أرشيف المقالات

مائة وعشرون موعظة جديدة من كتاب "موافق المرافق" لابن الجوزي

مدة قراءة المادة : 21 دقائق .
2مائة وعشرون موعظة جديدة من كتاب "موافق المرافق" لابن الجوزي   ١-عبادَ الله، تلمَّحوا العواقب تلمحَ مراقب، وثابروا على المناقب؛ فإن العاقل لتحصيل المنى مُناهب. ٢-مصايد الشهوات مبثوثةٌ في طريق المُتّقي، فلا يسلم من شرورها ذو شرهٍ، وإنما ينجو من فِخاخها الذين يؤمنون بالغيب. ٣-تَرى ما يطرأُ من العِبر وينوب وأنت لا تتوب، قد دَرِنَ جسم قلبك بالذنوب، فما يغسله ألف ذَنوب[1]. ٤-ما وصلوا إلى المنزل إلا بعد طول السُّرى، ما نالوا لذَّة الرَّاحة إلا بعد أن صبروا على المشقة. ٥-لا بد من حَمْلِ البلاء في طريق الوصال. ٦-سُرادق المحبة لا يُضرب إلا في قاعٍ فارغٍ نزهٍ. ٧-يا حاضرًا كغائب، إذا رأيت التائبين قد تحرَّموا للرحيل عن ديار الهوى فابكِ على توقُفك، ويحك، فاض النَّهرُ؛ فاعبر قبل الغرق. ٨-إنما خلقت الأكوان كلها لك، فالدنيا لتزرع، والآخرة لتتوطن. ٩-يا مغرورين بحبة الفخ، ناسين خنق الشرَك، تذكروا فوات المقصود مع حصول الذبح ﴿ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ ﴾ [لقمان: 33]. ١٠-ألا يصبر طائرُ الهوى عن حبَّةٍ مجهولة العاقبة؟ وإنما هي ساعة، وقد يصل إلى برج أمِنَة وفيه حبّاتٌ. ١١-بادر بالعمل قبل خروج الروح، فـما تدري من غدٍ هل تروح. ١٢-دع نفسك تبكي من شدة الرياضة، فستضحك عند صحبة الملوك. ١٣-يا صبيان التوبة، دوموا على الحِمية وإن أذابت الأبدان؛ فإنها تجلبُ العافية، وإياكم والتخليط؛ فإنه سبب المرض. ١٤-أيا أقسى الناس قلبًا، أما لك عين ترى ما جرى؟! يتوب الصبيان وتُصِرُّ، وتضرب على عملة الهوى ولا تُقِرُّ. ١٥-يا ماشيًا في ظلام ليل الهوى، لو استبصرت بمصباح التقى، فما تأمن بئرَ بوارِ ﴿ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا ﴾ [الأنعام: 104]. ١٦- صورة طاعتك نطفة، فإذا كانت عن معرفة صارت علقة، فإذا تم الإخلاص صارت مضغة، فإذا وقعت مشاهدة القلب للمعبود صارت عظمًا، فإذا تحققت المحبة نُفخ الروح في العمل. ١٧-متى يتحدث الجيران بأنه قد تاب فلان؟ متى يقول الأقران: لنا اجتماع في مكان، فتقول: ذلك أمر قد كان.
يقولون: ما الخبر؟ قيل: صخرٌ لان. ١٨-ما كان أحسن قلبك، وما كان أصفى شربك، فأكثر على المصاب ندبك، لم تبق لك حيلةٌ إلا ملازمةُ باب الطبيب، فإن لم تقدر على ثمن الدواء، فالبكاء رأسُ مال الفقير. ١٩-يا هذا، بادر الزَّمَنَ قبل الزَّمِن[2]، واغتنم الصحة قبل السقم، فكأن قد جاء المرتقب. ٢٠-كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره؟ كيف يُسَرُّ من يقوده عمرُه إلى أجله، وحياته إلى موته. ٢١-ويحك، كتابك بالذنوب مَلآن، فاستدرك أمرك من الآن. ٢٢-اشكروا من ألهمكم سقْيَ غروس الإيمان من ماء المجاهدة، حتى ذقتم من الثمرة حلاوة الرضا بقليل الدنيا ﴿ أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا ﴾ [الواقعة: 72]. ٢٣-إن ضيَّق الورَعُ عليكم رزقًا، فستوسِّعه القناعة. ٢٤-ويحكم، الالتفات إلى المتروك خسة همة، التقاط المنبوذ غاية الذلِّ. ٢٥-ما زلتُ أعالج مِسمارَ الهوى في قلب العاصي، أميلُ به تارةً إلى جانب التَّخويف، وتارة إلى جانب التشويق، فلما اتسع عليه المجال جذبته. ٢٦-إذا طلعت فجرُ الأجر حَمدتم طول السُّرى. ٢٧-يا نائمًا طول الليل، إذا أصبحت فزر أهل السهر، واسألهم عما جرى في السَّحر، فإذا أمْلوا بعض ما كان؛ فاكتبه بمداد الدمع. ٢٨-تحضرون المجلس فرجة، وتجعلون رجاء النفع حجة، ولا تسلكون إلى العمل محجةً ﴿ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي ﴾ [يوسف: 53].
فعندي زفير ما ترقى إلى الحشا، وعندي دموعٌ ما بلغن المآقيا. ٢٩-أنتم على الإزعاج، فما هذا التوطن؟! ﴿ أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ ﴾ [الشعراء: 146]. ٣٠-يا هذا قد اشتريت الدنيا بدينك، وبين الثمن والمثمن تفاوت عظيم، والغبن الفاحش يوجب الرّد، فردّ المشترى ولا تتمسك به بعد اليقين بالعيب؛ فإن الإمساك رضى. ٣١-من تذكر الحساب مال عن جمع المال. ٣٢-كان القوم يبيعون الفاني بالباقي، وأنتم قد عكستم، كيف تُطلب الشجاعة من جبان؟! ٣٣-يا نائمًا طول الليل، أما تحس بَرْدَ السحر؟! أما تسمع صوت الداعي؟! ٣٤-كتب الأوزاعي إلى أخٍ: أما بعد، فإنه قد أحيط بك من كل جانب، واعلم أنه يُسارُ بك في كل يوم وليلة، فاحذر الله والمقامَ بين يديه، وأن يكون آخر عهدك به، والسلام. ٣٥- يا من هدم ركن التوبة، ارفع قواعدَ الأسف. ٣٦- أتُراك ما تستحي يوم عيد التائبين أن تمشي بينهم وثياب تقواهم جُدُد وقميصك مرقوع؟! ٣٧- يا أصحاب القلوب الصافية اعرفوا قدر نعمة العافية، استعيذوا بالله من الحور بعد الكور، على ذي سرٍّ صافٍ تكدر، وصاحب حالٍ حالَ وتغير، ردَّتْه الذنوب من الطريق، ورمته العيوب في مضيق. ٣٨- أي تصرف بقي لك في قلبك وهو بين أصبعين؟! كيف يطيب عيش من لا يدري بم يُختم له؟! ٣٩- ويحكم، ظاهر الدنيا يُعجب ويروق، وباطنها جيفة مستورة بالخلوق[3]. ٤٠- تلمّحوا يا غافلين أحوال الشباب التائبين، أين ورد خدود الصبيان؟! صيّره الحياء من الذنوب نرجسًا، أين شحوم الأبدان؟! أذابها حر الحذر، أين خيلاء العجب؟! بدلت بذلة المسكنة والحزن. ٤١- يا عازمًا على سفر التوبة، خذ للتغرب أهبة، ليس كل من خرج سافر، النقطة قبل الدائرة ﴿ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ﴾ [البقرة: 189]، اندم على ما مضى من المأثم، واردد على المعاملين المظالم. ٤٢- عقرَ سليمان الخيل ﴿ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ ﴾ [ص: 36].
واعجبًا! أسليك عن الدنيا. ٤٣- عليك ملكٌ يرفع عملك. ٤٤-ويحك، خذ بتلابيب نفسك قبل أن يأخذ ملك الموت بها. ٤٥-أما يكفي في إقامة أعذار الخاطئين: (لو لم تذنبوا)؟ أما في رسائل: (هل من سائل) دليل الكرم؟ ٤٦-يا مشغولاً عني، يا من أبعده الزلل مني، كنت في رفقة "تتجافى".
