أرشيف المقالات

كيفية مجاهدة النفس

مدة قراءة المادة : 13 دقائق .
2كيفية مجاهدة النفس
المال من أعظم محبوبات النفس؛ فمن قدَّم محبوب الله على ما يجب، فأعطى من ماله للمحتاجين، ونَصَر الدين، وفَّقه الله تعالى لأعمال صالحة وأخلاق فاضلة، لا تحصل له بدون ذلك، وهيَّأ الله له من أسباب التيسير ما لا يخطر على باله؛ قال تعالى: ﴿ فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى ﴾ [الليل: 5 - 7]، وقال تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾ [آل عمران: 92]. وقد فقِه الصحابة هذا التوجيه الرباني، فتنازلوا عما يحبون لله، فكان الواحد منهم إذا زاد حبه لشيءٍ، بذله لله رجاء نيل هذا البر، فها هو أبو طلحة رضي الله عنه: كان أكثر الأنصار مالًا بالمدينة، وكان أحب ماله إليه بيرحاء، فلما نزل قول الله تعالى: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾، قام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾، وإن أحب مالي إليّ بيرحاء، وإنها صدقة لله أرجوا برَّها وزُخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله...."؛ (رواه البخاري).   زيد بن حارثة: لَمَّا نزلت هذه الآية قال: (اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلي من فرسي هذه"، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: هذه في سبيل الله، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (قد قبِلها الله منك)[1].
وقال عبدالله بن عمر رضي الله عنه: تلوت هذه الآية: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾، فذكرت ما أعطاني الله، فما وجدت شيئًا أحب إلي من جاريتي رضيَّة، فقلت: هي حرة لوجه الله، وعلى هذا الدرب سار كثير من سلف الأمة وصالحيها[2]. الربيع بن خثيم كان إذا جاءه السائل يقول لأُمِّ ولدِه: أَعْطِي السائل سكرًا؛ فإن الربيع يحب السكر! قال سفيان: يتأول قول الله عز وجل: ﴿ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ﴾[3].   أجود الناس: عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان جبريل عليه السلام يلقاه في كل ليلة من رمضان، فيدارسه القرآن، فَلَرسولُ الله أجود بالخير من الريح المرسلة)؛ (متفق عليه). عن موسى بن أنس عن أبيه قال: (ما سُئل رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئًا إلا أعطاه، قال: فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا فإن محمدًا يعطي عطاء مَن لا يخشى الفقر)؛ (رواه مسلم). وقال صلى الله عليه وسلم: "لو كان لي مثل أُحُدٍ ذهبًا، ما يسرُّني ألا يمر عليَّ ثلاث وعندي منه شيء إلا شيء أُرْصِده لدَيْنٍ)؛ (رواه البخاري).   كيف يجاهد الإنسان نفسه على البذل والعطاء؟ 1- أن يعلم الإنسان أن المال مال الله، وقد استخلف عباده فيه؛ ليرى كيف يعملون، ثم هو سائلهم عنه إذا قدموا بين يديه: من أين جمعوه؟ وفيمَ أنفقوه؟ فمن جمعه من حِله وأحسن الاستخلاف فيه، فصرَفه في طاعة الله ومرضاته، أُثيب على حسن تصرُّفه، وكان ذلك من أسباب سعادته، ومن جمعه من حرام، أو مما فيه شُبهة، أو أساء الاستخلاف فيه، فصرفه فيما لا يحل، عُوقِب وكان ذلك من أسباب شقاوته، وفي الحديث القدسي: (إنا أنزلنا المال لإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، ولو كان لابن آدم وادٍ لأحب أن يكون له ثانٍ، ولو كان له واديان لابتغى واديًا ثالثًا، ولا يَملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على مَن تاب)؛ (أخرجه أحمد والطبراني، وصححه الألباني في صحيح الجامع). 2- أن يعلم الإنسان أن البذل والعطاء إنما يبارك المال ويزيد الرزق؛ قال تعالى: ﴿ وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ ﴾ [سبأ: 39]. وفي الحديث القدسي: (يا ابن آدم، أَنْفِق يُنْفَقْ عليك)؛ (رواه مسلم). وقال صلى الله عليه وسلم: (ما فتح عبد باب عطيَّة - صدقة أو صلة - إلا زاده الله بها كثرة)؛ (رواه البيهقي وصححه الألباني في صحيح الجامع). 3- أن يعلم الإنسان أن البذل والعطاء وقاية من النيران وسبيل لدخول الجنان؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: (يا عائشة، استتري من النار ولو بشِق تمرة)؛ (صحيح الترغيب والترهيب). (1) مجاهدة النفس على الانشعال بعيوبها عن عيوب غيرها: لأن الإنسان لو أبصر عيوب نفسه، لشغله ذلك عن عيوب الناس. ولأن الإنسان مطالب بإصلاح نفسه أولًا، وسيُسأل عنها قبل غيرها؛ كما قال تعالى: ﴿ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ﴾ [يونس: 108]، وقال تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ﴾ [المدثر: 38]. والْمرءُ إن كان عاقلًا وَرِعًا يَشْغَلُهُ عن عيوبِهم وَرَعُهْ كما العليلُ السَّقيمُ يَشْغَلُهُ عن وَجَعِ الناس كُلِّهِمْ وَجَعُهْ ولأن مَن تتبَّع عورة الناس تتبَّع الله عورته، ومَن تتبع الله عورته فضَحه ولو في قَعْر بيته. ولأن الانشغال بعيوب الناس علامة على أن المنشغل مَحشوٌّ بالعيوب؛ يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يُبصر أحدكم القذى في عين جاره، ويَنسى الجِزْعَ في عينه)؛ (رواه ابن حِبان، وصححه الألباني في الصحيحة).   مَثَلٌ ضرَبه النبي صلى الله عليه وسلم لقوم انشغلوا بعيوب غيرهم عن عيوبهم، اهتموا وبحثوا عن أخطاء غيرهم عن أخطائهم، لدرجة أن أحدهم يرى القذى في عين أخيه، ولا يرى الجزع في عينه، وإن المدقق في عيوب الآخرين الأعمى عن عيوب نفسه، لهو أنقص من غيره؛ إذ لو كان أكمل من غيره، لاشتغل بعيوب نفسه، فأصلحها وسدَّ عن نفسه بابًا مفتوحًا يوصل إلى عذاب القبر، وهو باب الغيبة. وقد سمع أعرابي رجلًا يقع في الناس، فقال له: "قد استدللت على عيوبك بكثرة ذِكرك عيوبَ الناس؛ لأن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها)[4]. وعن محمد بن سيرين رحمه الله قال: "كنا نُحدث أن أكثر الناس خطايا أفرغُهم لذكر خطايا الناس"[5]. وقال عاصم النبيل: "لا يذكر الناس فيما يكرهون إلا سَفِلةٌ لا دِينَ لهم"[6]. قيل للربيع بن خثيم: ما نراك تغتاب الناس؟ قال: لست عن حالي راضيًا، حتى أتفرغ لذم الناس، وأنشد يقول: لِنَفْسِيَ أَبْكِي لَسْتُ أَبْكِيَ غَيْرَها ♦♦♦ لِنَفْسِي فَفي نَفْسي عنِ النَّاس شاغلُ([7] وفي الحِلية عن يحيى بن آدم، قال: سمعت شريكًا يقول: سألت إبراهيم بن آدهم عما كان بين علي ومعاوية، فبكى، فندِمت على سؤالي إياه، فرفع رأسه، فقال: "إن مَن عرَف نفسه اشتغَل بنفسه، ومن عرف ربه اشتغل بربه عن غيره"[8].   بصيرة: اعلم أيها الأخ الحبيب أن الله تعالى إذا أراد بعبده خيرًا، بَصَّره بعيوب نفسه، فمن كانت بصيرته نافذة لم تَخْفَ عليه عيوبه، فإذا عرَف العيوب انشغل بها، وأمكنه علاجها، ولكنَّ أكثر الخلق جاهلون عيوبَ أنفسهم.   كيف يعرف الإنسان عيوب نفسه؟ قال تعالى: ﴿ بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ﴾ [القيامة: 14]. 1- أن يجلس بين يدي شيخ بصير بعيوب النفس، مطلع على خفايا الآفات، فيُحكمه في نفسه، ويتَّبع إشارته في مجاهدته، وهذا شأن طالب العلم مع شيخه، والتلميذ مع أستاذه، فيُعرفه أستاذه وشيخه عيوبَ نفسه، وطُرق علاجها، وهذا قد عزَّ في هذا الزمان وجودُه. 2- أن يطلب صديقًا صدوقًا بصيرًا متدينًا، فيُنصِّبه رقيبًا على نفسه؛ ليلاحظ أقواله وأحواله وأفعاله، فما كرِه من أخلاقه وأفعاله، وعيوبه الظاهرة والباطنة، نبَّهه عليها، وهكذا كان يفعل الأكابر من أئمة الدين. كان عمر رضي الله عنه يقول: "رَحِمَ الله امْرأً أهدى إليّ عيوبي"[9]. وكان يسأل سلمان عن عيوبه، ويقول: ما الذي بلغك عني مما تكرهه؟[10]. وكان يسأل حذيفة ويقول له: أنت صاحب سرِّ رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنافقين، فهل ترى عليّ شيئًا من آثار النفاق؟ [11]، (وهو خيرٌ منهما).   وانقلبت الموازين: أصبح أبغض الخلق إلينا مَن ينصحنا ويُبصرنا بعيوبنا؛ إذ يُتَّهَمُ بالحسد والتدخل فيما لا يَعنيه، وذلك يكاد يكون مفصحًا عن ضَعف الإيمان، فإن الأخلاق السيئة حيَّات وعقارب لدَّاغة، فلو نبَّهنا مُنبهٌ على أن تحت ثوبنا عقربًا، لتقلَّدنا منه مِنَّةً وفرِحنا به، واشتغلنا بإزالة العقرب وإبعادها وقتْلها، وإنما نكايتها على البدن يدوم ألَمُها يومًا فما دونه، ونكاية الأخلاق الرديئة على صميم القلب أخشى أن تدوم بعد الموت أبدًا. ثم إننا لا نفرح بمن يُنبهنا عليها، ولا ننشغل بإزالتها، بل نشتغل بمقابلة الناصح بمثل مقالته، فنقول له: وأنت تصنع كَيْتَ وكَيْتَ، وتشغلنا العداوة معه عن الانتفاع بنُصحه، ويشبه أن يكون ذلك من قساوة القلب التي أثمرتها كثرة الذنوب، وأصل كل ذلك ضَعف الإيمان. 3- أن يستفيد معرفة عيوب نفسه من ألسن أعدائه، فإن عين السخط تُبدي المساوي. 4- أن يخالط الناس، فكل ما رآه مذمومًا فيما بين الخلق، فيَجتنبه بعد أن يَنسبه إليه، فإن المؤمن مرآة المؤمن، فيرى من عيوب غيره عيوبَ نفسه. قيل لعيسى عليه السلام: مَن أدَّبَك؟ قال: ما أدَّبني أحدٌ! رأيتُ جهل الجاهل شَينًا، فاجْتَنَبْتُه[12].


[1] تفسير الطبري ج6 ص592. [2] الحاكم في المستدرك، تاريخ الإسلام الذهبي ج5 ص460، لمحات عابرة من حياة العباد ص38؛ بدوي مطر. [3] فيض القدير؛ المناوي ج4 ص291. [4] بهجة المجاس؛ ابن عبدالبر ج2 ص162. [5] الصمت؛ ابن أبي الدنيا :104 [6] الجزاء من جنس العمل ج2 ص290؛ نقلاً عن بهجة المجالس. [7] مجموعة البحوث والمقالات العلمية، على نايف الحود ص11. [8] الحلية؛ لأبي نعيم رقم 11212. [9] إحياء علوم الدين ج3 ص64. [10] المصدر السابق. [11] المصدر السابق. [12] أدب الدنيا والدين؛ المارودي ص284، الآداب الشرعية؛ لابن مفلح ج3 ص524.



شارك الخبر

المرئيات-١