أرشيف المقالات

محبة الله قوت القلوب

مدة قراءة المادة : 15 دقائق .
2محبة الله قوت القلوب
تعريف المحبة: هي ميل القلب إلى المحبوب، ومحبة الله هي أساس الإيمان وأصل العبادة، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 54]، فبيَّن الله صفةَ أهل الإيمان الكُمَّل أنهم يحبهم الله وهم يحبونه، ثم أثمر حبُّهم هذا لله أن صاروا يحبون إخوانَهم المؤمنين في الله. ومعنى ﴿ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾: أنهم رحماء متواضعون لهم. وهذا حال المؤمن الذي يحب الله جل وعلا، إذا أحب المخلوقين فمحبتُه تابعة لمحبة الله، فحبه للرسول صلى الله عليه وسلم، وحبه للمؤمنين، وحبه للطاعات والأماكن والأزمنة التي يحبها الله - هو في الحقيقة حب لله تعالى، وهو من كمال محبة الله جل وعلا، قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165]، فالمؤمنون يُحبون الله أعظم حبٍّ؛ حب العبادة، حب مع ذل وانقياد وخضوع.   حلاوة الإيمان مبنيَّة على المحبة: في حديث أنسٍ مرفوعًا، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثٌ مَن كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكونَ الله ورسوله أحبَّ إليه مما سواهما، وأن يحبَّ المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار))؛ (رواه البخاري 6941)، فحب الله جل وعلا هو حياة القلوب، ونعيمُ الأرواح، وقُرة العيون، وأعلى نعيم الدنيا.   أقسام المحبة محبة مشتركة محبة خاصة 1) محبة طبيعية: كمحبة الظمآن للماء، والجائع للطعام، ويدخل فيها محبة الرجل لزوجته، والتلميذ لأستاذه.
2) محبة الرأفة والرحمة: كمحبة الوالد لولده والشيخ لتلميذه، وهي محبة الضعيف عامة، وهي من مكارم الأخلاق.
3) محبة الألفة والأنس: وهي محبة المتشاكلين في الطباع، أو في العمل، أو نحو ذلك.
• حكمها: جائزة في حق البشر.

• ولا تستلزم تعظيمًا، ولا يصحبها ذلٌّ ولا خضوع. ♦ هي تعلق القلب بكُليَّته بالمحبوب، وتقديم محابِّه على كل أحد. ♦ وهي محبة العبادة: ♦ وتستلزم التعظيم، ويكون معها امتثال الأمر واجتناب النهي، والسعي في مراضي المحبوب، والبعد عما يسخطه. • حكمها: واجبة في حق الله تعالى.
• يجب أن يفرد الله عز وجل بها، وصرفها لغير الله شركٌ أكبر.   • فمن أحبَّ غير الله تعالى محبة العبادة، فقد أشرك، وهذا مِثل حال المشركين وعَبَدة الأوثان وعُبَّاد القبور، تجد أحدهم يتوجَّه لقبرِ الوليِّ وفي قلبه محبةٌ لذلك الولي وتعظيم له، مما يجعله في رغب ورهب، فيتوجه لهذا الولي بأنواع العبادات؛ من دعاء، واستغاثة، واستعانة، وذبح، ونذر، وغيرها؛ لأجل تحصيل مطلوبه، فهذه هي محبة العبادة التي يُعد صرفها لغير الله تعالى شركًا أكبر.   • فمَن اتخذ لله ندًّا وشريكًا جعل محبته تساوي محبة الله، فقد وقع في الشرك؛ قال تعالى: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ ﴾ [البقرة: 165]. ♦ أندادًا: أشباهًا وشركاء. ♦يحبونهم كحب الله: يحبون هؤلاء الشركاء كحبهم لله.   الدليل على أن محبة الله عبادةٌ، وأن صرفها لغير الله شرك أكبر: 1- أن الله عز وجل مدح أهل الإيمان بأن محبَّتهم لله فوق كل محبوب. • إذًا؛ المحبة عبادة ولا يجوز صرفها لغير الله، ومن صرفها لغير الله فهو مشرك.   2- أن الله تعالى جعل مَن أحب غير الله حبًّا مساويًا لحب الله ممن اتخذ ندًّا وشريكًا لله.   ضوابط المحبة المشتركة: ألا تطغى هذه المحبة على محبة الله ورسوله، فإذا ساوتها أو زادت عليها، فإنها محبة محرَّمة؛ قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24]. فتربصوا حتى يأتي الله بأمره: هذا وعيدٌ يدل على أن محبة الله يجب أن تكون فوق كل محبوب، وأن تقديم محبة غير الله على محبة الله كبيرةٌ من الكبائر، ومحبة الرسول صلى الله عليه وسلم هي تابعة لمحبة الله تعالى؛ لأن الله أمَرَنا بمحبة النبي صلى الله عليه وسلم.   لا يجوز لقلب الموحِّد أن يرى محبوبَه على معصيته وتظل محبته في قلبه على نفس القدر بالرغم من فعله للمعصية، بل تقل محبتُه بقدر معصيته؛ لأن حب الله يفوق حبَّ هذا المحبوب.   • قال ابن القيم رحمه الله: "المحبة هي المنزلة التي يتنافس فيها المتنافسون، وإليها شخص العاملون، وإلى عِلْمها شمَّر السابقون، وعليها تفانَى المحبُّون، وبروح نسيمها تروَّح العابدون؛ فهي قوت القلوب، وغذاء الأرواح، وقرة العيون، وهي الحياة التي مَن حُرمها فهو من جملة الأموات، وهي النور الذي مَن فقده فهو في بحار الظلمات، والشفاء الذي مَن عدمه حلَّت بقلبه جميعُ الأسقام، واللذَّة التي مَن لم يظفر بها فعيشته كلها هموم وآلام، وروح الإيمان والأعمال والمقامات والأحوال التي متى خلت منها فهي كالجسد لا روح فيه، تحمل السائرين إلى بلادٍ لم يكونوا إلا بشقِّ الأنفس بالِغيها، وتوصلهم إلى منازلَ لم يكونوا بدونِها أبدًا واصليها، وتُبوِّئهم من مقاعد الصدق مقاماتٍ لم يكونوا لولاها داخليها، وهي مطايا القوم التي سُراهم على ظهورها دائمًا إلى الحبيب، وطريقهم الأقوم الذي يبلغهم منازلهم الأُولى من قريب...، وقد قضى الله - يوم قدَّر مقادير الخلائق بمشيئته وحكمته البالغة - أن المرء مع مَن أحب، فيا لها من نعمةٍ على المحبين سابغة، والمحبة لا توصف ولا تعرف؛ إنما يعرفها مَن وجدها وذاقها، وإنما البحث في أسبابها وموجباتها، وعلاماتها وشواهدها".   الأسباب الجالبة للمحبة والموجبة لها: 1) قراءة القرآن بالتدبُّر والتفهم لمعانيه وما أُريدَ به؛ كتدبر الكتاب الذي يحفظه العبد ويشرحه ليتفهم مرادَ صاحبه. 2) التقرب إلى الله تعالى بالنوافل بعد الفرائض. 3) دوام ذكره سبحانه على كل حال؛ باللسان والقلب والعمل والحال، فنصيبُه من المحبة على قدر نصيبه من الذكر. 4) إيثار محابِّه على محابك عند غلَبات الهوى. • وعلامة هذا الإيثار شيئان: 1- فعل ما يحبه الله، ولو كانت نفسه تكرهه. 2- ترك ما يكرهه الله، ولو كانت نفسه تحبه.   5) مطالعة القلب لأسمائه وصفاته، ومشاهدتها، ومعرفتها، وتقلب القلب في رياض هذه المعرفة وميادينها؛ فمن عرَف الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، أحبَّه لا محالة. 6) مشاهدة بره وإحسانه، ونِعمه الباطنة والظاهرة؛ فهي داعيةٌ إلى محبته. 7) انكسار القلب بكُليَّتِه بين يدي الله تعالى. 8) الخلوة به تعالى وقت النُّزول الإلهي لمناجاته وتلاوة كلامه، والوقوف بالقلب، والتأدب بأدب العبودية بين يديه سبحانه، ثم ختم ذلك بالاستغفار والتوبة. 9) مجالسة المحبِّين الصادقين، والتقاط أطايب ثمرات كلامهم، كما تنتقي أطايب الثمر، ولا تتكلم إلا إذا ترجحت مصلحةُ الكلام، وعلمت أن فيه مزيدًا لحالك ومنفعة لغيرك. 10) مباعدة كل سبب يحُول بين القلب وبين الله جل وعلا (البدع - المعاصي - فضول المباح).   العلامات الدالة على محبة العبد لله جل وعلا: 1) حب لقاء الله: قال صلى الله عليه وسلم: ((مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللهِ أَحَبَّ اللهُ لِقَاءَهُ، وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللهِ كَرِهَ اللهُ لِقَاءَهُ))؛ (صحيح مسلم 2685). ♦ وليس المعنى أن يتمنَّى العبد الموت، أو يدعو به على نفسه، فهذا منهيٌّ عنه، ولكن إذا نزل الموت بالعبد الصالح أحبَّ نزوله؛ لأنه سيفضي به إلى لقاء الله وما أعد له من الثواب والنعيم.   2) أن يكون كمال أنسِه بمناجاة الله: وتلاوة كتابه، وكمال تنعُّمه بالخلوة، وأن يكون كمال استيائه مما ينغص عليه ذلك. 3) أن يكون صابرًا على المكاره: فبالصبر يعلم صحيح المحبة من معدومها، وصادقها من كاذبها. 4) ألا يؤْثر شيئًا من المحبوبات على محبة الله: لا ولدًا، ولا أهلًا، ولا شهوة، بل يكون مقاومًا لداعي الهوى، معرضًا عن الكسل، مواظبًا على الطاعة، بعيدًا عن المعاصي. 5) أن يكون مُحبًّا لذكر الله: لا يفتر عنه لسانه، ولا يخلو عنه قلبه. 6) محبة كلامه: فيعكف على كتاب الله تلاوةً وحفظًا، وتفسيرًا وتدبرًا وعملًا. 7) أن يحب ما يحب اللهُ، ويبغض ما يبغضه: فيحب عبادته وطاعته وأولياءه، وأن يغار لله فيغضب إذا انتُهكت محارمُه. 8) أن يتأسَّف على ما يفوته مِن طاعة الله وذكره: فإن فاته وِرْده، وجد لفواته ألمًا عظيمًا أعظم من تألُّم الحريص على ماله إذا سُرق أو ضاع. 9) أن يستقِلَّ في حق محبوبه جميعَ أعماله ولا يراها شيئًا. 10) أن يكون متبعًا للنبي صلى الله عليه وسلم، متمسكًا بسنته ظاهرًا وباطنًا؛ في الهيئة، وفي الأخلاق، وفي العبادات، وفي السلوك؛ قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [آل عمران: 31].   العَلاقة بين المحبة والخوف والرجاء: حتى تكون العبادة صحيحةً لا بد من هذه الأركان الثلاثة، فالمؤمن في سيره إلى الله كالطائر له رأس وله جناحان. • الرأس: محبة الله. • الجناحان: الخوف والرجاء.   يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "اعلم أن محركات القلوب إلى الله عز وجل ثلاثة: (المحبة، الخوف، الرجاء)، وأقواها المحبة، وهي مقصودة تُرادُ لذَاتِها؛ لأنها تراد في الدنيا والآخرة، بخلاف الخوف فإنه يزول في الآخرة؛ قال تعالى: ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [يونس: 62].   والخوف المقصود منه: الزجر والمنع من الخروج عن الطريق، فالمحبة تلقَى العبدَ في السير إلى محبوبه، وعلى قدر ضعفِها وقوتها يكون سيرُه إليه، والخوف يمنعه أن يخرج عن طريق المحبوب، والرجاء يقوده، فهذا أصل عظيم يجب على كل عبدٍ أن ينتبه له، فإنه لا تحصل له العبودية بدونه، وكل أحد يجب أن يكون عبدًا لله لا لغيره"، انتهى كلامه رحمه الله.
• قول بعضهم: (إن عبادة الخوف هي عبادة العبيد، وعبادة الرجاء هي عبادة التجار، وعبادة الحب هي عبادة الأحرار) بدعةٌ: • لأن هذا الكلام فيه ذمٌّ للمنزلتين: (منزلة الخوف، منزلة الرجاء)، فهم قد نصبوا المعركة بين أجنحة العبادة الثلاثة التي لا يمكن أن تتم العبادة إلا بها. • فهؤلاء قد رفعوا أنفسهم فوق منازل الأنبياء، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ((أَمَا وَاللهِ إِنِّي لأتقاكُم للهِ، وأخشَاكم لَهُ))؛ (صحيح مسلم: 1108)، وكان إبراهيم عليه السلام يقول: ﴿ وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ﴾ [الشعراء: 87]، يخاف من الخزي يوم القيامة، فهل هؤلاء أفضل من الأنبياء والرسل؟! • قال بعض السلف: "مَن عبد الله بالحب وحدَه فهو زنديق، ومَن عبد الله بالخوف وحدَه فهو حَرُورِيٌّ، ومَن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ، ومَن عبد الله بالحب والخوف والرجاء فهو المؤمن الموحِّد".   • مَن عبد الله بالحب وحده فهو زنديق: والزنديق هو المنافق الذي أظهر بعض كلمات النفاق على لسانه، وأُطلِق عليه هذا الوصف؛ لأنه ينسلخ من الشريعة ولا يتبع ما فيها، فلا يمتثل الأمر، ولا يجتنب النهي، بحُجة أنه يكفيه الحب.   ومَن عبد الله بالخوف وحده فهو حروري: الحَرُورِيَّةُ (فِرقة من فِرَقِ الخوارج)، وأصل اعتقادهم - اعتقاد الخوارج - أن صاحب الكبيرة مُخلَّد في النار، فهم يُكفِّرون الناس بالمعاصي. وسُمُّوا بالحرورية نسبة إلى (حَرُوراء)، وهي البلدة التي بدأ ظهور الخوارج بها في عهد عليٍّ رضي الله عنه، فهم يعبدون الله بالخوف دون رجاء.   • ومن عبد الله بالرجاء وحده فهو مرجئ: المرجئة أيضًا فرقة من الفرق الضالة، وهم يؤخرون منزلة العمل عن الإيمان فيقول: إن الإيمان تصديق القلب فقط.
فصاحب الكبيرة عندهم مؤمن كاملُ الإيمان؛ فهم يعبدون الله بالرجاء دون خوف. • ومن عبد الله بالحب والخوف والرجاء، فهو المؤمن الموحد: الذي اكتملت عنده أركان العبادة (المحبة، والخوف، والرجاء)، كما قال تعالى عن عباده المقربين: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ [الإسراء: 57]. اللهم ارزقنا حبَّك وحبَّ مَن يحبُّك وحبَّ كلِّ عملٍ صالح يُقرِّبنا إلى حبِّك



شارك الخبر

ساهم - قرآن ١