أرشيف المقالات

النظر في المآلات

مدة قراءة المادة : 41 دقائق .
2النظر في المآلات
لا يخفى أنه ليس من السهولة بمكان تحصيل درجة الاجتهاد في الشريعة، بل لا بد لتحصيلها من الجد والاجتهاد في تحصيل شروطها اللازمة، وإن لتلك الشروط واجبات متممة لعملية الاجتهاد، وهي واجبات يجب على المجتهد مراعاتها؛ لتكمل عملية اجتهاده، ولينقح مناط نظره، وليكون المجتهد متعمقًا في استنباط الأحكام الشرعية.   وقد شارك الشَّاطبي من خلال تصريحاته وإشاراته في هذا المجال بمشاركة متميزة؛ حيث تعرض لجملة من الواجبات التي يجب على المجتهد ملاحظتها والاعتناء بها أثناء قيامه بعملية الاجتهاد، وتميُّز الشَّاطبي في هذا المجال يتبين من خلال أمرين: أحدهما: تميزه في التصريح ببعض الواجبات على المجتهد، التي لا يتعرض لها أكثر الأصوليين في مباحث الاجتهاد صراحة. وثانيهما: أن الشَّاطبي قد تميز في طَرْقه لبعض تلك الواجبات؛ حيث تحدث عنها وفصَّل فيها بما لا تجده عند غيره.   النظر في المآلات: المآلات جمع مآل، وأصل الكلمة آل الشيء يؤول أوْلًا ومآلًا، بمعنى رجع، والموئِل المرجع، والإيال كوزن كتاب اسم منه، يقال: أوَّل الحكم إلى أهله؛ أي: أرجعه ورده إليهم؛ قال الأعشى: أُؤوِّل الحكم إلى أهله[1] واستعمل هذا المعنى في المعاني، فقيل: آل الأمر إلى كذا[2].   والمراد بالمآلات هنا ما يترتب على الفعل بعد وقوعه، والمراد بالنظر في المآلات: ملاحظة ما يرجع إليه الفعل بعد وقوعه، وما يترتب عليه، وآثاره الناتجة منه، فيأخذ الفعل بهذا النظر حكمًا يتفق مع ما يرجع إليه ويؤول إليه ذلك الفعل، سواء قصده الفاعل أم لا[3].   رأي الشَّاطبي: النظر في المآلات من متممات النظر المقاصدي لأحكام الشرع؛ ولذا كان النظر في المآلات من أهم أعمال المجتهد، بل عبر عنه الشَّاطبي بأنه: "مجال للمجتهد صعب المورد، إلا أنه عَذْب المذاق، محمود الغِبِّ[4]، جارٍ على مقاصد الشريعة"[5].   فإذًا النظر في مآلات الأفعال معتبَرٌ ومقصود شرعًا، سواء كانت هذه الأفعال مأذونًا فيها شرعًا أو منهيًّا عنها، فعلى المجتهد قبْل الحكم على فعل من أفعال المكلفين أن ينظر إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل؛ فقد يرى أن الفعل مشروع لمصلحة فيه، أو ممنوع منه لمفسدة فيه، ولكن له مآل على خلاف ذلك؛ فإطلاق القول في الأول بالمشروعية دون نظر إلى مآله، وفي الثاني بالمنع دون نظر إلى مآله تعجل لا ثمرة له؛ إذ قد يؤدي الفعل الأول إلى مفسدة مساوية، أو زائدة على المصلحة التي رُئِيت فيه في بادئ الأمر، وكذلك الفعل الآخر فقد يؤدي إلى دفع مفسدة مساوية أو زائدة[6]، "والشريعة مبنية على الاجتهاد، والأخذ بالحزم، والتحرر مما عسى أن يكون طريقًا إلى مفسدة"[7]. ولذا؛ كان النظر في المآل أصلًا من أصول الشريعة.   وعلى المجتهد أن ينظر للمآل في كل مسألة تعرض له، حتى فيما يُلقي من العلم أو يدَع، وهذا هو الشَّاطبي يحدثنا عن كيفية النظر إلى المآل في هذه الحالة، فيقول: "وضابطه أنك تعرض مسألتك على الشريعة، فإن صحت في ميزانها فانظر في مآلها بالنسبة إلى حال الزمان وأهله، فإن لم يؤدِّ ذكرها إلى مفسدة فاعرضها في ذهنك على العقول، فإن قبلتها فلك أن تتكلم فيها، إما على العموم إن كانت مما تقبلها العقول على العموم، وإما على الخصوص إن كانت غيرَ لائقة بالعموم، وإن لم يكن لمسألتك هذا المساغ، فالسكوت عنها هو الجاري على وفق المصلحة الشرعية والعقلية"[8].   وليس النظر في المآل من صفة كل عالم أو متعلم، بل هو صفة خاصة لا تتحصل إلا للعالم الراسخ في العلم، وهو العالم الرباني الحكيم، فذلك بحقٍّ من خصائصه المتعلقة به.   قال الشَّاطبي في خصائص المجتهد الراسخ في العلم: "والثاني: أنه ناظر في المآلات قبل الجواب على السؤالات"[9]. ولذا أشار الشَّاطبي إلى أن تحقيق المناط الشخصي الخاص له تعلق مؤكد بالنظر في المآلات؛ لأن العمل قد يكون مشروعًا، لكن ينهى عنه الشخص المعين؛ لِما قد يترتب عليه من مفسدة في حقه، أو يكون ممنوعًا، لكن لا ينهى عنه؛ لِما يترتب على فعله من مصلحة[10].   وقد عمِل العلماء - كما يرى الشَّاطبي - بهذا الأصل؛ فمالك عوَّل عليه في سد الذرائع، ومنع الحيل، ومراعاة الخلاف، والقول بالاستحسان، كما عمل بهذه القاعدة حينما أفتى المنصور حين استشاره أن يهدم البيت، ثم يبنيه على قواعد إبراهيم - عليه السلام - فقال له مالك: "لا تفعل؛ لئلا يتلاعب الناس ببيت الله"، فصرفه عن رأيه سدًّا لمآل فاسد، وهو أن يتخذ التلاعب بالبيت سنَّة تابعة لاجتهادات الحكام وآرائهم فلا يستقر على حال[11].   وقد تبع مالكًا أصحابه في أخذهم بتلك القواعد، كما أن غيره من العلماء قد أخذوا بقاعدة: رفع الحرج، والأخذ بالرُّخَص، وهي راجعة إلى هذا الأصل، كما أن من خالف في بعض القواعد المندرجة تحت هذا الأصل، كالاستحسان، وسد الذرائع، ومنع الحيل، ومراعاة الخلاف- إنما هو موافق للقائل بها - في رأي الشَّاطبي - ولكنه مخالف له في إلحاق الفروع بها، وإلا فهو قائل بهذا الأصل أيضًا. ولأهمية هذا الأصل وخطره في الدين، فإنه ينبني عليه قواعدُ لا بد أن تكون مراعاة مِن قِبل المجتهد[12].   ومن تلك القواعد: أولًا: قاعدة رفع الحرج؛ فإن مبنى هذه القاعدة في غالبها على هذا الأصل؛ لأنها في الغالب إباحة لعمل ممنوع في أصله؛ لِما يؤول إليه من الرفق المشروع[13].   ويندرج في ذلك جميع ما رخص الشارع فيه، فإنه راجع إلى قاعدة رفع الحرج؛ لأن حقيقة هذه الرُّخَص راجعة إلى اعتبار المآل في تحصيل المصالح أو درء المفاسد على الخصوص، حيث كان الدليل العام يقتضي المنع، ولو بقي عليه لكان في ذلك حرجٌ ومشقة[14].   ثانيًا: قاعدة سد الذرائع، وهي راجعة إلى هذا الأصل؛ لأنها في حقيقة الأمر تذرُّع بفعل جائز إلى عمل غير جائز، أو توسُّل بما هو مصلحة إلى مفسدة، وسواء من عمل بهذه القاعدة أو من منعها فإنهم كلهم عاملون بأصل النظر في المآل؛ فهم متفقون على أنه لا يجوز سبُّ الأصنام؛ لأن ذلك سببٌ لسبِّ الله؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [الأنعام: 108].   إلى غير ذلك مما هو راجع في أصله إلى هذه القاعدة، وإن اختلفوا في بعض المسائل الفروعية إلا أن لكل منهم نظرة خاصة في مآلات هذه المسائل المختلف فيها؛ ولذا فإن الشَّاطبي يرى أن الاتفاق على هذه القاعدة حاصل في الجملة، وإنما اختلفوا في إلحاق الجزئيات بتلك القاعدة؛ أي: ما يسمى بتحقيق المناط[15].   ثالثًا: قاعدة الحيل؛ فهي أيضًا راجعة إلى الأصل المذكور؛ لأن الحيل عمَل ظاهره الجواز لإبطال حكم شرعي وتحويله في الظاهر إلى حكم آخر، ومآل هذه الحيل خرم قواعد الشريعة وإبطال أحكامها، ولما كان هذا هو مآلها منع منها.   ومن منع من الحيل أو أجازها، كلهم متفقون في الحقيقة على اعتبار المآل؛ ولذلك اتفقوا على تحريم القصد بالإيمان والصلاة وغيرها من العبادات إلى مجرد إحراز النفس والمال؛ كالمنافقين والمرائين ونحوهم، فالتحيُّل عندهم لإبطال الأحكام الشرعية ممنوع منه في الجملة؛ نظرًا لمآله، ولكنهم اختلفوا في الصور الملحقة بهذه القاعدة، فتوسَّع بعضهم في الإلحاق، وتساهل بعضهم في عدم الإلحاق، ومن هنا ظن خلافه في أصل القاعدة، وليس الأمر كذلك[16].   رابعًا: قاعدة مراعاة الخلاف؛ وهذه القاعدة راجعة إلى هذا الأصل، وبيان ذلك أن مَن واقَع ممنوعًا شرعًا، فلا تكونُ مواقعته للممنوع سببًا في ظلمه والحيف عليه بزائد على ما شرع له من الزواجر أو غيرها.   ومن واقع منهيًّا عنه فإنه قد يكون فيما يترتب عليه من الأحكام ما هو زائد على المشروع في حقه تبعًا لا أصالة، أو مؤدٍّ إلى أمر أشد عليه من مقتضى النهي، فيترك هذا المرتكب للنهي وما فعل، كما ترك النبي صلى الله عليه وسلم البائل في المسجد حتى أتم بوله[17]، أو نجيز له ما وقع فيه من الفساد على وجه يليق بالعدل؛ نظرًا لأنه صادف فيه دليلًا على الجملة، وإن كان مرجوحًا فهو راجح بالنسبة إلى إبقاء الحالة على ما وقعت عليه؛ لأن ذلك أولى من إزالتها مع ارتكاب ضرر على المكلف أشد من مواقعته للمنهي عنه.   وعلى هذا فالمنهي عنه كان دليل النهي عنه أقوى قبل وقوع المكلف فيه، ودليل الجواز أقوى بعد الوقوع لما ارتبط به من القرائن المرجحة، كما في حديث ترك هدم البيت وبنائه على أسس إبراهيم - عليه السلام؛ لأن قريشًا كانوا حديثي عهد بإسلام[18]، وكما ترك النبي صلى الله عليه وسلم قتل المنافقين؛ حتى لا يقول الناس: إنه يقتل أصحابه[19].   فترجَّح حينئذ جانب الترك مع وقوع المنهي عنه؛ لِما فيه من المصلحة العظمى، مع أن مواقعة المنهي عنه مفسدة، إلا أنه عُفِيَ عنه لقاء النظر إلى المآل[20].   خامسًا: قاعدة الاستحسان؛ فهي أيضًا مبنية على هذه القاعدة، والاستحسان راجع إلى الأخذ بمصلحة جزئية في مقابل دليل كلي، وإنما أخذ بالمصلحة؛ لأن ترك الأخذ بها هنا يؤدي إلى فوت مصلحة أو جلب مفسدة، وإجراء الدليل الكلي مُفْضٍ إلى الحرج والمشقة، فأبيح الأخذ بالجزئي؛ لِما فيه من التوسعة كإباحة القرض مع أن أصله ربًا؛ لأنه درهم بدرهم إلى أجل، ولو منع منه لكان في ذلك حرج وضيق[21].   سادسًا: ومما يبنى على هذه الأصل قاعدة مهمة، وهي: أن الأمور الضرورية أو غيرها من الحاجية أو التكميلية[22] إذا اكتنفها من خارج أمور لا ترضي شرعًا، فإن الإقدام على جلب المصالح صحيح على شرط التحفظ بحسب الاستطاعة من غير حرج، وهذا راجع إلى أن مآل هذا الأمر الذي اكتنفته مفاسد راجع إلى المصلحة، وذلك مثل طلب العلم إذا كان في طريقه سماع منكر، فإن ذلك لا يدعو إلى ترك العلم، وإنما ينبغي لطالب العلم أن يتحفَّظ من تلك المنكرات[23].   وبهذا علم مكانة هذا الأصل الجليل، واندراج هذه القواعد فيه، ولأجل ذلك ختم الشَّاطبي مبحثه بقوله: "فاعتبارها لازم في كل حُكم على الإطلاق"[24].   أما الأصوليون: فليس في كلامهم ما هو صريح في وجوب النظر في المآل بالنسبة للمجتهد، ولكن لما أن كان البحث في هذه المسألة نابعًا من البحث في المقاصد وتابعًا له، أمكننا أن نقول: إن مَن اشترط المقاصد مِن لازمه أن يوجب النظر في المآل على المجتهد؛ لأن ذلك من تمام مقاصد الشرع.   ولما أن كانت تلك القواعد نابعة عن هذا الأصل، والعلماء - وإن اختلفت عباراتهم - متفقون على تلك القواعد في الجملة، وآخذون بها، كما قال ابن العربي في بعض تلك القواعد[25]، لزم أن يكون أصل تلك القواعد محلَّ وِفاق.   وقد اشترط مالك أن يكون الناظر في المصلحة مجتهدًا، وما ذلك إلا ليكون "متكيفًا بأخلاق الشريعة، فينبو عقله وطبعُه عما يخالفها"[26]، فلا ينسب لها ما ليس منها، ومن نسب للشريعة مصلحة، وكان مآلها إلى مفسدة كان متقولًا عليها، وقد قال العز بن عبدالسلام: "وكذلك ما نهى عنه من المصالح المستلزمة للمفاسد لم ينهَ عنه لكونها مصالح، بل لما تستلزمه من تلك المفاسد؛ ولذلك ما يؤمر به من المفاسد المستلزمة للمصالح لم يؤمر به لكونها مفاسد، بل لما تستلزمه من تلك المصالح"[27]، وهذا فيه إشارة إلى اعتبار المآل؛ فإن المفسدة قد تؤول إلى مصلحة؛ فالشارع يأمر بها لِما فيها من المصلحة المترقبة، وكذلك العكس.   وقال: "وكذلك قد يخفى ترجيح بعض المصالح على بعض، وترجيح بعض المفاسد على بعض، وقد يخفى مساواة بعض المصالح لبعض، ومساواة بعض المفاسد لبعض، وكذلك يخفى التفاوت بين المفاسد والمصالح، فيجب البحث عن ذلك بطرقه الموصلة إليه والدالة عليه"[28].   ولا شك أن الترجيح بين المفاسد والمصالح قد يرتبط بالأمر الواحد باعتبار الحال والمآل، والعز بن عبدالسلام قد أوجب النظر فيه، وأولى مَن يجب عليه ذلك هو المجتهد.   وقال العز أيضًا: "المصالح ضربان؛ أحدهما: حقيقي، وهو الأفراح واللذات، والثاني: مجازي، وهو أسبابها، وربما كانت أسباب المصالح مفاسد، فيؤمر بها، أو تباح، لا لكونها مفاسد، بل لكونها مؤدية إلى المصالح"، ثم قال: "وكذلك المفاسد ضربان؛ أحدهما: حقيقي، وهو الغموم والآلام، والثاني: مجازي، وهو أسبابها، وربما أسباب المفاسد مصالح، فنهى الشرع عنها، لا لكونها مصالح، بل لأدائها إلى المفاسد[29]، وكلامه هذا واضح في المطلوب.   وقد أشار بعض الأصوليين إلى اعتبار المآل[30] ومن ذلك قول الأصفهاني: "المعلوم من عادة الشرع رعاية الحكم المقصود، فحيث يكون المقصود فائتًا بالكلية، لم يجُزْ إضافة الحكم إليه؛ كيلا يلزم خلاف عادة الشرع"[31].   وقال السهروردي: "وما يعتبر مصلحة توهمًا ألغاها الشرع يوجد فيها مفاسد، وقد تكون مصلحة لا يلتفت إليها الشرع؛ لأن اعتبارها يؤدي إلى رفع مظنة أعلى منها، واختلال حكمة كلية، والمصالح الجزئية لا يلتفت نحوها عند اعتبار الكليات"[32]. وقد تبع بعض المتأخرين الشَّاطبي في إظهار هذا المبحث وإبرازه[33].   وبناءً على ما سبق، فإن الباب لا يخلو من إشارات للأصوليين، غير أنه لا ريب أن الشَّاطبي قد أبدع في هذا المبحث، وأظهر ما كان فيه خفيًّا، فبحثه فيه متميز تميزًا ظاهرًا.   أدلة الشَّاطبي ومن وافقه: استدل الشَّاطبي على وجوب النظر في المآلات بأدلة: الدليل الأول: أن الشريعة جاءت باعتبار مآلات الأفعال والأحكام، دل على ذلك الأدلة الشرعية والاستقراء التام. فمن أدلة الكتاب: قوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 21]. وقوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ﴾ [البقرة: 183]. وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ ﴾ [البقرة: 188]. وقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ ﴾ [الأنعام: 108]. وقوله تعالى: ﴿ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ ﴾ [الأحزاب: 37][34]، وقوله تعالى: ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ﴾ [البقرة: 216]، وقوله تعالى: ﴿ رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ﴾ [النساء: 165]، وقوله تعالى: ﴿ وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ [البقرة: 179]، وقوله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا ﴾ [البقرة: 104].   فهذه الأدلة وغيرها أشارت إلى أهمية اعتبار المآل على الجملة، وإن كانت الآيتانِ الرابعة والأخيرة أقربَ إلى المسألة على جهة الخصوص[35].   ومن السنَّة: قوله صلى الله عليه وسلم حين أشير عليه بقتل المنافقين: ((أخاف أن يتحدَّثَ الناس أن محمدًا يقتُلُ أصحابه))[36]، وكقوله لعائشة: ((لولا أن قومَكِ حديثٌ عهدُهم بكفر، لأسستُ البيت على قواعد إبراهيم))[37]، وكنهيِه الصحابةَ عن زجرِهم الأعرابيَّ الذي بال في المسجد، وقال: ((لا تُزْرِمُوه))[38].   وكأحاديث النهي عن التشديد على النفس في العبادة؛ خوفًا من الملل والسآمة والانقطاع[39]، إلى غير ذلك من الأدلة المثبتة قطعًا للأصل[40].   الدليل الثاني: يمكن أن يستدل على هذا الأصل بالأدلة الدالة على سد الذرائع، والتوسعة، ورفع الحرج؛ لأن سدَّ الذرائع تذرُّع بفِعل جائز إلى عمل غير جائز؛ فالأصل مشروعية الفعل، لكن مآله غير مشروع، ورفع الحرج إذنٌ لعملٍ غير مشروع في الأصل لِما يؤول إليه من الرفق المشروع[41].   الدليل الثالث: الأدلة التي استدل بها على تحقيق المناط الشخصي الخاص يمكن الاستدلال بها على هذا الأصل؛ لأنها راجعة إليه؛ إذ المجتهدُ في هذا النوع من التحقُّق يجتهد في البحث عما يؤول إليه حال الشخص[42].   الدليل الرابع: أن العلماء متفقون على هذا الأصل، قال الشَّاطبي في أثناء بحثه في هذه المسألة: "قال ابن العربي حين أخذ في تقرير هذه المسألة: اختلف الناس بزعمهم فيها، وهي متفق عليها بين العلماء، فافهموها وادخروها"[43].   الدليل الخامس: أن من الثابت بالأدلة القطعية أن التكاليف إنما شرعت لمصالح العباد، وهي إما أن تكون أخروية أو دنيوية؛ فالأخروية راجعة إلى مآل المكلف في الآخرة ليكون من أهل النعيم، وأما الدنيوية فالأعمال مقدمات لنتائج المصالح، فهي أسباب لمسببات مقصودة للشارع، والمسببات هي مآلات الأسباب، واعتبار مالآت الأسباب في جريان الأسباب مطلوب[44]، وهو معنى النظر في المآلات[45].   مناقشته: ذكر الشَّاطبي ما قد يعترض به على الدليل السابق؛ وذلك أن الشَّاطبي قرر أن وضع الأسباب يستلزم قصد الشارع إلى المسببات، وفي موضع قرر أن المسببات لا يلزم الالتفات إليها عند الدخول في الأسباب[46]، فكيف يقرر وجوب الالتفات إلى المسببات مع أنه لا يلزم النظر إلى المسببات عند الدخول في الأسباب، فليس هذا إلا التناقض[47].   جوابه: أجاب الشَّاطبي عن تلك المناقشة بجوابين: الجواب الأول: أن القصد في المسألتين متباين؛ فالثانية وهي أن المسببات لا يلزم الالتفات إليها عند الدخول في الأسباب يراد بها أن المكلف لا يكلف بتحصيل المسببات؛ إذ الشارع لم يقصد التكليف بها عند التكليف بالأسباب؛ وذلك أن المسببات غير مقدورة للعباد، أما الأولى فيراد بها أن الشارع قصد وقوع المسببات عن طريق الأسباب دون إلزامه بالإتيان بها، فليست من خطاب التكليف، وإنما فيها ما يقتضي القصد إلى مجرد الوقوع خاصة، فلا تناقض.   الجواب الثاني: أنه لو فرض توارد القصدين على شيء واحد، لَمَا كان ذلك محالًا؛ لأن كلًّا منهما باعتبار مختلف عن الآخر، كما هو الحال في توارد الأمر والنهي معًا على الصلاة في الدار المغصوبة باعتبارين، وعلى هذا فكل اعتبار أصل قائم بذاته[48].   إذا ثبت هذا، فالنظر في المآل من المسألة التي قرر فيها أن وضع الأسباب يستلزم قصد الشارع إلى المسببات؛ لأنها راجعة إلى المجتهد الناظر في حكم فعل لغيره مع براءته من الحظوظ العاجلة؛ فالمجتهد نائب مناب الشارع، فلزم أن يلتفت إلى المسببات، التي هي مآل السبب كالشارع[49].   مناقشة الجواب: نوقش جوابه من وجهين: الوجه الأول: أن ما ذكره فرقًا فليس هو في الحقيقة جهة للتباين؛ لأنه بناء على أن المسببات لا يلزم الالتفات إليها عند الدخول في الأسباب؛ لأن المسببات لم يقصد الشارع التكليف بها؛ لعدم دخولها في قدرة العبد، وليس كل المسببات كذلك؛ إذ فيها ما هو مقدور عليه، وهذا النوع مقصود تكليف الناس به[50].   الوجه الثاني: أن الوجه الثاني راجع إلى الأول ولازم له، وليس دليلًا مستقلًّا؛ لأن تباين القصدين ناتج من عدم تواردهما على محل واحد[51]. الجواب: يمكن أن يجاب بأن هاتين المناقشتين متوجهتان، ولكنهما لا تعودان على الأصل بالإبطال؛ إذ المناقشة الأولى إنما هي متوجهة على رأي الشَّاطبي في كون جميع المسببات غير داخلة في مقدور العبد[52]، وليس ذلك قادحًا في أصل الدليل.   الدليل السادس: أن مآلات الأفعال لا تخلو من حالين: أولهما: أن تكون معتبرة في الشرع. ثانيهما: ألا تكون معتبرة في الشرع. فإن كانت معتبرة ثبت المطلوب، وإن لم تكن معتبرة احتمل أن تؤدي الأفعال إلى مآلات مضادة لما قصد من تلك الأفعال، وهذا لا يصح؛ لأن التكليف لمصالح العباد، ولا مصلحة يعتد بها مطلقًا مع إمكان وقوع مفسدة توازيها أو تزيد، كما يلزم من ذلك ألا نطلب من فعل مشروع مصلحة، ولا نتوقع درء مفسدة بفعل ممنوع، وهذا خلاف ما وضعت الشريعة لأجله[53].


[1] نسبه للأعشى في معجم مقاييس اللغة (1/ 159). [2] انظر: معجم مقاييس اللغة (1/ 158) المصباح المنير (1/ 29) القاموس المحيط (1244) كلها مادة: "أول". [3] لاحظ أصول الفقه لأبي زهرة (228) نظرية المقاصد عن الشاطبي (381) قاعدة سد الذرائع وأثرها في الفقه الإسلامي (211 - 212). [4] الغِب بكسر الغين: عاقبة الشيء، كالمغبة بالفتح؛ انظر: المصباح المنير (2/ 442) القاموس المحيط (152) مادة: "غب". [5] الموافقات (5/ 178). [6] انظر: الموافقات (4/ 428 - 429، 5/ 177 - 178). [7] الموافقات (3/ 85). [8] الموافقات (5/ 172). [9] الموافقات (5/ 233). [10] انظر: الموافقات (5/ 24 وما بعدها، 181). [11] انظر: الموافقات (4/ 113، 5/ 181)، وقد اختُلف في الخليفة، فساق ابن عساكر في كشف المغطى في فضل الموطأ (54 - 55/ رقم 6 - 7) بالإسناد عن مالك ما يثبت أنه المنصور، وقيل: هو ابنه المهدي، وفي حلية الأولياء (6/ 332) بإسناده إلى مالك أن الرشيد شاوره في أن يعلق الموطأ في الكعبة ويحمل الناس عليه، وانظر: الانتقاء في فضائل الثلاثة الأئمة الفقهاء (40 - 41) ترتيب المدارك (1/ 101 - 102). [12] أطال الشاطبي في تقرير ارتباط هذه القواعد بالنظر في المآل، كما تحدث في مواضع أخرى عن هذه القواعد على جهة الخصوص، وسأقتصر على ما يبين ارتباط هذه القواعد بالأصل المقرر دون إسهاب؛ إذ لا يحتمل هذا البحث الإسهاب في ذلك. [13] انظر: الموافقات (5/ 182)، ولرفع الحرج انظر: الموافقات (1/ 229، 288 - 290، 520 - 521، 540 - 541، 2/ 233، 246، 3/ 421، 526، 4/ 58، 69) للتوسع: رفع الحرج في الشريعة الإسلامية دراسة أصولية تأصيلية للدكتور/ يعقوب الباحسين، رفع الحرج في الشريعة الإسلامية للدكتور/ صالح بن حميد. [14] انظر: الموافقات (5/ 195). [15] انظر: الموافقات (5/ 182 - 185)، وانظر لسد الذرائع: الموافقات (3/ 75 وما بعدها، 509، 528، 564، 4/ 59 وما بعدها، 111، 113، 131، 358، 429) الإحكام لابن حزم (2/ 180) الحدود للباجي (68) إحكام الفصول (2/ 695) الحوادث والبدع (66) أحكام القرآن لابن العربي (2/ 798) شرح تنقيح الفصول (448) الفروق (2/ 32، 3/ 266) أدب الفتوى (65) شرح مختصر الروضة (3/ 214) بيان الدليل على بطلان التحليل (351 وما بعدها) إعلام الموقعين (3/ 108 وما بعدها) إغاثة اللهفان (1/ 398 وما بعدها). [16] انظر: الموافقات (5/ 187 - 188) وانظر للتحيُّل: الموافقات (3/ 106 - 119، 124 - 132، 4/ 221) المغني (6/ 116) إقامة الدليل (56 وما بعدها) إغاثة اللهفان (1/ 374 وما بعدها) إعلام الموقعين (3/ 91 - 94، 126) المنثور في القواعد (2/ 93) غمز عيون البصائر على الأشباه والنظائر (4/ 219) وألف عبيدالله بن محمد بن بطة العكبري الحنبلي المتوفى سنة 387هـ كتاب إبطال الحيل. [17] رواه البخاري في صحيحه كتاب الوضوء باب ترك النبي صلى الله عليه وسلم والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد (1/ 69/ 219) ومسلم في صحيحه كتاب الطهارة باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها (3/ 162/ 284) عن أنس رضي الله عنه. [18] رواه البخاري في صحيحه كتاب الحج باب فضل الكعبة وبنيانها (2/ 190 - 191/ 1583 - 1586) ومسلم في صحيحه كتاب الحج باب نقض الكعبة وبنائها (9/ 75/ 1333) من طُرقٍ عن عائشة رضي الله عنها. [19] رواه البخاري في صحيحه كتاب المناقب باب ما ينهى عن دعوى الجاهلية (4/ 191/ 3518) ومسلم في صحيحه كتاب البر والصلة والآداب باب نصر الأخ ظالمًا أو مظلومًا (16/ 113/ 2584) عن جابر رضي الله عنه. [20] انظر: الموافقات (5/ 188 - 192) ولمراعاة الخلاف انظر: الاعتصام (2/ 376 - 378) الموافقات (1/ 346، 5/ 108) المعلم بفوائد مسلم (1/ 71) تهذيب السنن (1/ 60) بدائع الفوائد (3/ 257) ‎إغاثة اللهفان (1/ 129) قواعد المقري (1/ 236) البحر المحيط (4/ 478، 6/ 324) المنثور في القواعد (2/ 127) فتح الباري (1/ 127) إيضاح المسالك (160 - 161) الأشباه والنظائر للسيوطي (94) الدين الخالص (3/ 176). [21] انظر: الموافقات (5/ 193، 199) وللاستحسان ومراجعه انظر: ص (472 - 473) من هذا البحث. [22] يعني الشاطبي بالتكميليات هنا التحسينيات، وهو قد أطلق عليها في بعض المواضع التكميليات؛ وذلك لأنها في حقيقتها كما قال الشاطبي في الموافقات (2/ 25): "كالتكملة للحاجيات". [23] انظر: الموافقات (5/ 199 - 200). [24] الموافقات (5/ 200)، وقد تحدث الشاطبي عن جوانب عديدة لها ارتباط بالمآل وضوابطه؛ انظر: الموافقات (3/ 503 وما بعدها، 564 وما بعدها). [25] نقله عنه الشاطبي في الموافقات (5/ 182) والشنقيطي العلوي في نشر البنود (2/ 186)، ولم أطلع عليه في مؤلفاته المطبوعة، ومن آخرها المحصول. [26] نفائس الأصول (9/ 4092). [27] مختصر الفوائد (193). [28] مختصر الفوائد (209)، وانظر: قواعد الأحكام (1/ 50). [29] قواعد الأحكام (1/ 12). [30] يُستشف ذلك من مبحث الحكم إذا ثبت لوصف مصلحي على وجه يلزم منه وجود مصلحة مساوية، أو راجحة عليه، هل تنخرم مناسبته أو لا؟ انظر له: الإحكام (3/ 276) شرح العضد (2/ 241) الإبهاج (3/ 65) البحر المحيط (5/ 220) تشنيف المسامع (3/ 304). [31] بيان المختصر (3/ 117). [32] التنقيحات (323). [33] كالشنقيطي العلوي صاحب نشر البنود (2/ 186) وأبي زهرة في أصول الفقه له (228) والريسوني في نظرية المقاصد عند الشاطبي (381) و د.
محمود حامد عثمان في كتابه: قاعدة سد الذرائع وأثرها في الفقه الإسلامي (211). [34] المراد بالآية هو زيد بن حارثة، وانظر لسبب نزول الآية: جامع البيان (10/ 302) الجامع لأحكام القرآن (14/ 188). [35] انظر: الموافقات (3/ 75 - 76، 509، 5/ 179 - 180). [36] سبق تخريجهما ص 388. [37] سبق تخريجهما ص 388. [38] هذه الرواية رواها البخاري في صحيحه كتاب الأدب باب الرفق في الأمر كله (7/ 106/ 6025) ومسلم في صحيحه كتاب الطهارة باب وجوب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد، وأن الأرض تطهَّر بالماء من غير حاجة إلى حفرها (3/ 162/ 284) عن أنس - رضي الله عنه، وقوله: (تُزْرِموه): مِن زرم، وهو أصل يدل على انقطاع وقلة، يقال: زرم الدمع، إذا انقطع، والمعنى: لا تقطعوا بوله؛ انظر: معجم مقاييس اللغة (3/ 51). [39] ومما ورد في ذلك ما رواه البخاري في صحيحه كتاب الصوم باب صوم شعبان (2/ 298/ 1970) ومسلم كتاب الصيام باب صيام النبي صلى الله عليه وسلم في غير رمضان واستحباب ألا يخلي شهرًا عن صوم (8/ 31/ 1156 رقم خاص 177) عن عائشة - رضي الله عنها - مرفوعًا: ((خُذوا من العمل ما تُطيقون؛ فإن اللهَ لا يملُّ حتى تملُّوا)). [40] انظر: الموافقات (5/ 180 - 181). [41] انظر: الموافقات (5/ 182). [42] انظر: الموافقات (5/ 26 - 37، 181). [43] انظر: الموافقات (5/ 182)، وانظر: نشر البنود (2/ 186)، فقد نقل عنه ذلك. [44] عقد الشاطبي المسألة الرابعة في مباحث الأسباب لبيان أن وضع الأسباب يستلزم قصد الواضع إلى المسببات، ودلل على ذلك، انظر: الموافقات (1/ 311، 313)، وانظر لذلك: أصول الفقه للخضري (57) السبب عند الأصوليين (2/ 197 - 200). [45] انظر: الموافقات (1/ 311 - 312، 5/ 178). [46] انظر لهذه القاعدة: الموافقات (1/ 308) السبب عند الأصوليين (2/ 191). [47] انظر: الموافقات (1/ 312، 5/ 178 - 179). [48] انظر: الموافقات (1/ 312، 313). [49] انظر: الموافقات (5/ 179). [50] انظر: السبب عند الأصوليين (2/ 199 - 200)، وانظر منه: (2/ 175 وما بعدها). [51] انظر: تعليق دراز على الموافقات (1/ 313) السبب عند الأصوليين (2/ 200). [52] وهذا تأثر من الشاطبي برأي الأشاعرة في القدر وأفعال العباد، وأن العبد ليس له قدرة مؤثرة، وإنما أفعال العبد الاختيارية واقعة بقدرة الله وحده، وليس لقدرة العبد تأثير فيها، بل الله أجرى عادته بأن يوجد العبد قدرة واختيارًا، والعمل الذي يقوم به العبد من كسبه، وإنما كان من كسبه لمقارنته لقدرته من غير أن يكون له تأثير فيه، وهذا قول باطل مضطرب؛ انظر لبيان رأي الأشاعرة: كتاب أصول الدين للبغدادي التميمي (133) طوالع الأنوار (301) المواقف (311)، وللرد عليهم: كتاب القدر مع مجموع الفتاوى (8/ 188)، القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة (242). [53] انظر: الموافقات (5/ 179).



شارك الخبر

ساهم - قرآن ١