فصرت في حزب أهل النوم، أين القلق لفراق المألوف من الخير؟! مساجد الدجى تستوحش لصلاتك، مواطن الطاعة تتوق إلى عبادتك. ٤٧-يا هذا، (من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه).
والذي يعني العبدَ خدمة سيده وغيرها لا يعنيه. ٤٨-امدد يدَ المعاهدة على الوفاءِ فَمَزِّقْ بها ثوبَ الغَدْر. ٤٩-ويحكم، أعماركم تُنهبُ، وأيامكم تَذهب، وآثامكم تكتب، أصمم عن النصائح؟! أم عمى والأمر واضح؟! {﴿ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا ﴾ [النساء: 78]. ٥٠-الرياضة تكسر عوادي دواعي الطباع، من راض نفسه كف كفها عن الفضول، وزوى يدَ الزوائد. ٥١-من وقف نفسه على صراط الاستقامة وبيده ميزان المحاسبة، أَمِن من الغبن، بمحك[4] الورع تستعرض أعمال النفس، ويُرد البهرج[5] إلى كير التوبة، فمن استعمله، سَلم من ردّ الناقض يوم القبض. ٥٢-يا من يفرط في أعماله ويتكل على الشفاعة، رُبَّ أمل خاب، ويحك، كن رأسًا بنفسك؛ فإن السبُع لا يأكل إلا ما افترس. ٥٣-يا صبيان الهوى، أنتم تخرجون لقتل سبع ما آذاكم ليقال عن أحدكم: ما أجلده، فكيف تتركون سبُع الهوى وقد افترسكم؟! إذا خرجتم إلى سبع البرية مدحكم جُهال العوام، ولو خرجتم إلى سبع الهوى غبطكم راسخو العلماء. هذا سبع الهوى قد أغار على سَرح القلوب، فهل فيكم عارم؟! ٥٤-تقبض ثمنَ يُوسُف قلبِك وقت الضُّحى، وتبكى عشاءً عند يَعقُوب، رميت يوسف قلبك في جُبِّ الهوى، وتتهم به ذئب الصحراء. ٥٥-بالله عليك، اعرف ما ضاع منك وابك عليه بكاء عاقل، كان لك قلب فانقلب، كان لك وقت فذهب. ٥٦-واعجباً! سجدت السحرة بلا وضوء، إلى غير القبلة، في ثيابٍ غير طاهرة، فنالوا بتلك الصلاة الصلات. ٥٧-يا أطيار الأدميّة، إما عبَّادان[6] التعبد، وإما استفراخ العلم، وإلا فالذبح. ٥٨-إنما تُدفع الشدائدُ بالاستعداد لها. ٥٩-شدة الحرص سُدَّة في كبد الإيمان، غير أن شراب العزيمة يُحَلِّلُ السدد. ٦٠- يا من إذا أصبح طلب الشهوات، وإذا أمسى تقلب على فراش الزلات، أين أنت من قوم نصبوا الآخرة بين أعينهم؟ فقلوبهم وجلة، وأفئدتهم قلقة، هيهات هيهات، ما لك سهم من نصيبهم ﴿ إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ ﴾ [ص: 46].
نقضوا الدنيا فبنوا الآخرة. ٦١- من أراد أن ينظر إلى محاربة العقل والهوى، فلينظر إلى الضباب والشمس كيف يَتحارَّان[7]، فتارة تقوى عليه، وتارة يقوى عليها، فإذا قوي عليها حجبها عن العيون من حُجب الغيوم، وإذا قويت عليه نسخته فكان يوم صحو، فالضباب الهوى، والشمس العقل. ٦٢- يا صبيان التوبة، هلالكم خفيٌّ، فدوموا على التقوى يصرْ بدرًا، لا بد من ضيق ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ ﴾، الطبع إلى المألوف يحنُّ، والولد يطلب ما يشتهي، والزوجة تروم سعةَ النَّفقة، والورع يمنع من التَّوسع في الكسب ﴿ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا ﴾ [الأحزاب: 11]. ٦٣- للقلب يقظة، وللنفس غفلة، واليقظة مقهورة لانبساط جنود الهوى في مدينة البدن، فإذا جاءت الموعظة أمسك هوى النفس عن عمله؛ شغلاً بتدبر النصح، فنهضت يقظة القلب، فوجدت حارس الهوى مبهوتًا، فإن أَسْرَت أسَرَت كل من كان مطلقًا من جنوده. ٦٤- جناحا الطائر يعجزان عن حمل جُملته، فقد أُعين بخلق الريش على جميع البدن، فإذا حرَّك الجناحين دخل الهواءُ في باقي الرّيش، فصار كجناحين آخرين، فيقطع الأفلاك بجميع البدن، فتحريكه الجناحين في وزان الكسب، وخرقُ الهواء الريش في مقام التَّوفيق. ٦٥- لا تطمعوا في العفو مع الإصرار ﴿ لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ﴾ [النساء: 123]. ٦٦- الدنيا بحرٌ عميق قد هلك فيه خلق كثير، ما أقل السالمين في بحر الهوى! ٦٧- ويحكم، دعوا محبة الدنيا؛ فعابر السبيل لا يتوطن. ٦٨- يا أسير الشهوات، يا مقيَّدًا بالزلات، استوثق والله منك الفخ، وما تنتظر إلا الذبح، ويحك، تماوت بالانكسار لعل الصياد يفلتك. ٦٩- يا قلوب التائبين ارهبي، يا نفوس المذنبين اهربي، يا أفئدة المشتاقين اطربي، يا خيل الله اركبي، (من مشى إليّ هرولت إليه). ٧٠-ذكر الحساب على اللقمة شوك في مجرى البلعوم. ٧١-تبلغ؛ فالبلغة تريح الهم، فضول العيش أكثرها هموم، وأكثر ما يضرك ما تحب، إذا اتفق القليل وفيه سِلمٌ، فلا ترد الكثير وفيه حربٌ. ٧٢-متى تستوحش من معاشرة الخلق؟ متى تستأنس بمناجاة الحق؟ ٧٣- أُفدي قومًا عيشهم المناجاة، وعشُّهم النجاة. ٧٤- أتُرى أنت ممن؟! أترى أنت فيمن؟! أترى أنت مع من؟! إن عزُب فهمك لكثرة أشغالك بالنهار، فأجمّ فكرك بنومة من أول الليل، ثم انتبه لعلك تنتبه ﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا ﴾ [المزمل: 6]. ٧٥- كل عضو منك قد شيك، وتلفه قريب وشيك. ٧٦- خرجَ عمرُ لـيقتُلَ الرَّسُولٌ صَلَّى اللهُ عليهِ وسلّمَ، والقدر يقول: يا من خرج ليقتل، إنما خرجت لتقبل، فانقلبت التاءُ بآءً. ٧٧- كلما لطف الفهم زاد الحظ من الخير. ٧٨- ما رأينا الفضائل إلا في خفاف الرحال لا في الثقل، ينظم الدرُّ في السلوك، وتأبى عزة الدُّرِّ نظمه في الحبل! ٧٩- ويحك، تعرف قبح ما تأتي، ثم تدعى إلى التوبة وما تأتي. ٨٠- عبدَ هواك، متى وافق القدر مُرادك رضيت، ومتى نبا عن هواك سخطت، ثم لا تقنع بسخط قلبك على الأقدارحتى ترميها بسهام الاعتراض عن قوس اللسان.
ويحك، إنما رمى نمرود بسهمٍ واحد ويدُ تسخُّطك في القوس ما تبرح، كلما نفد نشابك استقرضت.
لا ترضىبما يفعله سيدك، ولا تفعل ما يرضاه، ويحكم، إنما العبد من رضي بما يفعله السيد، ويفعل ما يرضاه. ٨١- المال إذا وصل إلى الكرام عابر سبيل، وإكرام عابر السبيل تجهيزه للرحيل. ٨٢-متى تفيق من خمار الهوى؟! متى تنتبه من رقدة الغفلة؟! ٨٣-كان العاصي قتيل عشق الدنيا، فكشفت الزواجر نقاب المعشوقة، فبانت القبائح، ثم جلت المشوقات محاسنَ الأخرى، فالتفت الجِيدُ[8] إلى الجيد. ٨٤- يا مستكثرين من المعاصي، ضيقتم على أنفسكم الخناق، تنامون في سكر الغفلة، وتنتبهون على الخمار، أتظنون أن ما مضى من الخطايا قد انقضى؟! ﴿ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ ﴾ [ص: 88].
٨٥- يا هذا ما لك سوى نفس واحدة، فإن ذهبت على خسران فلا وجه للتدارك، يا بخيلاً بما له، كيف هانت نفسك عليك؟! رضيت لنفسك مع فطنتك وذكائك أن تعيش عيش البهائم، نهارك لهوٌ وليلك نوم، وبين يديك الجزاء والحساب. ٨٦- أنجع[9] الألفاظ في اجتلاب الرحمة ﴿ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا ﴾ [الأعراف: 23].
٨٧- أكثر الأرواح الخارجة من الدنيا هائمة في بيداء الندم، فإن اجتمعت ففي مأتم الندب، يبكيهن نائح ﴿ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي ﴾ [الفجر: 24].
٨٨- رُب زلةٍ أوجبت تقويمًا.
٨٩- البدار البدار، فأطيارُ العمر في سباق. ٩٠- الدنيا بحرٌ عميق، وجسدك السفينة، وأعضاؤك خدمُ الشراع، وروحك الراكبُ، والقلبُ باني المركب، فإن عصف هواءُ الهوى فحملك إلى بلاد الروم، حملوك على النصرانية، أو ألقاك في بعض الجزائر الخراب عدمت القوت فمُتَّ، أو كسر مركبك كنت رزقًا للتماسيح، والسلامة أعزُّ من الكبريت الأحمر. ٩١-كم تُعاهد ثم تَغدر، وما تترك ذنبًا حين تَقدر.
٩٢-كيف يزاحمُ الأبطال بطّال؟! ٩٣- أين أنت والأحباب؟! أين القشور من اللباب؟! قبيحٌ أن تدخل ميدان السّباق بحمارٍ أعرج.
٩٤- ويحك، معاناة الصبر على الحِمية أيَّامًا خير من مقاساة العذاب سنين. ٩٥- علقَ شرَكُ الهوى بجناحك فكسره، فإن تحركتَ فحركة مُقعدٍ، واختلاج مذبوح، ويحكم إن المنقطع في البادية أُكلةٌ للسِّباع. ٩٦- التوبة الصادقة تقلع آثار الذنوب بماء الإقرار. ٩٧- اسلُك جادَّة الجدِّ تصل ﴿ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ ﴾ [ص: 26]. ٩٨- ما دمت تمشي في حنادِس غفلتك، وظلمات هواك من غير مصباح تقوى، ما تقع على الجادّة. 99- سيف العزيمة إذا ضرب قطَّ، وما نبا[10] عن مضروب قطُّ. ١٠٠-كم مبارز بالذنوب صُرع؟ كم مسالب للخطايا سُلب؟ عزَّه ما سره، فأوقد مصباح أمله في ديار غفلته ﴿ فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ ﴾ [البقرة: 17]. ١٠١- ما نال أحدٌ لذّةً [11] إلا ونالته ذِلَّة.
......
ولن تُكرم النفسُ التي لا تُهِينُها.
١٠٢- يا هذا، لقد أُودِعْتَ قارورة تعلق قلبك بتسليمها سليمة ، والويل لك إن انكسرت في يديك. ١٠٣- يا هذا، قلبك يحثك على التوبة، وهواك يمنع، والحرب بينهما قائمة، ويحك، استعن بالفكر في العواقب، وقد غُلبَ الهوى. ١٠٤- يا دائمًا على الخطايا والعصيان، متى يُقال: تاب فلان؟! ١٠٥- ويح المستكثرين من الخطايا ﴿ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ ﴾ [المطففين: 4]، ما كفهم نزول خيم المعاصي حتى ضربوا سرادقات الإصرار، كم رأوا مذنبًا يسرح في ميدان بيداء غفلته، ويمرح في خيلاء بطالته، إذا كفُّ الاختلاس قد جذبه إلى حفرته، فسَل به في سَلبه كيف حاله مع ذنبه؟! يتمنى لو رُدّ، ومن المُنى ألف بُدٍّ ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [آل عمران: 13]. ١٠٦- الأولياء في حَرَمِ التقوى ﴿ وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ ﴾ [العنكبوت: 67]. ١٠٧- كان عبد الله بن رواحة يبكي، فتقول له زوجته: كم تبكي، فيقول: أُنبئتُ أني وارد ولم أنبأ أني صادر. ١٠٨- كم تُعاتَب ولا ترعوي؟! كم تُقَوّم ولا تستوي؟! تتعلل بالتّوفيق ولا تُحرك قدمًا في طريق. ١٠٩- أين يقينك بالملكين، وأنت تملأ الصحف بقبيح ما تُملي؟! *قال سفيان الثوري: لو كان معكم من يرفع الحديث إلى السلطان، أكنتم تتكلمون بشيء؟! قالوا: لا.
قال: فإن معكم من يرفع الحديث إلى الله.
١١٠-كيف يَطلب الآخرة مَن قلبه متعلق بحب الدنيا؟! أيُسلّم مفتاحُ دارٍ إلى مَن قد أسلف في أخرى؟! ١١١- ويحك، احتلْ لما ينفعك في الأخرى مثل احتيالك في طلب الدنيا، ولو قوي فهمك لمقصود الإيجاد ما غفلت لحظة. ١١٢- من فهم علم التوحيد تجرّد للواحد بقطع العلائق، وترك العُلق، أما ترى كلمتي الشهادة مجرّدة عن النقط؟! ١١٣- شمسُ المعرفة تقع على معادن القلوب، فتعمل فيها على مقدار جوهرها، ليس معدن الياقوت كمعدن الجصّ[12]. ١١٤- لا تلوموا مضروبًا في أنينِه، فإن؛ سياط الوَجْد تقع على نِياط القُلوب. ١١٥- سبحان مَن أرق نسيم الأسحار، ليرفق بأجساد المحبين، يكفي ما يجري عليهم طول الليل. ١١٦- ويحك، كيف تفلح وأنت تنزعج إذا رآك مخلوق على معصية، ولا تُبالي بنظر الخالق؟! ١١٧- ويحك، انتبه لنفسك قبل أن تُسلب.
١١٨- يا معاشر التجار، بيعوا ما يفنى بشيءٍ ما له من نفاد، حلالُ الدنيا حساب، وحرامُها عقاب. ١١٩- إذا لاحت أعلام التقى، لم يبق منزل دون منزل. ١٢٠- إذا تيقنْتَ أنهم سفرٌ في طريق الوصال، فلا تتخلف عن القوم، إذا رأيت قُلُب قلوبهم تنزح بغروب الدموع فوافقهم ولو في قطرة، الزِق ما دام التنور حارًّا، اشوِ في الحريق سمكتك. ١٢١- الهوى سبُعٌ ضار، والغضبُ أسدٌ لجوج. ١٢٢- يا جنود الصبر اثبتوا ﴿ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ ﴾ [الأنفال: 65] تذكروا عزة الإقدام، واحذروا هتيكة الهزيمة، إذا غلبكم عطش الهوى في نهار الشهوات، فعللوا الصائم بالسباحة، إن أثر تعب الجد في سوق[13] العزم فاستريحوا إلى ظل رخصةٍ. ١٢٣- أليس فيما رأيت معتبرُ؟! أليس فيما سمعت مزدجر؟! بلى ولكن قساوة غلبت، والقلب منها كأنه حجر!


[1] الذَّنُوب: الدَّلْو العظيمة. [2] الزَّمِن:المرض الدائم زمانًا طويلاً. [3] خَلَقَ الثوبُ: أي بَلِيَ. [4] وُضعَ على المِحكِّ: وُضِعَ على سبيل الاختبار والتجربة. [5] البهرج: المزيّف أو الباطل. [6] عبَّادان: أرض العبَّاد، أو محل إقامة العبَّاد، وهي مدينة تقع على جزيرة بدولة إيران حاليًا، وسميت بهذا الاسم؛ لأن أهل هذه البقعة كان زهادًا وعبّادًا. [7] يتحارَّان، من الحوير، أي عداوة ومضادة. [8] الجيدُ: العنق. [9] أنجع: أنفع وأفلح. [10] نبا السيف عن المضروب: لم يُصبْه. [11] أي لذّة مُحرّمة. [12] الجصّ: من مواد البناء، تُطلى به البيوت. [13] جمع ساقٍ.



شارك الخبر

المرئيات-١