أرشيف المقالات

أزمة البداية

مدة قراءة المادة : 5 دقائق .
2أزمات تعصف بالأمة مشاكل وحلول مقال رقم (٤) أزمة البداية   الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: فيختلف العاملون من المخلصين أمثالكم في ترتيب الأولويات في مشاريعهم والبَدْء بالأفضل قبل المفضول، والأهمِّ قبل المُهِم، والأحسن قبل الحسن، فيرى البعض أن الأمَّة في مرحلةِ ضَعف ووهنٍ، وتحتاج إلى مصالحة الأعداء والعمل بفقه الأقليات، ويرى الآخر وجوب النفير العامِّ، وتعطيل مصالح الناس وترْكهم في العراء، وهناك مَن يرى ضرورة الموازنة بين مرارة الواقع وقساوته، وبين أمانة الاستخلاف والعمل لهذا الدين، وهذا الأخير هو حكم العقلاء والعلماء الذين يُحسِّون آلامَ الناس وآهاتهم، ويستشعرون عِظَم مسؤولية هذا الدين، وأن الله استخلفهم في الأرض واستعمرهم فيها؛ لينظر كيف يعملون، فهذا النفر من العاملين هم مَن يعيشون أزمةً في البداية، وأعظم أزمة تواجههم هي ترتيب الأولويات، فمنهم مَن يرى البداية في تفعيل الجانب الإغاثيِّ، ومنهم مَن يرى البداية في الجانب العلميِّ، ومنهم من يرى البداية في إيجاد قيادة واعية، ومنهم من يرى البداية في القيم والأخلاق، ومنهم مَن يرى البداية في العقيدة والهوية، وآخَر يرى البداية في البناء والعمران، وآخر يراها في المال والرجال وغيرها، وكلها مطلوبة، وهذا من حرصهم؛ لكني سأذكر منهجَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الإصلاح، وأبيِّن أولى الأولويات وبأيها نبدأ به، فإن المتتبِّع لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يجده عمل على ثلاثة ركائز في دعوته: 1- الحفاظ على الهُوِيَّة الإسلامية، وهذا واضح مِن منعه صلى الله عليه وسلم زيارةَ القبور في بداية الدعوة؛ حتى لا تختلط عبادةُ الأصنام في الجاهلية بزيارة القبور في الإسلام، إلى أن تمكَّن الإيمان في قلوب الصحابة، وتحقَّقت المفاصلة بين الشرك والتوحيد؛ قال: ((كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزُوروها...))، وتبرز معالم الحفاظ على العقيدة والهوية في المنهج النبويِّ من وجوبه صلى الله عليه وسلم مخالفة المشركين في مظاهرهم وعباداتهم، وأكلهم وشربهم وزِيِّهم وأعيادهم وغيرها، فقال: ((إن اليهود والنصارى لا يصبغون، فخالفوهم - لئن عشت إلى قابل لأصومنَّ التاسع - لا تشبَّهوا بالأعاجم - ليس منا مَن تشبَّه بغيرنا - خالفوا المشركين، وفِّروا اللحى وأَحفوا الشوارب...))، وغيرها كثير من أمثلة الحفاظ على الهوية الإسلامية في منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم.   2- النهوض بالمنظومة الأخلاقية: كان في الجاهلية أخلاق وقيم، لكنها كانت غير منضبطة، فالكريم يسرق ليُكرم ضيفه، والرجل يدفن بنته وهي حيَّة خشيةَ جلب العار؛ ﴿ وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ ﴾ [التكوير: 8، 9])، وغيرها من الأخلاق غير المنضبطة، فجاء رسول الله وهو يقول: ((إنما بُعث لأتمِّم مكارم الأخلاق))؛ فنهض بهذه المنظومة الأخلاقية، فهذَّبها وضبطها ودعا إليها، وبيَّن عِظَم أجرها وثوابها، وتحاكم إليها في التعامل مع أصحابه وأعدائها: ((اذهبوا فأنتم الطلقاء)).   3- صناعة القيادات والرموز في شتى التخصُّصات، فجلُّ دعوته صلى الله عليه وسلم تربية الرجال وصناعة القادة: ((أَعلمكم بالحلال والحرام معاذ، وأفرضكم زيد، وأقرؤكم ابن مسعود، وأعدلكم عمر، وأكثركم أمانةً أبو عبيدة، وأصدقكم لهجةً أبو ذَرٍّ، وفي السياسة والحرب خالد، وفي الإنفاق أبو بكر، والحياء عثمان، والشجاعة عليٌّ))، وهكذا أصبح قادة الصحابة في الماضي مدارسَ في الحاضر ...
وهنا تكمن أزمة البداية بأيها نبدأ: العقيدة أم الأخلاق، أم نتفرغ لصناعة قادة علماء متخصِّصين بارعين؟!   فأقول: معلوم من منهج النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن أولى هذه الثلاثة بداية هو صناعة العلماء وتربيتهم، فهو الأساس؛ إذ به تُحفَظ العقيدة، وتُصان الحُرمات، وتنهض الأخلاق، وتحكم القيم، فقد صنع رسول الله معاذًا، فأرسله إلى أهل اليمن، ورتَّب له الأولويات، وقال: ((ستأتي قومًا أهلَ كتاب، فادعهم إلى لا إله إلا الله، فإن هم أطاعوك فأعلمهم ...
فإن هم أطاعوك ...
فإن هم أطاعوك))، وهو الذي صنع أبا ذَرٍّ، فجاء بقبيلتي غفار وأسلم، وصنع الطفيل فجاء بقبيلة دوس، وصنع مصعب فأسلمت المدينة على يديه، فإذا أردنا تجاوُز أزمة البداية، فلنبادر بصناعة العلماء العاملين، وهو منهج نبيِّنا صلى الله عليه وسلم.   ولا بد من منهج علميٍّ وتربويٍّ لهذه الصناعة نتكلَّم عنه في مقال آخر إن شاء الله تعالى عنوانه: (أزمة المنهج)، وفي الختام أسال الله أن يستعملنا وإياكم لنُصرة دينه، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، اللهم آمين. ملحق مخطط توضيحي للعلاج.



شارك الخبر

المرئيات-١