أرشيف المقالات

ما لا يراه الشاطبي شرطا للاجتهاد (2)

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
2ما لا يراه الشَّاطبي شرطًا للاجتهاد (2) (العدالة)
العدالة: لغة مأخوذة من العدل، وأصل الكلمة "عدل" يدل على أصلين متقابلين: أحدهما: يدل على استواء؛ كقولهم: العدل من الناس: المَرْضيُّ المستوي الطريقة، ومنه: فلان عدل؛ أي: مقتصد في أموره، وأيضًا العدل ضد الجور، وعدلت الشيء؛ أي: سويته وأقمته. والثاني: يدل على اعوجاج، ومنه: عدل عن الطريق؛ أي: مال عنه وانصرف، وانعدل؛ أي: انعوج[1]. وأما العدالة في الاصطلاح فاختلفت ألفاظ الأصوليين في تعريفها، وأفضل ما عرفت به العدالة ما عرفها به جملة من الأصوليين والمحدثين من أنها: ملكة تحمل على ملازمة التقوى والمروءة[2].   وبعد تعريف العدالة، فهل هي شرط لا يصح الاجتهاد بدونه أو لا؟، هذا ما سنوضحه بدءًا بذكر رأي الشَّاطبي في المسألة.   رأي الشَّاطبي: يرى الشَّاطبي أن العدالة لا تشترط للاجتهاد، وإن كانت تشترط للفتوى والاعتماد على قوله، وبين هذا بقوله عن المفتي: "فإن كانت مخالفته ظاهرة قادحة في عدالته، فلا يصح إلزامه؛ إذ من شرط قبول القول والعمل به صدقه، وغير العدل لا يوثق به، وإن كانت فتواه جارية على مقتضى الأدلة في نفس الأمر"[3]. فالمجتهد إن كان غير عدل، فقد يوافق اجتهاده مقتضى الأدلة، فيصيب الحق في نفس الأمر، ولكن ذلك لا يضفي القبول على فتواه؛ ولذا فإن الشَّاطبي يرى أن غير العدل قد يكون عالمًا، ولكنه حينئذ ليس أهلًا للقيام بالمصالح العامة؛ كالفتوى والقضاء ونحو ذلك، بل ذلك سبب داعٍ لعزله، فلا يصح إقامته لتلك المصالح وهو على هذه الحالة. وما ذهب إليه الشَّاطبي وافقه عليه جمهورُ الأصوليين[4]. ورأى بعض الأصوليين اشتراط العدالة في الاجتهاد[5].   ولعل الأظهر أن الخلاف لم يتوارد على محل واحد؛ لأن مَن اشترط العدالة لا ينكر أن يكون في الفاسق قوة الاجتهاد، وإنما اشترطها لاعتماد قوله، فإذا هم لا ينكرون صحة الاجتهاد وثبوته في نفسه، وهذا ما حمل الجمهورَ على تفصيل القول في ذلك[6]. ومما يؤكد ما ذكر أن السمعاني جعل العدالة شرطًا في الاجتهاد، ثم قال: "وليس يعتبر في صحة الاجتهاد...
أن يكون عدلًا"، ثم أكد أن العدالة شرط للحكم والفتوى[7]. فظهَر أن مراده باشتراطه لا لصحة الاجتهاد ووقوعه، وإنما ليعتمد قوله ويقبل عنه، وليلزم المقلد العمل به، ويؤيد هذا ما نقل من اتفاق العلماء على أن الفاسق يعمل باجتهاد نفسه[8]، وعلى هذا فهم إذًا متفقون على وقوع الاجتهاد منه.


[1] انظر: معجم مقاييس اللغة (4/ 246) أساس البلاغة (295) المصباح المنير (396) كلها مادة: "عدل". [2] انظر: نزهة النظر (83) التحرير مع التقرير والتحبير (2/ 242) فتح المغيث (1/ 15، 2/ 3) توضيح الأفكار (2/ 118) فواتح الرحموت (2/ 143)، وانظر تعريفات أخرى للعدالة في: أصول السرخسي (1/ 350 - 351) كنز الوصول مع كشف الأسرار (2/ 740 - 742) الغنية (122 - 123) المستصفى (1/ 157) بذل النظر (431) الإحكام (2/ 76 - 77) تنقيح الفصول مع شرحه (361) مختصر المنتهى مع شرح العضد (2/ 63) شرح حدود ابن عرفة (2/ 588) صفة الفتوى (13) شرح التلويح (2/ 12) تقريب الوصول (291) البحر المحيط (3/ 273) التعريفات (191) غاية الوصول (99). [3] الموافقات (5/ 274 - 275). [4] انظر: الفصول في الأصول (4/ 274) الحاوي (16/ 119) الإحكام لابن حزم (2/ 120) العدة (5/ 1595) الواضح (1/ 394) الفقيه والمتفقه (2/ 330) بذل النظر (692) المستصفى (2/ 350) روضة الناظر (2/ 364) أدب الفتوى (35، 56) نفائس الأصول (9/ 3839) المسودة (555) صفة الفتوى (29) شرح مختصر الروضة (3/ 588) قواعد الأصول (101) شرح جمع الجوامع مع الآيات البينات (4/ 342) التحرير مع التقرير والتحبير (3/ 294) شرح الكوكب المنير (4/ 545) غاية الوصول (148) تيسير التحرير (4/ 183) فواتح الرحموت (2/ 364) قمر الأقمار (2/ 155). [5] انظر: رسالة في أصول الفقه (127) اللمع (127) شرح اللمع (2/ 1035) البرهان (2/ 871) التلخيص (3/ 460) قواطع الأدلة (2/ 306) إحكام الفصول (2/ 728) الإشارة (328) التمهيد (4/ 392) شرح جمع الجوامع مع الآيات البينات (4/ 342) الإبهاج (3/ 257) تقريب الوصول (427) غاية الوصول (148). [6] انظر: غاية الوصول (148) حاشية البناني مع شرح المحلي (2/ 594) نشر البنود (2/ 315). [7] قواطع الأدلة (2/ 306)، وعنه البحر المحيط (6/ 204). [8] انظر: غاية الوصول (148).



شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