أرشيف المقالات

فقه اسم الله السلام (2)

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
2سلسلة شرح أسماء الله الحسنى (30) فقه اسم الله: السلام (2)
تناوَلْنا في المناسبة الماضية - ضمنَ سلسلة شرح أسماء الله الحسنى في جزئِها التاسع والعشرين - الحديثَ عن اسم الله "السلام" أصلًا، فعرَفنا أنه يدلُّ على سلامةِ الله سبحانه من كلِّ عيبٍ ونقصٍ؛ لأنه يتضمَّن كمالَه المُطلَق مِن جميع الوجوهِ؛ بحيث إنَّ كل صفةٍ ثابتة له هي سلام مما يضادُّ كمالها، مع سلامته من كل تشبيه بمخلوقاته أو تمثيل. وهو السلامُ على الحقيقةِ سالِمٌ ♦♦♦ مِن كلِّ تمثيلٍ ومِن نقصانِ
وقصدُنا - اليوم إن شاء الله تعالى - أن نقفَ على بعضِ الأبعادِ التربوية المرتكزة على فقه هذا الاسم الجليل "السلام"، ويمكن إجمالُها في أربعة أبعاد: 1- أن اسم الله "السلام" يتجلَّى في سلامة خلقِه سبحانه مِن كلِّ خلل أو تناقضٍ، فكلُّ شيءٍ في الكون يجري بمقدارٍ، وبدقَّةٍ مُتناهية لا يقدِرُ عليها إلا الله "السلام".   فهذه الأرضُ التي تحمِلُنا - ولا نشعُرُ بحركتِها - تدورُ حول نفسِها بسرعةِ 465 مترًا في الثانية، علمًا بأن سرعة الصوت لا تزيد على 335 مترًا في الثانية، وكلُّ شيءٍ ثابتٌ في مكانه، والجاذبيةُ تقومُ بدورِها بأمرٍ من الله، فلا شيء يختلُّ، ولا نظام ينفرطُ، في ضبطٍ مُطلَق لحركة الدوران، وربطٍ عجيب بين حركة الشمس والقمر، وما ينجُمُ عن ذلك من تكوير الليل على النهار، والنهار على الليل، ﴿ وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ * وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ * لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ﴾ [يس: 38 - 40].   2- إقامةُ التشريع على ما يحقِّق السلام من كل وجه: • فاعتقادُ وحدانية الله سلامٌ مِن الشِّرك والبدع.   • وعبادة الله وحدَه سلامٌ مِن تقديس غيرِه، ومنجاةٌ مِن التذلُّل إلى سواه؛ ففي السجود لله رفعةُ العقل، وفي الخضوعِ لأمره عزةُ القلب، وفي مناجاتِه صفاءُ الرُّوح، وفي التقرب إليه طمأنينةُ النفس، وفي القيام بين يدَيْه قوةُ البدن.   • والصلاةُ سلامٌ مِن المعاصي والمُنكَرات؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ﴾ [العنكبوت: 45]. • والصيامُ سلامٌ مِن الكسل والأمراض؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((عليك بالصوم، فإنه لا مِثْلَ له))؛ صحيح سنن النَّسائي.   • والزكاةُ سلامٌ مِن الأَثَرة والشُّحِّ؛ قال تعالى:﴿ خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ﴾ [التوبة: 103].   • والحجُّ سلامٌ مِن الكِبْرِ والرياء؛ قال أنس بن مالك رضي الله عنه: حجَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على رَحْلٍ رثٍّ، وقطيفةٍ تساوي أربعةَ دراهمَ أو لا تساوي، ثم قال: ((اللهم حجةً لا رياءَ فيها ولا سُمعةَ))؛ صحيح سنن ابن ماجَهْ.   3- إقامة العقوبات في الإسلام لا تُنافِي بسطَ السلام، بل هي عين السلام، حين يوجد مِن بينِنا مَن يقضُّ أمنَ المسالِمين، ويطرُدُ السكينة عن المُطمئِنين، ويُروِّع عباد الله الآمنين، ويسعى بالفساد بين الساكنين - فلا يردَعُه إلا الضربُ على يدِه، والأخذُ بزجره؛ حتى يسلَمَ الناسُ مِن شرِّه، والرسولُ صلى الله عليه وسلم يقول: ((المسلمُ مَن سلِم المسلمون مِن لسانِه ويدِه))؛ متفق عليه.   ولغيابِ هذا الفهم الصحيح لاسم الله "السلام"، انتشرتِ الجرائم، وتفشَّتِ الاعتداءات، وكثُرَ المعتدون المتجاوِزون، حتى اضطُرَّت السلطات - عندنا - أن تُوقِفَ في شهر غشت من السنة الماضية (2017) أزيدَ مِن 28000 شخصٍ لأسباب إجراميَّة؛ كحيازة وترويج الموادِّ المُخدِّرة والمؤثِّرات العقلية، والتورُّط في ارتكاب أفعال تتراوح بين الاعتداءات الجسدية، وحمل السلاح الأبيض، والسرقة الموصوفة، والجرائم الجنسية، والسُّكر العلني البيِّن، وجرائم القتل، والانتحار، واعتداء الأزواج على الزوجات، واعتداء الأبناء على الآباء، والإخوة بعضهم على بعضٍ، والجيران بعضهم على بعضٍ، والمتعلِّمين على مُعلِّميهم، مما يندى لسماعه الجَبِينُ، علمًا بأن قرابة 54% مِن السجناء - عندنا - معتقلون بسبب جرائم الأموال والمُخدِّرات؛ أي: قرابة 45 ألف شخص مِن مجموع 83 ألفًا، معهم قرابة الألفين من النساء.   وتشير الدراسات والإحصائيات إلى أنه في بعض الدول يقعُ أزيدُ مِن 50 جريمة قتل يوميًّا، وأن 50 %من سكان بعض البلاد سُرِقت أموالُهم أو ممتلكات أحد أفراد أسرهم، وأن 36% لا يشعُرون بالأمان عند خروجهم ليلًا؛ مما يحيل الحياة حربًا لا سِلمًا، وعدوانًا لا إحسانًا.   4- دعوة الإسلام إلى السلام تجعلُ الحرب استثناءً، لا يُلجَأ إليها إلا عند الضرورة القصوى، وبآداب تحفَظُ البلدانَ من الدمار، وتحفظ الإنسان والحيوان والنبات من الهلاك، قال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [البقرة: 208]، وقال تعالى: ﴿ وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾ [الأنفال: 61].   والناس في منظورِ الإسلام مشارِبُ مختلفةٌ، ومعتقدات متبايِنة، وألوانٌ متعددة، لكنهم يرجِعون إلى أصل واحد، وينهَلون مِن مَشرَب واحد، فكان التفاضلُ بينهم على قَدْرِ الاعتراف بهذا الأصل، والتعبُّد بموجبِه، قال صلى الله عليه وسلم: ((ألَا إن ربَّكم واحد، وإن أباكم واحد، ألَا لا فضل لعربيٍّ على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمرَ على أسودَ، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى))؛ رواه أحمد، وهو في صحيح الترغيب.   لكن الإسلام أنزله الله تعالى لينتشرَ في الأرض، ويُحقِّق مرادَ الله تعالى في بسط دينه وإعلاء كلمته، ﴿ يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ ﴾ [المائدة: 67]، ولا يحقُّ لأحدٍ أن يقف في طريق دين الله، أو يدعوَ إلى نقضه ومعارضته، فآنذاك يكونُ قد استعدى المسلمين ضدَّه، واستجلب النقمةَ على نفسه، ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ﴾ [البقرة: 194]، ومِن ثَمَّ كانت حروبُ الإسلام على أنماطٍ: • إما دفاعية في وجه الصائل المعتدي؛ كغزوةِ بدرٍ، التي ما كانَتْ إلا بسبب تجبُّر كفَّار قريش، الذين طردوا المسلمين من مكة، بعد أن سلبوهم أموالَهم وممتلكاتِهم، واضطهدوهم وعذَّبوهم.   • وإما بسبب نقضِ العدوِّ للعهد الذي بينه وبين المسلمين؛ كما فعل اليهود في غزوة الخندق، والمشركون في صُلح الحُدَيْبية. • وإما لردِّ العدوان؛ كما في غزوة أُحُد والخَنْدق.   • وإما للوقاية من شر الأعداء؛ كغزوة مُؤْتة، بعد قتل الرومِ لرسولِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إليهم، والاعتداء بالقتل على مَن لديهم من المسلمين، فهي مقاتلة في مقابل اعتداء، قال تعالى: ﴿ وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ﴾ [البقرة: 190]. أتيناك نَرجُوك حسنَ الختامْ إلهي فلَسْنَا على ما يُرامْ على بابِ عفوِكَ نحن اليتامى وأنتَ السلامُ ومِنكَ السلامْ
ونرى الإسلامَ يأمرُ جنود المسلمين بسلوكِ مَسلَك قصد تحقيق الهدف بأقصر الطرق، وبأقل التكاليف والخسائر؛ فيبدأ بالدعوة السلمية؛ كما في غزوة خيبر؛ حيث أوصى النبيُّ صلى الله عليه وسلم عليًّا قائلًا: ((ادعُهم إلى الإسلامِ، وأخبِرْهم بما يجبُ عليهم مِن حق الله فيه، فوَاللهِ لأَنْ يَهدِيَ الله بك رجلًا واحدًا، خيرٌ لك مِن أن يكون لك حُمْر النَّعَم))؛ متفق عليه.   فليستِ الغايةُ هي الغنائمَ والمال، أو إثباتَ القوة واستعراضَ العضلات؛ وإنما الغايةُ الهداية إلى شرع الله تعالى، والفوزُ بالدارين، مع النهيِ عن قتل الأطفال والنساء والشيوخ والعُبَّاد ممن لا يُحارِبون، والحفاظ على مُقدرات البلاد من التلف والتخريب؛ كما أوصى أبو بكر الصديقُ رضي الله عنه يزيدَ بنَ أبي سفيان قائلًا: "إنك ستجد قومًا زعَموا أنهم حبَسوا أنفسهم لله، فذَرْهم وما زعَموا أنهم حبَسوا أنفسهم له، وإني مُوصيك بعَشْرٍ: لا تقتلنَّ امرأةً ولا صبيًّا ولا كبيرًا هَرِمًا، ولا تقطعنَّ شجرًا مُثمِرًا، ولا تخربنَّ عامرًا، ولا تعقرن شاةً ولا بعيرًا إلا لمأكلة، ولا تحرقنَّ نخلًا، ولا تفرقنه، ولا تَغلُلْ، ولا تجبن"؛ مع التوصية بالأُسارى خيرًا.   وطيلة عمر الدعوة النبوية لم يَزِدْ عددُ القتلى من المشركين والمسلمين على الألف، مع أن الرقعةَ التي تحرَّك فيها المسلمون هي أكثر مِن مليون ميلٍ مُربَّع، يسكنها أكثر مِن مليون من البشر، مما يعدل قتيلًا واحدًا في الشهر، وهو دليلٌ على أن فقه اسم الله "السلام" كان يُجلِّل مسارَ الدعوة النبوية السلمية.   ولنا أن نُقارِنَ هذه الآداب الرفيعة بهمجية الحروب المعاصِرة، التي تأتي على الأخضر واليابس، مع ما يصحَبُها من الترويع والتدمير والتخريب. شتَّانَ ما بين تشريعِ السماء لنا ♦♦♦ وبين تشريعِ أهلِ الأرضِ شتَّانَا



شارك الخبر

المرئيات-١