أرشيف المقالات

إعلام الساجد بفوائد وأحكام الحديث: لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد

مدة قراءة المادة : 13 دقائق .
2إعلام الساجد بفوائد وأحكام الحديث: ((لا تُشدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثة مساجد))
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على مَنْ لا نبيَّ بعده، وبعد: إن الحديث بلفظ: ((لا تُشدُّ الرحال...))؛ حديث صحيح مشهور، قد رواه أئمة الحديث بطرق كثيرة صحيحة، عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم؛ كـأبي هريرة، وأبي سعيد الخُدْري، وواثلة بن الأسقع وغيرهم.
ونكتفي هنا بإيراد حديث أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى ثلاثةِ مساجد: مسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى))؛ البخاري (1139)، واللفظ له، ومسلم (1397).   غريب الحديث وتحليله لغويًّا: ♦ قَوْله: ((لَا تُشَدُّ الرِّحَال)): نَفْي بِمَعْنَى النَّهْي، أَوْ نَهْي وَشَدُّ الرِّحَال كِنَايَة عَنْ السَّفَر[1]. قوله: ((الرِّحَال)): بِالْمُهْمَلَةِ، جَمْع رَحْل، وَهُوَ الْبَعِير؛ كَالسَّرْجِ لِلْفَرَسِ، كَنَّى بِشَدِّ الرِّحَال عَنْ السَّفَر؛ لِأَنَّهُ لَازِمه[2]. قوله: ((إِلَّا إِلَى ثَلاثة مَسَاجِد)): اِسْتِثْنَاء مُفَرَّغ، وَالتَّقْدِير: لَا تُشَدُّ إِلَى مَوْضِع.
((مَسْجِد الْحَرَام)): بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِيَّة، وَيَجُوز الرَّفْع عَلَى الِاسْتِئْنَاف، وَهُوَ مِنْ إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصِّفَة؛ أَيْ: الْمَسْجِد الْحَرَام كَمَا فِي رِوَايَة أُخْرَى؛ أَيْ: الْمُحَرَّم، وَالْمُرَاد بِهِ جَمِيع الْحَرَم عَلَى الصَّحِيح.
((وَمَسْجِدِي هَذَا)): الْمُرَاد بِهِ مَسْجِد الصَّلاة خَاصَّة، لَا كُل الْحَرَم. ((وَمَسْجِد الْأَقْصَى)): هُوَ أَيْضًا مِنْ إِضَافَة الْمَوْصُوف إِلَى الصِّفَة، وَالْمُرَاد بِهِ: بَيْت الْمَقْدِس، وَسُمِّيَ الْأَقْصَى؛ لِبُعْدِهِ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام فِي الْمَسَافَة.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيُّ الدِّين السُّبْكِيُّ: لَيْسَ فِي الْأَرْض بُقْعَة لَهَا فَضْل لِذَاتِهَا حَتَّى تُشَدَّ الرِّحَال إِلَيْهَا لِذَلِكَ الْفَضْل غَيْر الْبِلَاد الثَّلَاثَة، وَأَمَّا غَيْرهَا مِنْ الْبِلاد فَلا تُشَدُّ إِلَيْهَا لِذَاتِهَا؛ بَلْ لِزِيَارَةٍ، أَوْ جِهَاد، أَوْ عِلْم، أَوْ نَحْو ذَلِكَ[3].   شرح الحديث مختصرًا: السائرون إلى الله القادمون عليه من المسافرين، ثلاثة أصناف، فتخصيص هؤلاء من بين العابدين لاختصاص السفر بهم عادة، والحديث إما بعد انقطاع الهجرة، أو قبلها؛ لكن ترك ذكرها لعدم دوامها، والسفر للعلم لا يطول غالبًا، فلم يذكروا السفر إلى المساجد الثلاثة المذكورة في حديث ((لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد)) ليس بمثابة السفر إلى الحج ونحوه، فترك، ويحتمل ألَّا يُراد بالعدد الحصر، والله تعالى أعلم[4].
قال الخطابي: ((لا تُشَدُّ الرحال إلَّا لثلاثة...))، وهو مُقيَّد لمطلق الزيارة، وقد خص بمخصصات، منها: زيارة القبر الشريف النبوي المحمدي على صاحبه أفضل الصلاة والتسليم، وفي ذلك خلاف بين العلماء، وليس قصد المشي إلى القبر ليفعل الدعاء عنده فقط؛ بل جعل الزيارة تابعة لذلك..."[5].
واختار ابن تيمية أيضًا أن السفر لزيارة قبر النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المبارك غير جائز؛ بل يريد السفر إلى المسجد النبوي، ثم إذا بلغ المدينة يستحبُّ له زيارة القبر المبارك[6].   أحكام الحديث وفوائده: 1- فيه أن المراد أن الفضيلة التامة إنما هي في شدِّ الرِّحال إلى هذه المساجد، بخلاف غيرها؛ فإنه جائز، وقع في رواية لأحمد بلفظ: ((لا ينبغي للمطي أن تعمل...))، وهو لفظ ظاهر في غير التحريم.

2- ومنها أن النهي مخصوص بمن نذر على نفسه الصلاة في مسجد من سائر المساجد غير الثلاثة، فإنه لا يجب الوفاء به.

3- ومنها أن المراد حكم المساجد فقط، وأنه لا تُشَدُّ الرِّحال إلى مسجد من المساجد للصلاة فيه غير هذه الثلاثة، وأما قصد غير المساجد لزيارة صالح، أو قريب، أو طلب علم، أو تجارة، أو نزهة؛ فلا يدخل في النهي[7]، ويؤيده ما روى أحمد من طريق شهر بن حوشب، قال: سمِعْتُ أبا سعيد وذكر عنده الصلاة في الطور، فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا ينبغي للمصلي أن يشدَّ رحاله إلى مسجد تبتغى فيه الصلاة غير المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي)).
4- فلا يرد شدُّ الرحال إلى التجارة أو تحصيل العلم أو غيرهما، وشد الرِّحال كناية عن السفر لا مطلق الركوب بلا سفر، فلا يرد الإشكال بذهاب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أو أهل المدينة إلى مسجد قباء؛ إذ مثله لا يُسمَّى سفرًا، والله تعالى أعلم[8].
5- فيه تحريم شد الرحال للذهاب إلى قبور الصالحين والمواضع الفاضلة؛ فقال الشيخ أبو محمد الجويني إنه حرام، وهو الذي أشار القاضي عياض إلى اختياره[9].
وقال السبكي: "ليس في الأرض بقعة لها فضل لذاتها، حتى يسافر إليها لذلك الفضل؛ غير هذه الثلاثة، وأما غيرها فلا يسافر إليها لذاتها؛ بل لمعنى فيها من: علمٍ أو جهادٍ، أو نحو ذلك، فلم تقع المسافرة إلى المكان؛ بل إلى مَنْ في ذلك المكان"[10].
6- قال العيني: قوله: ((لا تُشَدُّ الرِّحال)) على صيغة المجهول بلفظ النفي بمعنى النهي، بمعنى: لا تَشُدُّوا الرِّحال، ونكتة العدول عن النهي إلى النفي؛ لإظهار الرغبة في وقوعه، أو لحمل السامع على الترك أبلغ حمل بألطف وجه، وقال الطبري: النفي أبلغ من صريح النهي؛ كأنه قال: لا يستقيم أن يقصد بالزيارة إلَّا هذه البقاع لاختصاصها بما اختصت به"[11].
7- قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا تُشَدُّ الرِّحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد...)) فيه أن أهل الجاهلية كانوا يقصدون مواضع معظمة بزعمهم يزورونها، ويتبرَّكون بها، وفيه من التحريف والفساد ما لا يخفى، فَسَدَّ النبي صلى الله عليه وسلم الفساد؛ لئلا يلتحق غير الشعائر بالشعائر، ولئلا يصير ذريعة لعبادة غير الله، والحق أن القبر ومحل عبادة ولي من أولياء الله والطور كل ذلك سواء في النهي[12].
8- ومنها أن المراد قصدها بالاعتكاف فيما حكاه الخطابي عن بعض السلف أنه قال: لا يعتكف في غيرها، وهو أخصُّ من الذي قبله، كذا في "فتح الباري"[13].

9- وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها؛ لكونها مساجد الأنبياء، ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم، والثاني كان قبلة الأمم السالفة، والثالث أُسِّس على التقوى[14].
10- فيه أن القول بشرعية شد الرحال لزيارة قبره صلى الله عليه وسلم يفضي إلى اتخاذه عيدًا، ووقوع المحذور الذي خافه النبي صلى الله عليه وسلم؛ من الغلو والإطراء، كما قد وقع الكثير من الناس في ذلك بسبب اعتقادهم شرعية شد الرحال لزيارة قبره عليه الصلاة والسلام[15].
11- واستدل به على أن مَنْ نذر إتيان أحد هذه المساجد، لزمه ذلك، وبه قال مالك، وأحمد، والشافعي، والبويطي، واختاره أبو إسحاق المروزي، وقال أبو حنيفة: لا يجب مطلقًا، وقال الشافعي: في "الأُم": يجب في المسجد الحرام لتعلُّق النُّسُك به بخلاف المسجدين الآخرين، وهذا هو المنصور لأصحاب الشافعي، وقال ابن المنذر: يجب إلى الحرمين وأما الأقصى فلا، واستأنس بحديث جابر أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني نذرت أن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس، قال: ((صَلِّ ها هُنا)).
وقال ابن التيِّن: الحجة على الشافعي أن إعمال المطي إلى مسجد المدينة والمسجد الأقصى والصلاة فيهما قربة، فوجب أن يلزم بالنذر؛ كالمسجد الحرام؛ انتهى، وفيما يلزم من نذر إتيان هذه المساجد تفصيل وخلاف يطول ذكره، ومحله كتب الفروع[16].
12- كل ما يُروى في هذا الباب من الأحاديث التي يحتجُّ بها مَنْ قال بشرعية شدِّ الرحال إلى قبره عليه الصلاة والسلام، فهي أحاديث ضعيفة الأسانيد؛ بل موضوعة، كما قد نبَّه على ضعفها الحُفَّاظ؛ كالدارقطني، والبيهقي، والحافظ ابن حجر وغيرهم، فلا يجوز أن يعارض بها الأحاديث الصحيحة الدالة على تحريم شدِّ الرحال لغير المساجد الثلاثة.
وإليك أيها القارئ شيئًا من الأحاديث الضعيفة في هذا الباب؛ لتعرفها وتحذر الاغترار بها: الأول: ((مَنْ حَجَّ ولم يزرني فقد جفاني)). والثاني: ((مَنْ زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي)). الثالث: ((مَنْ زارني وزار أبي إبراهيم في عام واحد، ضمنت له على الله الجنة)). الرابع: ((مَنْ زار قبري، وجبت له شفاعتي)).
فهذه الأحاديث وأشباهها لم يثبت منها شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال الحافظ ابن حجر في "التلخيص" - بعد ما ذكر أكثر الروايات -: طرق هذا الحديث كلها ضعيفة.
13- فيه أن السفر إلى هذه المساجد الثلاثة بنية الفرار والهرب من سبب مشوش للدِّين جائز، وذلك أيضًا حسن؛ فالفرار مما لا يُطاق من سُنَن الأنبياء والمرسلين، وقد كان من عادة السلف رضي الله عنهم مفارقة الوطن خيفة من الفتن، وإلى هذه البقع المباركة من باب أولى[17].
14- فيه أن الحكمة مِنْ شد الرحال إلى هذه المساجد الثلاثة يصلُح فيه قلب الراحل، ويَسلَم له دينُه، ويستقام فيه حاله؛ فهذه المواضع هي أفضلها للمؤمن.


[1] حاشية السندي على ابن ماجه (3/ 198). [2] انظر أيضًا: الآثار؛ لأبي يوسف القاضي (ص/ 95-الشاملة). [3] حاشية السيوطي على سنن النسائي (1/ 490). [4] حاشية السندي على سنن النسائي (5/ 113). [5] الغنية عن الكلام وأهله للخطابي (ص/ 83). [6] العرف الشذي (1/ 382). [7] المصدر السابق. [8] حاشية السندي على صحيح البخاري (1/ 178). [9] سبل السلام؛ للصنعاني (4/ 114). [10] شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك (1/ 320). [11] عمدة القاري؛ للعيني (11/ 453). [12] عون المعبود (6/ 13). [13] تحفة الأحوذي (2/ 241). [14] فتح الباري (3/ 65). [15] فتاوى ابن باز (16/ 113). [16] المصدر السابق. [17] موعظة المؤمنين من إحياء علوم الدين (ص/ 238) بتصرُّف يسير.



شارك الخبر

مشكاة أسفل ١