أرشيف المقالات

العلم والخلق

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
8 للدكتور منصور فهمي أستاذ الفلسفة بكلية الآداب وجهة العالم في أن يدرك الأمور على ما هي عليه، ونشاطه في أن يكسب للمعرفة من ميدان الجهل، وأن ينشر النور حيث يخيم الظلام.
ووجهة الخلقي في أن يصور الأمور على ما ينبغي أن تكون عليه الأمور، وأن يلفت الأنظار إلى مثل عليا تحفز بالناس للتسامي إليها والارتفاع بأنفسهم وبالحياة الراهنة إلى ما هو أرفع من أنفسهم وأرفع من الحياة الراهنة. ولطالما اضطربت الإفهام واستغلق الأمر على الباحثين حيث تعرضوا لاستجلاء الصلة بين العلم وبين الأخلاق فحسبوا أن الوشائج بينهم مقطوعة حين نظروا إلى وجهتين مختلفتين: وجهة من يصف ويعلل، ووجهة من يرتضي مثالاً ويوجه إليه، وجهة من يهز صوته الفكر ويتردد صدى هذا الصوت بين جوانب الدماغ، ووجهة من تؤم نغماته تجاويف القلب وتسري في أقنية الدم، وعلى أسلاك العصب لتدفع بالنفس كلها إلى العمل. ولطالما رأى غير قليل من المفكرين أن العلم النظري وثمراته التطبيقية لا تؤثر في الناس لتهذيبهم على نحو ما تؤثر العقائد الدينية والفلسفة والمثل العليا، حتى أن بعض قادة الفكر في الزمن الحديث أمثال (بسكال) و (ديكارت) اصطنعوا لأنفسهم ذلك الرأي فتخطوا العلم ليجدوا في الدين وفي العرف مرشدا لسلوكهم ومأمنا لأحكامهم وتقديرهم في اتخاذ الحسن من الأفعال وتجنب القبيح منها، وفي اتخاذ السبيل لراحة النفس واطمئنانها.
بل قد ذهب غير قليل من مفكري عصرنا إلى إساءة الظن بالعلم فحملوه أوزار الحروب القاسية، وأخطار الفراغ الممل، وأضرار الثورات الاجتماعية العنيفة ومساوئ المطامع والتنازع الحاد، حتى وقد يبالغون في لوم العلم إلى حد أن يروا على نحو ما يرى (أيشتين) في أنه ذلك المسيء إلى الحريات الإنسانية، فمن ينظر إلى تلك المصانع وما فيها من آلات منوعة، وأعمال موزعة، يتبين أنها تتناصر جميعا على استعباد عدد من العمال وفير، وتسخيرهم تسخيراً آلياً تضمحل معه نفوسهم، وتهن من تأثيره كرامتهم، بل ربما يذهب الذاهبون في مذهبهم العدائي للعلم إلى حد أقسى مما تقدم، فلا يشفع له عندهم فض المحسن إلى البشر إذ يقاوم الأمراض الفتاكة، وييسر المسافات البعيدة، ويرفه الخلق في كثير، فمع ذلك ورغم ذلك قد ينكرون على العلم قيمته وفضله لأن من يستطيع الإحسان في شيء قد تكبر تبعته ويعظم إثمه إذا هو استخدم سلاحه للإساءة والعدوان وهو عارف لمواضع الإحسان.
وأي إساءة اعظم من إساءة الحروب المعززة بجهود العلم؟ وأي عدوان أشد من تحويل عدد عديد من الناس إلى صنف من المخلوقات يستغرق في الإنتاج شهوة ومن غير قصد، ويستغرق في الاستهلاك شهوة، ومن غير حد؟. على أن هذا النحو من النظر العدائي ربما كان بعض مصدره ما تتعرض إليه النفوس واللغات أحياناً من الخلط بين الوسائل وغاياتها، وبين العلل ومعلولاتها، وبين الحال والمحل مما هو شائع ذائع. وعلى هذا النحو خلط الكثيرون بين العلم المحض الخالص وبين نتائج العلم وتطبيقاته في شؤون الحياة، وكذلك قد ظلموه على نحو ما يظلم السيف المهند في يد الجندي الجبان. وليس حظ السذج والعامة في الخلط بين العلم وتطبيقاته بأربى من حظ بعض الخاصة وأشباههم في هذا الأمر.
وقد يطلب الكثيرون من معاهد العلم ودوره أن تفيض عليهم وعلى أبنائهم من المتعلمين بما ينتفع به الناس انتفاعا عمليا حتى شاعت في السنين الأخيرة عندنا وعند غيرنا من الأمم بدعة العلم العملي والتعليم العملي ونادى بها أكثر من كاتب، وقال بها أكثر من مشتغل بشؤون التعليم.
ولو أنصف هؤلاء وهؤلاء لأعترفوا للعلم بطبيعته النظرية، وقدروا له حرصه على المعرفة لذاتها فحسب دون تقدير لنتائجها الضارة أو النافعة. لكن غير المشتغلين بالعلم الخالص من أفراد الناس بخاصة هم الذين وجهوا نتائج العلم للخير والشر وللحسن والقبيح، دون أن يكون للعلم في ذاته دخل في ذلك التوجيه.
فما على العلم إذن وما له إذا استخدم الإنسان بعض آثاره ليعيث بها فسادا أو ليصلح بها في الوجود؟. ليس في قانون البحث العلمي ما يلزمنا أن نحكم بأن غازا من الغازات يجب أن يتوجه لحيث يحيي أو لحيث يميت! وليس في قانون العلم أن جوهرا من الجواهر يجب أن يكون سما ناقعا أو بلسما نافعا! لكن طبيعة الإنسان بما فيها من رفعة أو ضعة هي التي تستخدم السم لتجعل منه الدواء أو لتجعل منه الداء، وهي التي تستخدم الشيء الواحد ليكون نعمة أو نقمة.
فمدار الخير أو الشر إذن إنما هو منوط بالإنسان.

على أن الناظر المدقق لو أنه تأمل مليا لوجد أن العلم يشمل عدة عناصر تهيئ النفس للتسامي والخير.
ذلك لأن العلم بشيء من الأشياء، وتكشف الحق في جهة من الجهات، وإطلاق النور في مكامن الديجور كل ذلك إنما يشعر بعظمة العقل وجدارة الإنسان، وفي الشعور بالعظمة والجدارة أول مصدر للخلق ونبالته.
ولست أريد في هذه الكلمة الوجيزة أن أتعرض لما يحدثه العلم واصطناعه في تقوية الاستعدادات الخلقية الكريمة، وحسبي أن أنبه طالب العلم إلى أن العلم في جوهره نبيل وأن المنتمي إليه يجب أن يكون نبيلا.
فيا طالب العلم لا تأثم في حقه فتتوجه به إلى منخفض من الحياة، وإلى ما في الدنيا من ضعة! واعمل دائما على أن تعلو بعلمك إلى السماء وتحلق به حيث شرف النفس ورفعة المقصد وآفاق المعاني السامية وعالم الخير.

شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير