أرشيف المقالات

الرجوع عن الاجتهاد

مدة قراءة المادة : 12 دقائق .
2الرجوع عن الاجتهاد
المجتهد كغيره من الناس عُرضة للعوارض البشرية؛ من خطأ ونسيان وجهل ونحو ذلك؛ فالمجتهد قد يجتهد ويبذل قصارى جهده لتحصيل قصد الشارع في حادثة معينة، ثم يترجح له في الحادثة حكمٌ معينٌ، وبعد ذلك ينقدح في ذهنه ما يدعوه إلى رجوعه عما رجحه، فهل يحق للمجتهد الرجوع في هذه الحالة، أو هو واجب عليه، أم يجوز له التمادي على ما هو عليه مع قطعه أو ظنه الغالب بخطأ اجتهاده الأول؟ هنا يبين لنا الشَّاطبيُّ حكمَ هذه المسألة وتفصيلاتها.   رأي الشَّاطبي: يرى الشَّاطبي أن رجوع المجتهد عن رأيه الذي انتهى إليه إلى رأي آخر، لا يخلو من حالتين: الحالة الأولى: أن يكون رجوعه في اجتهاده أو حكمه لمحض الهوى، أو اتباعًا لرغبة مستفتٍ أو حاكم أو قريب أو لغير سبب شرعي، فهذا الرجوع - ولا شك - زيغ عن الهدى، واتباع للمتشابه المنهي عنه، ووقوع في الحِمَى، ورَتْع في المحرَّم، ويفصح الشَّاطبي عن رأيه، بل وينقل لنا اتفاق الأمة على هذا الرأي بقوله: "لا يصح أن يرجع في حكمه في أحد القولين بالمحبة والإمارة أو قضاء الحاجة، إنما الترجيح بالوجوه المعتبرة شرعًا، وهذا متفق عليه بين العلماء؛ فكلُّ مَن اعتمد على تقليد قول غير محقق، أو رجَّح بغير معنى معتبر، فقد خلع الربقة، واستند إلى غير شرع، عافانا الله من ذلك بفضله"[1].   ويقول الشَّاطبي أيضًا ناقلًا الاتفاق: "إلا أنه لا يمكن رجوع المجتهد عما أداه إليه اجتهاده بغير بيان اتفاقًا"[2]. بل جعَل الشَّاطبي هذه الطريقة إضافة لكونها زيغًا عن الهدى من جملة البدَع المحدَثة المخترعة في الدين، وتحكيمًا للعقل على شرع الله، والله عز وجل قد نهى عن اتباع الهوى والتحاكم إليه، فقال: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾ [الجاثية: 23]، وقال: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾ [القصص: 50].   والحالة الثانية: أن يكون رجوعُه عن اجتهاده؛ لأجل ما تبين له من الأدلة أن الحق بخلاف ما ذهب إليه، وهذا هو الشأن في المجتهد الحق إذا ظهر له خلاف ما رآه، رجع إليه[3]؛ ولذا كان خطأ المجتهد وزلَّتُه أمرًا عرضًا لا ذاتيًّا؛ لأنه لم يتبع هواه، وإنما اتبع الدليل، ورجَّح ما عنَّ له أنه الصواب؛ ولذا إذا ظهر له الصواب أذعن له وأقر به، ورجع عنه رجوع الأفاضل[4]، قال الشَّاطبي: "فيجب عليه اتباع ما هو الأقرب، بدليل أنه لا يسعه فيما اتضح فيه الدليل إلا اتباع الدليل دون ما أداه إليه اجتهاده، ويعد ما ظهر له لغوًا كالعدم؛ لأنه على غير صوب الشريعة الحاكمة، فإذًا ليس قوله بشيء يعتدُّ به في الحكم"[5]، وقال: "فإن أتى ما يوضح خلاف المعتقد، رجع إليه، كالمجتهد يجزم القضية في الحكم، ثم يطلع بعدُ على دليل ينسخ جزمه إلى خلافه"[6].   وقد وافق الشَّاطبيَّ على ذلك الأصوليون؛ فقد نصُّوا على تحريم اتباع الهوى[7]، كما نصوا على أن المجتهد إذا تغير اجتهاده وجب عليه الرجوع إلى ما ترجح عنده[8]. قال الجويني: "المجتهد إذا اجتهد وعمل، ثم تبين أنه أخطأ نصًّا، فلا شك أنه يرجع إلى مقتضى النص"[9].   ولا خلاف في وجوب رجوع المجتهد إلى ما ترجح عنده في الجملة، ولا يعترض على ذلك بما حكاه بعض الأصوليين من أن المجتهد لو بان له بعد نكاحه بطلانُ ذلك النكاح، فلا يجب الرجوع مطلقًا[10]، فهذا القول لا يقدح فيما نحن فيه؛ ذلك أن نقضَ القول السابق[11] غيرُ الرجوع عنه إلى القول المرجح في المستقبل.   أدلة الشَّاطبي ومَن وافقه: استدل الشَّاطبي على تحريم رجوع المجتهد عن رأيه دون سبب شرعي بثلاثة أدلة: الدليل الأول: أن رجوع الحاكم بمحض الهوى زيغ عن الحق، واتباع للباطل، واقتفاء لأثر الشيطان، وانحراف عن الحكم بمقتضى الحق الذي ألزم الله بالرجوع والتحاكم إليه[12].   الدليل الثاني: أن الله سبحانه وتعالى قد ذم الميل عن الحق واتباع المتشابه لتحصيل الأغراض والشهوات، فقال تعالى: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ ﴾ [آل عمران: 7] الآية، وقوله فيها: ﴿ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ ﴾ [آل عمران: 7]؛ معناه: أي: ميلٌ عن الحق[13].   الدليل الثالث: أن الله قد ذم اتباع الهوى؛ كما في قوله تعالى: ﴿ أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ ﴾ [الجاثية: 23]، وقوله: ﴿ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ ﴾ [القصص: 50]، والرجوع لغير سبب شرعيٍّ: مذمومٌ؛ لِما فيه من اتباع الهوى[14].   واستدل الشَّاطبي على وجوب رجوع المجتهد عن رأيه إذا رآه خطأ بدليلين: الدليل الأول: أن المجتهد إنما هو مبلِّغ عن الشرع ومتبع له، وإنما ينقاد له الناس؛ لكونه عاملًا بمقتضى الشرع، فإذا كان كذلك فما وافق فيه الشرع فهو حق يتبع، وما خالف فيه الشرع فهو خارج عن مقتضى الشريعة الحاكمة؛ ولذا وجب عليه الرجوع إلى الشرع إذا استبان له[15].   الدليل الثاني: أن الأمَّة قد أجمعت على أن الواجب على المجتهد اتباع الحق، فإذا استبان له طريق الحق وجب على المجتهد اتباعه[16].


[1] الاعتصام (2/ 401) الموافقات (5/ 219). [2] الموافقات (5/ 219). [3] انظر: الموافقات (5/ 219). [4] انظر: الاعتصام (1/ 108، 109، 394) الموافقات (1/ 91). [5] الاعتصام (2/ 503) وانظر: الموافقات (5/ 213 - 214، 219). [6] الموافقات (3/ 137) وانظر أيضًا: الموافقات (4/ 55 - 56). [7] انظر: مراتب الإجماع (51) الفصول (4/ 327) التلخيص (3/ 314) روضة الناظر (1/ 338) الإحكام (4/ 157) شرح تنقيح الفصول (451) الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام (92) نهاية الوصول (8/ 4004) نهاية السول (4/ 399) تبصرة الحكام (1/ 22) تقريب الوصول (401) الإنصاف (11/ 179) الإقناع لطالب الانتفاع (4/ 397). [8] انظر: الرسالة (424 - 425) المستصفى (2/ 382) المحصول (6/ 64) روضة الناظر (2/ 385) الإحكام (4/ 203) شرح المعالم (4/ 1637) نهاية السول (4/ 574). [9] البرهان (2/ 867). [10] انظر: نهاية السول (4/ 576). [11] وللخلاف في مسألة النقض، انظر: المستصفى (2/ 382) المحصول (6/ 64) روضة الناظر (2/ 384 - 385) الإحكام (4/ 203) مختصر المنتهى مع شرح العضد (2/ 300) منهاج الوصول مع الإبهاج (3/ 265) نهاية الوصول (8/ 3880) شرح مختصر الروضة (3/ 648 - 649) بيان المختصر (3/ 327) السراج الوهاج (2/ 1081 - 1082) نهاية السول (4/ 574) جمع الجوامع مع شرح المحلى وحاشية البناني (2/ 602) التحرير مع التقرير والتحبير (3/ 335) غاية الوصول (150) شرح الكوكب المنير (4/ 510 - 511) تيسير التحرير (4/ 235) فواتح الرحموت (2/ 396). [12] انظر: الاعتصام (2/ 502). [13] انظر: الاعتصام (2/ 501). [14] انظر: الاعتصام (2/ 501). [15] انظر: الاعتصام (2/ 501). [16] انظر: الاعتصام (2/ 501).



شارك الخبر

مشكاة أسفل ١