، بل في كل ساعة، بل في كل لحظة، يزداد علمًا بالله وبصيرة في دينه وعبوديته بحيث يجد ذلك في طعامه وشرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله، ويرى تقصيره في حضور قلبه في المقامات العالية، وإعطائها حقها، فهو يحتاج إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار، بل هو مضطر إليه دائمًا في الأقوال والأحوال في الغوائب والمشاهد، لما فيه من المصالح وجلب الخيرات، ودفع المضرات وطلب الزيادة في القوة في الأعمال القلبية والبدنية اليقينية الإيمانية)[13].   وعندما يجرب المؤمن معرفة الله في الدنيا، أي يعرف توحيده، والإيمان به "أو المثال العلمي، أو نوره أو نحو ذلك..
فإن قلوب أهل التوحيد مملوءة بهذا[14]، فإنه يتطلع إلى أسمى الغايات الأخروية في الجنة حيث يري "ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر"[15]، فيتوج ذلك كله: رؤية الله عز وجل في الجنة.


[1] نقض المنطق ص 34. [2] السلوك ص 686. [3] معارج الوصول ص 17. [4] ص 154 النبوات، صحيح المنقول ج 2 ص 162. [5] معارج الوصول ص 19. [6] التصوف ص 391. [7] نفس المصدر ص 390. [8] التصوف 391. [9] تفسير سورة الإخلاص ص 20. [10] منهاج السنة ج 1 ص 194. [11] معارج الوصول ص 19. [12] النبوات ص 187. [13] الفتاوى ج 11 ص 696. [14] منهاج السنة ج 3 ص 96. [15] مجموع الرسائل الكبرى ج 1 ص 474.



شارك الخبر

المرئيات-١