أرشيف المقالات

غفر الله لك

مدة قراءة المادة : 7 دقائق .
2غفر الله لك   ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [يوسف: 92]؛ هكذا مثَّل القرآن الكريم الأخلاقَ الرفيعة للنبيِّ الكريمِ يوسفَ عليه السلام مع إخوانه الذين آذَوه، وأفجَعوا قلبَ والدِه على ابنه بإبعادِه عنه؛ حيث اغتمَّ وتألَّم حتى ابيضَّتْ عيناه من الحزن وهو كظيم، وعانى ما عانى من المصائب والمِحَن، وألمِ الفراق، ولوعة الاشتياق إلى قطعة قلبه المفقودة، قائلًا: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [يوسف: 86].   ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ﴾ [يوسف: 92]؛ أي: لا تَعْيِير ولا توبيخ، ولا لوم ولا عتب، ولا زجر ولا تأنيب عليكم اليوم؛ كما قال أهل التفسير.   وهو مبدأ عظيم جدًّا، مبدأ العفو عند المقدرة، والصفح عند التمكين، والرأفة حال القوة، والشفقة عند الغَلَبة.   وتُمثِّل الآية الكريمة أنقى وأجمل وأشرف وأنبلَ معاني المروءة والعطف، والرحمة واللطف، والتسديد والتقارب، والمشاركة والتعاون بين الإخوة، وإقالة عثراتهم، والتغاضي عن هفواتهم، والعفو عنهم، قال الشاعر: وما قتَلَ الأحرارَ كالعفوِ عنهمُ ♦♦♦ ومَن لك بالحرِّ الذي يحفظُ اليدَا
﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ﴾ [يوسف: 92]، قالها النبي صلى الله عليه وسلم عندما دخل مكة فاتحًا يحوطُ به أصحابُه وأنصاره من اليمين والشمال، وقد اجتمعت قريش وأهلُ مكة يرتجفون خوفًا منه؛ لِما ألحَقوا من أنواع الأذى به وبدعوته وأصحابه، فما كان من نبيِّ الرحمة صلى الله عليه وسلم إلا أن خفَّف من رَوْعهم قائلًا: ((معشرَ قريشٍ، ما ترون أني فاعل بكم؟))، قالوا: "خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم"، قال: ((فإني أقول لكم ما قال يوسف لإخوته: ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ﴾ [يوسف: 92]، اذهبوا فأنتم الطُّلقاء))؛ فقه السيرة.   ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [يوسف: 92]؛ كم هي قاعدة جليلة، ومبدأ عظيم، وخُلُق رفيع، وقلب واسع، وأُفُق رَحْب، اجعَلْها أساسًا لتعاملك مع كل مَن أساء في حقِّك عن علم وإرادة، أو من سوء فهم وتأويل؛ لأنك تنتظرُ المغفرة والرحمة مِن ربِّك الرحيم، ﴿ أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النور: 22].   ﴿ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ﴾ [يوسف: 92]؛ اجعَلْها قولًا وعملًا، وطريقًا ومنهجًا في مخالطة الناس بمختلف أطيافِهم وأشكالهم، وأعمارهم وأنواعهم، واعمَلْ بها في مختلفِ الحالات والمجالات، والظروف والأوقات؛ فالذي يعفو عن خصومِه ومُناوِئيه، يزيده الله عزًّا وفضلًا، وبركةً وتوفيقًا، قال صلى الله عليه وسلم: ((وما زاد اللهُ عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا))؛ مسلم: 2588.   وقال الشاعر: وعاشِرْ بمعروفٍ وسامِحْ مَنِ اعتَدى ♦♦♦ ودافِعْ ولكنْ بالتي هي أحسنُ
فإلى كل مَن نال منك بالهمز واللمز، أو طعنك في الظهر، أو اغتابك وقال ما قال، وركِب في رَكْب المُرجِفين وأهل الشقاق والنفاق: غفر الله لك.
  وإلى كل مَن هضم حقك، وأخذ مِن نصيبك، وادَّعى ما ليس له، وحمل كلامك ما لم تَقُلْه، أو نسب مقالتَك وكتابتَك إلى نفسه ونشرها باسمِه دون أدنى إشارة إلى صاحبها: غفر الله لك.
  إلى عضوِ لجنة التحكيم الذي فضَّل عليك شخصًا آخر في مسابقةٍ أو جائزةٍ، أو برنامج، أو مرحلة دراسية، أو مقابلة للتوظيف، أو مسابقة للقرآن الكريم، لعدَّة معايير أخرى غير العلم والمعرفة، والخبرة والكفاءة، والحفظ والتجويد، وإن كان من حقك أن تكون في المركز الأول: غفر الله لك.
إلى مَن حاول التقليل من إنجازاتك وأعمالك وقدراتك التي منحنك الله إياها..
وقال ما قال..
وأراد إحباطك..
بكلمة جارحة..
أو إشارة وهمز ولمز؛ لحاجة في نفسه، أو مرض في قلبه: غفر الله لك.
  إلى الشخص الذي رفع صوتَه، وكاد يرفعُ سَوْطَه، دون وجه حق ومسوِّغ، وصبرتَ عليه ابتغاء وجه الله وطلبًا للأجر والثواب: غفر الله لك.
إلى الشخص الذي اتَّصل بك في الهاتف وبدأ يُهدِّد ويتوعَّد، ويُخوِّف ويُهوِّل دون سبب، وكان يمكن أن يتصلَ بهدوء ووقار وحكمة وصبر: غفر الله لك.
إلى الموظَّف في الدائرة الرسمية أو الأهلية، الذي أخَّر إنهاء معاملتك، وبعد ساعة مِن الانتظار، طلب منك مراجعته في صباح اليوم التالي، وحاول أن يُشَخْصِنَ الموضوع: غفر الله لك.
إلى سائق الباص العامِّ الذي هدَّدك بإنزالك من الباص عند أقرب محطة، عندما طلبت منه إيقاف الأغاني وقت الأذان: غفر الله لك.
إلى المُراهِق الذي ينقصه الخبرةُ والمعرفة وبدأ يحسب نفسه نمرًا، وطلع إلى السوق والشارع، يتفاخر بمال أبيه، ويزاحم الناس بمناكبه، ومِن بينهم أنت: غفر الله لك.
تخلَّقِ الصفحَ تَسْعَدْ في الحياة بِهِ ♦♦♦ فالنفسُ يُسعِدُها خُلْقٌ ويُشْقِيهَا   إلى صاحب السيارة الذي أخطأَ في حقك، ثم وضع يده على "بوري" السيارة "horn"، وأخرَجَ يده من النافذة ليقول ما يقول: غفر الله لك.
إلى صاحب محلِّ الخَضْراوات الذي حاول أن يخدعَك فوضع البِضاعة السيئة أسفل البضاعة الجيدة، واشتريتَها على أنها جيدة كلها، ثم تفاجأت بما فيها بعد أن وصلت البيت: غفر الله لك.
إلى الصديقِ الذي غضب بلا سبب ودون شجار أو مناقشة، ووضع عليك الحظر في وسائل التواصل الاجتماعي، أو كتب عنك في القروبات دون أدنى محاولة للاستفسار: غفر الله لك. سامِحْ صديقَك إن زلَّتْ به قدمٌ ♦♦♦ فليس يَسْلَمُ إنسانٌ مِن الزللِ
إلى شركة الطيران التي حجَزْتَ عليها رحلتك، وحضرت المطار مع أمتعتِك وأقاربك ومستنداتك في الوقت المحدد، ويخبرك الموظف: للأسف يا سيدي الرحلة مكتملة: غفر الله لك.
شمعة أخيرة: لَمَّا عفوتُ ولم أحقِدْ على أحدٍ ♦♦♦ أَرَحْتُ نفسيَ مِن همِّ العَداواتِ



شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير