أرشيف المقالات

سلسلة آيات العقيدة المتوهم إشكالها (2)

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
2سلسلة آيات العقيدة المتوهم إشكالها (2)   المبحث الأول: التعريف بالمُشْكِل. ويندرج تحت هذا المبحث ما يلي: المسألة الأولى / تعريف المشكل في اللغة: المُشْكِلُ: اسم فاعل من أَشْكَلَ، يُشْكِلُ، إِشْكَالاً، فهو مُشْكِل. واسم الفاعل من غير الثلاثي يأتي على زِنَة مضارعه بإبدال حرف المضارعة ميماً مضمومة وكسر ما قبل الآخر.
[1]   والمعنى اللغوي للمشكل الذي يتعلق بموضوع هذا البحث يدور حول الاختلاط والالتباس والاشتباه والمماثلة.   وذلك لأن ( الشين والكاف واللام معظم بابه المماثلة، تقول هذا شَكْل هذا، أي مثله، ومن ذلك يقال: أمر مُشْكِل ).
[2]   ( وقولهم: قد أشكل علي الأمر، معناه: قد اختلط بغيره ).
[3] و ( حرف مشكل: مشتبه ملتبس ).
[4] ( ومنه قيل للأَمر المشتَبه مُشْكِلٌ، وأَشْكَل عَلَيَّ الأَمُر إِذا اخْتَلَط، وأَشْكَلَتْ عليَّ الأَخبار وأَحْكَلَتْ بمعنىً واحد ) [5].   (والمُشْكِل: كمُحْسِن: الداخل في أشكاله، أي أمثاله، وأشباهه، من قولهم: أشكل: صار ذا شكل، والجمع مشكلات، وهو يفك المشاكل: الأمور الملتبسة) [6].   وسمي المشكل بذلك (لأنه أشكل، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشاكله، ثم قد يقال لما غمض وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة مشكل) [7].   فتحصل مما سبق دوران معنى المشكل في اللغة المتعلق بهذا البحث على الاشتباه، والالتباس، والاختلاط، والمماثلة.   المسألة الثانية / تعريف المشكل في الاصطلاح: تعددت كلمات أهل العلم في تعريف المشكل على اختلاف فنونهم، غير أنها تصب في مصب واحد، وتدل على مراد واحد، على تفاوت بينها في دلالتها على المراد.   وتحسن الإشارة قبل ذكر شيء من تعريفات أهل العلم للمشكل، بأن بعض الباحثين توصل إلى أن المشكل قد تباينت تعريفات العلماء له بناء على فنونهم فتعريف أهل علوم أصول الفقه مُباين لتعريف أهل علوم القرآن وكذا يقع التباين مع أهل علوم الحديث [8].   وهذا ما لم يتبين لي رجحانه بل الأقرب للصواب هو اتفاق أهل الفنون على معنى واحد في تعريف المشكل، وإن كان يحصل في أفراد جميع أهل العلوم تفاوت في دلالة التعريف على كامل معناه، أو يختلف التعريف بناء على اعتقاد صاحبه، فكما هو معلوم أن التعريفات تتأثر بعقائد مُعرِّفيها.   إلا إن كان مراد من فرق هو اختلاف تعريف المشكل عند إضافته لأصحاب كل فن فهذا صحيح، فإن المشكل المضاف يفترق عن العاري عن الإضافة، فمشكل القرآن يختلف عن مشكل الحديث وعن مشكل اللغة وعن مشكل الإعراب وهكذا.   ومما يؤكد اتفاق أهل الفنون على معنى واحد في تعريف المشكل أمور: 1- أنه بالنظر إلى تعاريف أهل العلم على اختلاف فنونهم يلمس الناظر اتفاقهم في المضمون وإن تعددت عباراتهم في ذلك.   2- أن بعض أهل العلم تكلم في علمين أو أكثر سواء في علم أصول الفقه أو في علم الحديث أو في علوم القرآن، ومع ذلك لم يضطرب في تعريفه للمشكل، ولم يخصص للمشكل تعريفاً في كل فن [9].   3- أن من ذكر تعريف المشكل وقرر أنه متباين بين أصحاب الفنون ذكر عند المقارنة تعريف مشكل الحديث وليس المشكل عند علماء الحديث وبين البابين فرق كما لا يخفى.   وفيما يلي بيان لجملة من تعريفات المشكل في اصطلاح أهل العلم، يتبع ذلك التعريف المختار للمشكل في الاصطلاح: • أن المشكل (مأخوذ من قول القائل أشكل على كذا أي دخل في أشكاله وأمثاله، كما يقال أحرم أي دخل في الحرم، وأشتى أي دخل في الشتاء، وأشأم أي دخل الشام، وهو اسم لما يشتبه المراد منه بدخوله في أشكاله على وجه لا يعرف المراد إلا بدليل يتميز به من بين سائر الأشكال.   والمشكل قريب من المجمل ولهذا خفي على بعضهم فقالوا المشكل والمجمل سواء) [10]، ويلحظ من هذا التعريف أن بعض أهل العلم يسمي المشكل بالمجمل.   • أن المشكل ( هو ما ازداد خفاء على الخفي كأنه بعدما خفي على السامع حقيقة دخل في أشكاله وأمثاله حتى لا ينال المراد إلا بالطلب ثم بالتأمل حتى يتميز عن أمثاله ) [11].   • أن المشكل هو ( ما يوهم التعارض بين الآيات ) [12]، ويُلحظ من هذا التعريف قصر المشكل على باب التعارض وهو أخص منه، وكذا يلحظ أنه خصه بالآيات، وباب المشكل أوسع من ذلك.   • أن ( المشكل هو ما لا يُنال المراد منه إلا بتأمل بعد الطلب، وهو الداخل في أشكاله أي في أمثاله وأشباهه مأخوذ من قولهم أشكل أي صار ذا شكل كما يقال أحرم إذا دخل في الحرم وصار ذا حرمة ) [13].   • أن المشكل ( هو مالم يتضح معناه لإجمال في دلالته، أو قِصَر في فهم قارئه ) [14].   بل إن بعض السلف كان يطلق اسم المتشابه على المشكل، فكانوا يسمون ما أشكل على بعض الناس حتى فهم منه غير المراد: متشابهاً [15]. ويمكن استخلاص تعريف مناسب بأن يُقال: المشكل في الاصطلاح هو: كل ما التبس معناه على من فسره فلم يَعرف المراد منه إلا بالنظر والتأمل. ويكون تعريف مشكل القرآن هو: الآيات القرآنية التي التبس معناها على من فسرها فلم يَعرف المراد منها إلا بالنظر والتأمل [16].


[1] ينظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك 3/ 137، شذا العرف في فن الصرف للحملاوي ص 121 . [2] معجم مقاييس اللغة لابن فارس 3/ 204. [3] الزاهر في معاني كلمات الناس لابن الأنباري 2/ 151. [4] تهذيب اللغة للأزهري 10/ 25، وقد نقل هذه العبارة الأزهري عن أبي حاتم. [5] لسان العرب 7/ 176. [6] تاج العروس للزبيدي 29/ 276. [7] تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ص 102، وانظر: الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي 1/ 209، مفاتيح الغيب للرازي 7/ 181، اللباب في علوم الكتاب لابن عادل الدمشقي 5/ 32. [8] انظر: مشكل القرآن الكريم للمنصور ص 47. [9] مثل ابن قتيبة رحمه الله تكلم في علوم القرآن في كتابه ( تأويل مشكل القرآن ) وتكلم في علوم الحديث في كتابه ( تأويل مشكل الحديث )، ومثل الزركشي رحمه الله تكلم في أصول الفقه في كتابه ( البحر المحيط ) وتكلم في علوم القرآن في كتابه ( البرهان في علوم القرآن )، ومثل الشوكاني رحمه الله تكلم في أصول الفقه في كتابه ( ارشاد الفحول ) وتكلم في علوم القرآن في تفسيره ( فتح القدير )، ومثل الشنقيطي رحمه الله تكلم في أصول الفقه في كتابه ( مذكرة في أصول الفقه ) وتكلم في علوم القرآن في كتابه ( دفع إيهام الاضطراب ). [10] أصول السرخسي 1/ 168. [11] أصول الشاشي ص 24. [12] الاتقان في علوم القرآن للسيوطي 4/ 1470. [13] التعريفات للجرجاني ص 230. [14] شرح لمعة الاعتقاد لابن عثيمين ص7. [15] انظر: بيان تلبيس الجهمية لابن تيمية 8/ 499. [16] ينظر: مشكل القرآن للمنصور ص 77.



شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير