أرشيف المقالات

فضائل الدعاء

مدة قراءة المادة : 35 دقائق .
2فضائل الدعاء
الحمد لله الذي له ملك السموات والأرض، يحيي ويميت وهو على كل شيءٍ قديرٌ، هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، وهو بكل شيءٍ عليمٌ، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي أرسله الله هاديًا ومبشرًا ونذيرًا، وداعيًا إليه بإذنه وسراجًا منيرًا، أما بعد: فإن الدُّعاء له منزلةٌ عظيمةٌ في الإسلام؛ فهو من أفضل العبادات؛ ولهذا جاءت نصوص كثيرة في القرآن الكريم وسنَّة نبينا صلى الله عليه وسلم تدل على فضل الدُّعاء.   فأقول وبالله تعالى التوفيق: معنى الدُّعاء: الدُّعاء: هو إظهار غاية التذلُّل والافتقار إلى الله، والاستكانة له؛ (فتح الباري لابن حجر العسقلاني جـ 11 صـ 98).   الدُّعاء وصية رب العالمين: حثَّنا الله تعالى على الدُّعاء في آيات كثيرة من كتابه العزيز: (1) قال تعالى: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186]. قال الإمام ابن جرير الطبري - رحمه الله -: وإذا سألك يا محمد عبادي عني: أين أنا؟ فإني قريبٌ منهم، أسمع دعاءهم، وأجيب دعوة الداعي منهم؛ (تفسير الطبري - جـ 3 - صـ 222).   (2) قال سبحانه: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ ﴾ [النمل: 62]. قال الإمام ابن كثير - رحمه الله -: ينبِّه تعالى أنه هو المدعوُّ عند الشدائد، المرجوُّ عند النوازل؛ كما قال: ﴿ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ﴾ [الإسراء: 67]، وقال تعالى: ﴿ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ﴾ [النحل: 53].   قوله تعالى: ﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ﴾ [النمل: 62]؛ أي: مَن هو الذي لا يلجأ المضطرُّ إلا إليه، والذي لا يكشف ضرَّ المضرورين سواه؛ (تفسير ابن كثير - جـ 6 - صـ 203).   (3) قال جل شأنه: ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ﴾ [غافر: 60]. قال الإمامُ ابن كثير - رحمه الله -: هذا مِن فضله تبارك وتعالى وكرمه؛ أنه ندَب عباده إلى دعائه، وتكفَّل لهم بالإجابة؛ (تفسير ابن كثير - جـ 7 - صـ 153).   (4) قال سبحانه: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأعراف: 55، 56]. قال الإمام ابن جرير الطبري - رحمه الله -: ادعوا أيها الناسُ ربَّكم وحده، فأخلصوا له الدُّعاء دون ما تدعون من دونه من الآلهة والأصنام.   قوله: ﴿ تَضَرُّعًا ﴾ [الأعراف: 55]؛ أي: تذللًا واستكانةً لطاعته، ﴿ وَخُفْيَةً ﴾ [الأعراف: 55]؛ أي: بخشوع قلوبكم، وصحة اليقين منكم بوحدانيته فيما بينكم وبينه، لا جِهارًا مراءاةً، وقلوبكم غير موقنةٍ بوحدانيته وربوبيته، فِعْلَ أهل النفاق والخداع لله ولرسوله؛ (تفسير الطبري - جـ 10 - صـ 247).   دعاء الأنبياء: إبراهيم صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم: ﴿ رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ [إبراهيم: 37]. وقال إبراهيم أيضًا: ﴿ رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ * رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم: 40، 41].   نوح صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى حكاية عن نوح: ﴿ وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ * وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ [الأنبياء: 76، 77].   موسى صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى حكاية عن موسى: ﴿ قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي * وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي * وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي * يَفْقَهُوا قَوْلِي * وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي * كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى ﴾ [طه: 25 - 36].   قال الله تعالى حكاية عن موسى لما قتَل القِبطيَّ: ﴿ قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ ﴾ [القصص: 16، 17].   وقال سبحانه: ﴿ وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [يونس: 88، 89].   أيوب صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: ﴿ وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ ﴾ [الأنبياء: 83، 84].   زكريا صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: ﴿ كهيعص * ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا * إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا * قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا * وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا * يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا * قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا * قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا ﴾ [مريم: 1 - 9].   عيسى ابن مريم صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى: ﴿ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ ﴾ [المائدة: 114، 115].   يعقوب صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى حكاية عن يعقوب: ﴿ وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ * قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ * قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ * يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [يوسف: 84 - 87].   يوسف صلى الله عليه وسلم: ﴿ قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ * فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [يوسف: 33، 34].   يونس صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى حكاية عن يونس: ﴿ وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [الأنبياء: 87، 88].   سليمان بن داود صلى الله عليه وسلم: قال الله تعالى حكاية عن سلمان: ﴿ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ * فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ * وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ * وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴾ [ص: 35 - 40].   الدُّعاء صلة بين المسلمين: قال الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ﴾ [الحشر: 10].   قال الإمام القرطبي - رحمه الله -: ﴿ وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ ﴾ [الحشر: 10]: يعني التابعين ومَن دخل في الإسلام إلى يوم القيامة؛ (تفسير القرطبي - جـ 18 - صـ 31).   وقال جل شأنه إخبارًا عن إبراهيمَ صلى الله عليه وسلم: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ ﴾ [إبراهيم: 41]. وقال سبحانه إخبارًا عن نوحٍ صلى الله عليه وسلم: ﴿ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا ﴾ [نوح: 28].   روى مسلمٌ عن صفوانَ بن عبدالله بن صفوان، وكانت تحته - أي زوجته - الدرداءُ، قال: قدمت الشام، فأتيت أبا الدرداء في منزله، فلم أجده، ووجدت أم الدرداء، فقالت: أتريد الحجَّ العامَ؟ فقلت: نعم، قالت: فادع الله لنا بخيرٍ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: ((دعوةُ المرء المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابةٌ، عند رأسه ملَكٌ موكلٌ، كلما دعا لأخيه بخيرٍ، قال الملَك الموكل به: آمين ولك بمثلٍ))؛ (مسلم حديث: 2733).   أنواع الدُّعاء: الدُّعاء نوعان: الأول: دعاء العبادة: دعاء العبادة: هو الذي يتضمن الثناءَ على الله تعالى بما هو أهلُه، ويكون مصحوبًا بالخوف والرجاء. روى الترمذي عن عبدالله بن عمرو بن العاص: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((خير الدُّعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلتُ أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قديرٌ))؛ (حديث حسن) (صحيح الترمذي للألباني حديث 2837).   الثاني: دعاء المسألة: دعاء المسألة: هو طلب ما ينفع الداعيَ، وطلب كشف ما يضرُّه، ودفعِه، وكل من يملِك الضر والنفع فإنه هو المعبود. الدُّعاء في القرآن يراد به دعاء العبادة، أو يراد به دعاء المسألة، أو يراد به مجموعهما، وهما متلازمانِ، وقد ورد المعنيانِ جميعًا في قوله سبحانه: ﴿ ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ * وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [الأعراف: 55، 56]؛ (مجموع فتاوى ابن تيمية - جـ 15 - صـ 10).   فضل الدُّعاء في السنَّة: (1) روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ليس شيءٌ أكرمَ على الله تعالى من الدُّعاء))؛ (حديث حسن) (صحيح الترمذي - للألباني - حديث 2684).   (2) روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن لم يسأَلِ اللهَ، يغضَبْ عليه))؛ (حديث حسن) (صحيح الترمذي - للألباني - حديث 2686). • قال المباركفوري - رحمه الله -: لأن تركَ السؤال تكبرٌ واستغناءٌ، وهذا لا يجوز للعبد.   قال الشاعرٌ: اللهُ يَغْضَبُ إن ترَكْتَ سؤالَه ♦♦♦ وبُنَيُّ آدمَ حين يُسأَلُ يغضَبُ (تحفة الأحوذي بشرح الترمذي - المباركفوري - جـ 9 - صـ 221).   (3) روى أبو داود عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن ربَّكم تبارك وتعالى حييٌّ كريمٌ، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفرًا؛ "أي خاليتين")؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود - للألباني - حديث 1320).   (4) روى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن سره أن يستجيب اللهُ له عند الشدائد والكرب، فليُكثر الدُّعاء في الرخاء))؛ (حديث حسن) (صحيح الترمذي - للألباني - حديث 2693).   قوله: (مَن سره)؛ أي: أعجبه، وفرح قلبه وجعله مسرورًا. قوله: (الشدائد): جمع الشديدة، وهي الحادثة الشاقة. قوله: (الكُرَب): جمع الكربة، وهي الغمُّ الذي يأخذ بالنفس. قوله: (فليُكثر الدُّعاء في الرخاء)؛ أي: في حالة السَّعة والصحة، والفراغ والعافية؛ (مرقاة المفاتيح - علي الهروي - جـ 4 - صـ 1531).   (5) روى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ادعوا اللهَ وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن اللهَ لا يستجيب دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ)؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي - للألباني - حديث 2766).   • قوله: (وأنتم موقنون بالإجابة)؛ أي: وأنتم معتقدون أن الله لا يُخيِّبُكم؛ لسَعة كرمه، وكمال قدرته، وإحاطة علمه، لتحقق صدق الرجاء وخلوص الدُّعاء؛ لأن الداعي ما لم يكن رجاؤُه واثقًا، لم يكن دعاؤه صادقًا؛ (مرقاة المفاتيح - علي الهروي - جـ 4 - صـ 1531).   (6) روى مسلم عن أبي هريرة: أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا مات الإنسانُ، انقطَع عنه عمله إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنتَفَع به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له))؛ (مسلم - حديث 1631).   (7) روى أبو داود عن النعمان بن بشيرٍ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((الدُّعاء هو العبادة، ﴿ وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ﴾ [غافر: 60]))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود - للألباني - حديث 1312).   قوله: (الدُّعاء هو العبادة)؛ أي: هو العبادة الحقيقية، التي تستأهلُ أن تسمى عبادةً؛ لدلالته على الإقبال على الله، والإعراض عما سواه، بحيث لا يرجو ولا يخاف إلا إياه، قائمًا بوجوب العبودية، معترفًا بحق الربوبية، عالمًا بنعمة الإيجاد، طالبًا لمدد الإمداد على وَفْق المراد، وتوفيق الإسعاد؛ (مرقاة المفاتيح - علي الهروي - جـ 4 - صـ 1527).   (8) روى الترمذي عن أنس بن مالكٍ، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((قال الله تبارك وتعالى: يا بنَ آدمَ، إنك ما دعوتني ورجوتني غفرتُ لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا بنَ آدم، لو بلغت ذنوبُك عَنان السماء ثم استغفرتَني غفرتُ لك ولا أبالي، يا بنَ آدم، إنك لو أتيتَني بقراب (بملء) الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشركُ بي شيئًا، لأتيتُك بقرابها مغفرةً))؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي - للألباني - حديث 2805).   قوله: (إنك ما دعوتني ورجوتني)؛ أي: ما دمتَ تدعوني وترجوني في مدة دعائك ورجائك غفرتُ لك على ما كان فيك من المعاصي، وإن تكرَّرت وكثُرَتْ.   قوله: (ولا أبالي): لا أهتمُّ بكثرة ذنوبك؛ إذ لا مُعقِّب لحُكمي، ولا مانع لعطائي. قال الطِّيبيُّ - رحمه الله -: أي لا يُسأَلُ اللهُ تعالى عما يفعل؛ (مرقاة المفاتيح - علي الهروي - جـ 4 - صـ 1620).   الدُّعاء وردُّ القضاء: روى الترمذي عن سَلْمان الفارسي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يرُدُّ القضاءَ إلا الدُّعاء، ولا يَزيدُ في العُمرِ إلا البِرُّ))؛ (حديث حسن) (صحيح الترمذي - للألباني - حديث 1238).   (1) قال الإمام الشوكاني - رحمه الله -: في هذا الحديث دليلٌ على أنه سبحانه يدفع بالدُّعاء ما قد قضاه على العبد، وقال أيضًا: الدُّعاء مِن قدر الله عز وجل، فقد يَقضي اللهُ على عبده قضاءً مقيدًا بألا يدعوه، فإن دعاه اندفع عنه؛ (تحفة الذاكرين للشوكاني - صـ 35: صـ 36).   (2) قال الإمام الغزالي - رحمه الله -: فإن قلت: فما فائدة الدُّعاءِ والقضاءُ لا مرَدَّ له؟ فاعلم أن مِن القضاء ردَّ البلاء بالدُّعاء، والدُّعاء سبب لرد البلاء، واستجلاب الرحمة، كما أن التُّرْسَ سبب لرد السهم، والماء سبب لخروج النبات من الأرض، وكما أن التُّرْس يدفع السهم فيتدافعان، فكذلك الدُّعاء والبلاء يتعالجان (أي يتدافعان)، وليس مِن شرط الاعتراف بقضاء الله عز وجل ألا يحمل السلاح؛ قال عز وجل: ﴿ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ﴾ [النساء: 102]، وألا تُسقَى الأرض بعد نَبْتِ البذر؛ فالله تعالى قدر الأمر، وقدَّر سببَه؛ (إحياء علوم الدين - للغزالي - جـ 1 - صـ 328).   (3) هذا الحديث لا يدل على تغيير ما في اللوح المحفوظ، وإنما يدل على أن اللهَ قدَّر السلامة من الشرور، وقدر أسبابًا لتلك السلامة، والمعنى أن الله دفع عن العبد شرًّا، وذلك مقدرٌ بسببٍ يفعله، وهو الدُّعاء، وهو مقدرٌ، وكذلك قدر أن يطول عمر الإنسان، وقدر أن يحصل منه سبب لذلك، وهو البِرُّ وصلة الرحم؛ فالأسباب والمسبَّبات كلها بقضاء الله وقدره؛ (قطف الجنى الداني - عبدالمحسن العباد البدر - صـ 102).   التوسُّل إلى الله عند الدُّعاء: قال سبحانه: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا ﴾ [الإسراء: 57].   معنى التوسُّل: التوسُّل: هو التقرُّب إلى الله تعالى بالأعمال الصالحة المشروعة؛ (مختار الصحاح للرازي - صـ 721). ينقسم التوسُّل إلى الله تعالى عند الدُّعاء إلى نوعين: توسُّل مشروع، وتوسُّل ممنوع.   سوف نتحدث عن كِلا النوعين: أولًا: التوسُّل المشروع: شرَع الله تعالى لنا عند دعائه أنواعًا من التوسُّلات المشروعة المفيدة، المحقِّقة للغرض، التي تكفَّل الله بإجابة الداعي بها إذا توفرت شروط الدُّعاء المقبول، والتوسُّل المشروع عند الدُّعاء، الذي دلت عليه نصوص القرآن والسنَّة، وجرى عليه عمل السلف الصالح، وأجمع عليه المسلمون - ثلاثة أنواع، وهي: الأول: التوسُّل إلى الله باسم من أسمائه الحسنى، أو صفة من صفاته: كأن يقولَ المسلم في دعائه: اللهم إني أسألك بأنك أنت الرحمن الرحيم، اللطيف الخبير أن تعافيني، أو يقول: اللهم إني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء أن ترحمَني وتغفر لي،ودليل مشروعة هذا التوسُّل عند الدُّعاء ما يلي: قوله تعالى: ﴿ وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [الأعراف: 180]. وما ذكره الله تعالى مِن دعاء سليمان صلى الله عليه وسلم؛ حيث قال: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ [النمل: 19].   روى النَّسائي عن عمار بن ياسرٍ قال: كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يدعو فيقول: ((اللهم بعلمك الغيبَ، وقدرتك على الخَلْق، أحيِني ما علمتَ الحياة خيرًا لي، وتوفَّني إذا علمتَ الوفاة خيرًا لي))؛ (حديث صحيح) (صحيح النسائي - للألباني - جـ 3 صـ 54).   روى مسلمٌ عن عبدالله بن عباسٍ: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم إني أعوذ بعزتك لا إله إلا أنت أن تُضلَّني))؛ (مسلم جـ 4 حديث 2717). روى الترمذي عن أنس بن مالكٍ قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كَرَبَه أمرٌ، قال: ((يا حي يا قيُّوم، برحمتك أستغيث))؛ (حديث حسن) (صحيح الترمذي - للألباني - حديث 2796).   الثاني: التوسُّل إلى الله تعالى بعمل صالح قام به الداعي: كأن يقولَ الداعي: اللهم بإيماني بك، ومحبتي لك، واتِّباعي لرسولك محمد صلى الله عليه وسلم، اغفِرْ لي واعفُ عني،أو يقول: اللهم إني أسألك بحبي لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم وإيماني به، أن تفرِّجَ عني همي،وكذلك بأن يذكر الداعي عملًا صالحًا قام به لوجه الله تعالى، فيه خوفُه من الله، وتقواه إياه، وإيثاره رضاه على كل شيء؛ ليكون أرجى لقَبوله وإجابته.   ويدل على مشروعية هذا التوسُّل قوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾ [آل عمران: 16]. وقوله سبحانه: ﴿ رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ ﴾ [آل عمران: 53].   وقوله جل شأنه: ﴿ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ * رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ ﴾ [آل عمران: 193، 194]. وقوله سبحانه: ﴿ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [المؤمنون: 109].   روى الشيخانِ عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((انطلق ثلاثة رهطٍ ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غارٍ فدخلوه، فانحدرت صخرةٌ من الجبل فسدت عليهم الغار، فقالوا: إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعُوا الله بصالح أعمالكم، وفي رواية لمسلم: فقال بعضهم لبعضٍ: انظروا أعمالًا عملتموها صالحةً لله فادعوا الله تعالى بها؛ لعل الله يفرجها عنكم))؛ (البخاري حديث 2272 / مسلم حديث 2743).   الثالث: التوسُّل إلى الله بدعاء الرجل الصالح الحي: كأن يقعَ المسلم في ضيق شديد، أو تحُلَّ به مصيبة كبيرة، ويعلم من نفسه التفريط في جنب الله تعالى، فيذهب إلى رجل، على قيد الحياة، يعتقد فيه الصلاح والتقوى، والفضل والعلم بالكتاب والسنَّة، فيطلب منه أن يدعوَ الله له ليفرج عنه كربه، ويزيل عنه همه، وهذا النوع قد ثبت في السنَّة المباركة.   (1) روى الشيخان عن أنس بن مالكٍ يذكر أن رجلًا دخل يوم الجمعة من بابٍ كان وِجَاهَ (أي مواجهة) المنبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائمٌ يخطب، فاستقبَلَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم قائمًا، فقال: يا رسول الله، هلكت المواشي، وانقطعت السبل؛ فادع الله يغيثنا، قال: فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال: ((اللهم اسقِنا، اللهم اسقنا، اللهم اسقنا))،قال أنس: والله ما نرى في السماء من سحابٍ ولا قزعةً (قطعةً من السحاب) ولا شيئًا، وما بيننا وبين سلعٍ (اسم جبل) من بيتٍ ولا دارٍ، قال: فطلعت من ورائه سحابةٌ مثل التُّرْس (أي مستديرة)، فلما توسطت السماء انتشرت ثم أمطرت؛ (البخاري حديث 1013 / مسلم حديث 897).   (2) روى البخاري عن أنس بن مالكٍ: أن عمرَ بن الخطاب رضي الله عنه كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبدالمطلب، فقال: اللهم إنا كنا نتوسَّل إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسَّل إليك بعم نبينا فاسقنا، قال: فيسقون؛ (البخاري حديث 1010).   قوله: (قحطوا)؛ أي: أصابهم القحط، وهو الجدب وقلة المطر. قوله: (استسقى)؛ أي: يطلب مِن الله تعالى أن ينزل المطر. قوله: (بالعباس)؛ أي: بدعاء العباس بن عبدالمطلب. قوله: (كنا نتوسَّل إليك بنبينا)؛ أي: كنا نتوسل إليك بدعاء نبينا صلى الله عليه وسلم وهو موجودٌ معنا.   • قال الإمام ابن حجر العسقلاني - رحمه الله -: بيَّنَ الزُّبَير بن بكارٍ (في كتابه الأنساب) صفةَ ما دعا به العباس في هذه الواقعة، والوقت الذي وقع فيه ذلك؛ فأخرج بإسنادٍ له أن العباس لما استسقى به عمر قال: اللهم إنه لم ينزل بلاءٌ إلا بذنبٍ، ولم يكشف إلا بتوبةٍ، وقد توجَّه القوم بي إليك لمكاني من نبيك، وهذه أيدينا إليك بالذنوب، ونواصينا إليك بالتوبة، فاسقِنا الغيث، فأرخَتِ السماءُ مثلَ الجبال حتى أخصبت الأرض وعاش الناس؛ (فتح الباري - لابن حجر العسقلاني - جـ 2 - صـ 497).   (3) روى ابنُ عساكرَ عن سليم بن عامرٍ الخبائري: أن السماء قحطت، فخرج معاوية بن أبي سفيان وأهل دمشق يستسقون، فلما قعد معاوية على المنبر، قال: أين يزيد بن الأسود الجرشي؟ فناداه الناس، فأقبل يتخطى الناس، فأمره معاويةُ فصعد المنبر فقعد عند رِجليه، فقال معاوية: اللهم إنا نستشفع إليك بخيرنا، وأفضلنا، اللهم إنا نستشفع إليك بيزيد بن الأسود الجرشي، يا يزيد، ارفع يديك إلى الله عز وجل، فرفع يديه، ورفع الناس أيديهم، فما كان أوشك أن ثارت سحابةٌ في الغرب كأنها تُرْسٌ، وهب لها ريحٌ فسقتنا، حتى كاد الناس ألا يبلغوا منازلهم؛ (إسناده صحيح) (التوسُّل للألباني - صـ 41).   ثانيًا: التوسُّل الممنوع: يجب على كل مسلم أن يعلم أن الدُّعاء عبادة خاصة به سبحانه وحده، فإذا صرف هذا الدُّعاءَ إلى غير الله تعالى فقد اصطدم بالتوحيد الذي أرسل اللهُ تعالى من أجله الرسلَ، وأنزل الكتب، ويمكن أن نوجز أنواع التوسُّل الممنوع فيما يلي: الأول: التوسُّل بالأموات من الأنبياء والصالحين: إن دعاءَ الأموات الصالحين لقضاء الحوائج هو الشركُ الذي نهى عنه الله تعالى ورسولُه صلى الله عليه وسلم؛فلا يجوز الاستغاثةُ بهم، ولا النذرُ لهم؛ فإن الميت قد انقطع عمله، ولا يملِك لنفسه نفعًا ولا ضرًّا، ولا يملِك لنفسه موتًا ولا حياة ولا نشورًا.   قال الله تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ * إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ * وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ ﴾ [الأعراف: 194 - 197]. فمن قال: يا رسول الله، أغِثْني، أو قال: يا رسول الله، فرِّج عني كَرْبي، أو قال: يا سيدي فلان، انصُرْني، أو نحوَ ذلك من الأقوال - فقد أشرك بالله العظيم.   الثاني: التوسُّل باتخاذ الأموات من الأنبياء والصالحين شفعاءَ عند الله: يجب أن يكونَ مِن المعلوم أنه لا واسطة ولا شفاعة في الدُّعاء بين العبد وخالقه سبحانه وتعالى؛ ولذا قال سبحانه: ﴿ وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ﴾ [البقرة: 186].   ولقد عاب اللهُ تعالى على أهل الجاهلية اتخاذَهم الأصنامَ وسيلةً إليه سبحانه؛قال تعالى حكاية عن أهل الجاهلية: ﴿ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى ﴾ [الزمر: 3]، وقال أيضًا: ﴿ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ ﴾ [يونس: 18].   الثالث: التوسُّل إلى الله بجاهِ أو بحقِّ أحدٍ من الصالحين: إن جاهَ النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته عند الله تعالى أعظمُ مِن جاه جميع الأنبياء والمرسَلين، ومع ذلك لا يجوز لنا أن نتوسلَ به إلى الله؛ لعد م ثبوت الأمر به عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان،وأما ما يرويه بعض الناس بلفظ: (إذا سألتم الله فاسألوه بجاهي؛ فإن جاهي عند الله عظيم)،فهذا باطل، ولا أصل له في شيء من كتب الحديث؛ (التوسُّل للألباني - صـ 118: صـ 120).   ولا يجوز التوسُّل إلى الله تعالى بحق أحد من الخَلْق، وكل ما ورد في ذلك أحاديث لا تقوم بها حجةٌ عند أهل الحديث؛ (التوسُّل للألباني - صـ 94: صـ 102). إن التوسُّل بحقِّ أحدٍ من الناس لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان.   الرابع: التوسُّل والدُّعاء عند قبور الأولياء الصالحين: لا يجوز الدُّعاء عند قبور الصالحين؛ لأن هذا مما نهى عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم، وحذَّر منه أمَّتَه. روى أحمدُ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((اللهم لا تجعَلْ قبري وثنًا، لعَن الله قومًا اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد))؛ (حديث صحيح) (مسند أحمد - جـ 2 - صـ 246).   روى أبو داود عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تجعَلوا بيوتَكم قبورًا، ولا تجعلوا قبري عيدًا، وصلُّوا عليَّ؛ فإن صلاتَكم تبلُغُني حيث كنتم))؛ (حديث صحيح) (صحيح أبي داود للألباني حديث 1796).   وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالَمين. وصلى الله وسلَّم على سيدنا محمدٍ، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين.



شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير