أرشيف المقالات

أحكام المصافحة

مدة قراءة المادة : 31 دقائق .
2أحكام المصافحة
الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ولا إله سواه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي اصطفاه واجتباه وهداه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد: فإن المصافحة لها أحكام شرعية، أحببتُ أن أُذكِّر بها نفسي وأحبائي طلاب العلم الكرام، فأقول وبالله تعالى التوفيق: معنى المصافحة: المصافحة: إلصاق صفحة الكف بالكف، وإقبال الوجه على الوجه؛(النهاية في غريب الحديث؛ لابن الأثير، جـ3 صـ:34).
فضل المصافحة: شريعتنا الإسلامية المباركة تحثُّنا دائمًا على المودة والمحبة فيما بيننا؛ ولذا حثنا نبينا صلى الله عليه وسلم على المصافحة عند اللقاء؛ لأنها تُذهب الحقد والعداوة من بين المسلمين: (1) روى أحمد عن أنس بن مالك، قال: لما جاء أهل اليمن، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قد أقبل أهل اليمن، وهم أرقُّ قلوبًا منكم))، قال أنس: فهم أول من جاء بالمصافحة؛ (حديث صحيح)؛ (مسند أحمد، جـ20، رقم 13212).
(2) روى أبو داود عن البراء بن عازب، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ما من مسلمَينِ يلتقيان فيتصافحان، إلا غفَر لهما قبل أن يفترَّقا))؛ (حديث صحيح)؛ (صحيح أبي داود؛ للألباني، حديث 4343).
هذا الحديث الشريف فيه تأكيدٌ لأمر المصافحة، والحث عليها، لإخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن الله تعالى يغفر للمتصافحين في مقامهما.
هل هناك أفضل من مغفرة الله تعالى لعباده؟! (3) روى البخاري عن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك: أكانت المصافحة في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: «نعم»؛ (البخاري، حديث 6263).
قال الإمام النووي (رحمه الله): المصافحة سُنَّة مُجمَع عليها عند التلاقي؛ (فتح الباري؛ لابن حجر، جـ11، صـ 55).
(4) روى مسلم عن كعب بن مالك (في معرض الحديث عن توبته بعد تخلُّفه عن غزوة تبوك) قال: "حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد وحوله الناس، فقام طلحة بن عبيدالله يهرول حتى صافحني وهنَّأني"؛ (مسلم، حديث 2769).
(5) روى مسلم عن حنظلة الأسيدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال ((والذي نفسي بيده، إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، ؛ ولكن يا حنظلةُ ساعة وساعة - ثلاث مرات))؛ (مسلم، حديث 2750).
(6) روى الطبراني عن حذيفة بن اليمان عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((إن المؤمن إذا لقي المؤمن فسلَّم عليه، وأخذ بيده، فصافحه، تناثرتْ خطاياهما كما يتناثر ورقُ الشجر))؛ (حديث حسن)؛ (السلسلة الصحيحة؛ للألباني، جـ2، حديث 526).
(7) روى البخاري (في الأدب المفرد) عن ثابت البناني: "أن أنس بن مالك كان إذا أصبح ادَّهن يدَه بدهن طيب، لمصافحة إخوانه"؛ (حديث صحيح)؛ (صحيح الأدب المفرد؛ للألباني، حديث: 774).
أقوال السلف الصالح في المصافحة: (1) روى البخاري (في الأدب المفرد) عن البراء بن عازب، قال: "من تمام التحية أن تصافح أخاك"؛ (حديث صحيح)؛ (صحيح الأدب المفرد؛ للألباني، حديث: 745).
(2) قال ابن بطال: "المصافحة حسنة عند عامة العلماء، وقد استحبَّها الإمام مالك بعد كراهته، وهي مما تنبت الود والمحبة"؛ (شرح البخاري؛ لابن بطال، جـ9، صـ44).
(3) قال عطاء الخراساني: "تصافحوا يذهب الغل، وتهادوا تحابُّوا تذهب الشحناء"؛ (الآداب الشرعية؛ لابن مفلح الحنبلي، جـ 2، صـ: 264).   (4) قال ابن عبدالبر، قال أبو مجلز: "المصافحة تجلب المودة"؛ (الآداب الشرعية؛ لابن مفلح الحنبلي، جـ 2، صـ: 264).   (5) قال البخاري: "صافح حماد بن زيد عبدالله بن المبارك بيديه"؛ (فتح الباري؛ للعسقلاني، جـ11، صـ58).
(6) قال الفضل بن زيادة: "صافحت أبا عبدالله أحمد بن حنبل غير مرة، وابتدأني بالمصافحة، ورأيته يُصافح الناس كثيرًا"؛ (الآداب الشرعية؛ لابن مفلح الحنبلي، جـ2، صـ257).
(7) قال النووي: "يُستحبُّ المصافحةُ عند التلاقي، وهي سُنَّةٌ بلا خلاف"؛ (مسلم بشرح النووي، جـ9، صـ115).
(8) قال ابن حجر العسقلاني: "قبَّل زيد بن ثابت يد ابن عباس حين أخذ ابن عباس بركابه"؛ (فتح الباري؛ للعسقلاني، جـ11، صـ59).
تقبيل يد العلماء وأهل الفضل: روى أبو داود، عن زارع - وكان في وفد عبدالقيس - قال: لَمَّا قدِمنا المدينة، فجعلنا نتبادر من رواحلنا، فنقبِّل يد النبي صلى الله عليه وسلم؛ (حديث حسن)؛ (صحيح أبي داود؛ للألباني، حديث 4353).
روى البخاري (في الأدب المفرد) عن عبدالرحمن بن رزين، قال: مررنا بالربذة (اسم مكان)، فقيل لنا: ها هنا سلمة بن الأكوع، فأتيناه فسلَّمنا عليه، فأخرج يديه، فقال: بايعت بهاتين نبي الله صلى الله عليه وسلم، فأخرج كفًّا له ضخمةً كأنها كفُّ بعير، فقُمنا إليها فقبَّلْناها؛ (حديث حسن)؛ (صحيح الأدب المفرد؛ للألباني، حديث 746).
هذان الحديثان يدلان على جواز تقبيل يد العلماء وأهل الفضل كالوالدين وغيرهم، بشرط ألَّا يكون هذا التقبيل عادة مستمرة، لكن في بعض الأحيان؛ قال الإمام النووي (رحمه الله): إذا أراد تقبيل يد غيره، إن كان ذلك لزهده وصلاحه أو علمه أو شرفه وصيانته، أو نحو ذلك من الأمور الدينية، لم يُكره، بل يستحبُّ، وإن كان لغناه ودنياه وثروته، وشوكته ووجاهته عند أهل الدنيا ونحو ذلك، فهو مكروهٌ شديد الكراهة؛ (الأذكار؛ للنووي، صـ330).
شروط تقبيل يد العلماء وأهل الفضل: قال الشيخ محمد ناصر الدين الألباني (رحمه الله): يجوز تقبيل يد العالم بشروط: 1 - ألا يتخذ عادة بحيث يتطبع العالم على مد يده إلى تلامذته، ويتطبع هؤلاء على التبرُّك بذلك؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم وإن قبلت يده، فإنما كان ذلك على الندرة، وما كان كذلك، فلا يجوز أن يجعل سنة مستمرة، كما هو معلوم من القواعد الفقهية.
2 - ألَّا يدعو ذلك إلى تكبُّر العالم على غيره، ورؤيته لنفسه كما هو الواقع مع بعض المشايخ اليوم.
3 - ألَّا يؤدي ذلك إلى تعطيل سنة معلومة؛ كسنة المصافحة، فإنها مشروعة بفعله صلى الله عليه وسلم، وقوله: ((وهي سبب تساقُط ذنوب المتصافحين))؛ كما رُوِي في غير حديث واحد، فلا يجوز إلغاؤها من أجل أمرٍ، أحسن أحواله أنه جائز؛ (السلسلة الصحيحة للألباني، جـ1، صـ252: صـ253).
أنواع المصافحة: تنقسم المصافحة إلى نوعين: مصافحة مستحبَّة، ومصافحة محرَّمة، وسوف أتحدَّث عنهما بإيجاز بعون الله تعالى وتوفيقه: أولًا: المصافحة المستحبَّة: يستحبُّ مصافحة الرجال بعضهم البعض، وكذلك مصافحة النساء بعضهن البعض، ويجوز للرجل أن يصافح محارمه من النساء البالغات.
ثانيًا: المصافحة المحرمة: يحرم مصافحة المرأة الأجنبية: المرأة الأجنبية: هي كل امرأة من غير المحارم، فيَحرُم مصافحة زوجة الأخ، وابنة العم، وابنة العمة أو ابنة الخال، أو ابنة الخالة، أو زوجة العم، أو زوجة الخال، أو زوجة ابن الأخ، أو زوج ابن الأخت، أو أخت الزوجة، أو زوجة الجار، أو ابنة الجار البالغة أو الزميلة في العمل أو زوجة الصديق، أو ابنته البالغة، وهكذا والأدلة على تحريم مصافحة المسلم البالغ العاقل للمرأة الأجنبية ما يلي: (1) روى الشيخان عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يمتحن مَنْ هاجر إليه من المؤمنات بهذه الآية؛ بقول الله: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ﴾ [الممتحنة: 12] إلى قوله: ﴿ غَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [الممتحنة: 12]، قال عروة: قالت عائشة: فمَنْ أقرَّ بهذا الشرط من المؤمنات، قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((قد بايعتك)) كلامًا، ولا والله ما مسَّت يده يد امرأة قط في المبايعة، ما يبايعهن إلا بقوله: ((قد بايعتك على ذلك))؛ (البخاري، حديث 4891) (مسلم، حديث 1866).
أقوال أهل العلم في هذا الحديث: قال الإمام النووي (رحمه الله) - وهو من علماء المذهب الشافعي -: "قولها: (والله ما مسَّت يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة قط غير أنه يبايعهن بالكلام) فيه أن بيعة النساء بالكلام من غير أخذ كف، وفيه أن بيعة الرجال بأخذ الكف مع الكلام، وفيه أن كلام الأجنبية يباح سماعه عند الحاجة، وأن صوتها ليس بعورة، وأنه لا يلمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة؛ كتطبُّب، وفصد وحجامة، وقلع ضرس، وكحل عين ونحوها مما لا توجد امرأة تفعله، جاز للرجل الأجنبي فعله للضرورة"؛ (مسلم بشرح النووي، جـ7، صـ15).
الرجل الأجنبي: هو أي رجل من غير محارم المرأة على التأبيد؛ قال ابن حجر العسقلاني (رحمه الله) - وهو من علماء المذهب الشافعي -: قوله صلى الله عليه وسلم: ((قد بايعتك كلامًا))؛ أي: يقول ذلك كلامًا فقط، لا مصافحةً باليد كما جرت العادة بمصافحة الرجال عند المبايعة)؛ (فتح الباري؛ للعسقلاني، جـ5، صـ505).
قال ابن حجر العسقلاني (رحمه الله): في الحديث منع لمس بشرة الأجنبية من غير ضرورة لذلك؛ (فتح الباري؛ للعسقلاني، جـ13، صـ204).
قال أبو زرعة ابن الحافظ العراقي: تعليقًا على هذا الحديث: وفي هذا الحديث أنه صلى الله عليه وسلم لم تمس يده قط يدَ امرأة غير زوجاته وما ملَكت يمينه، لا في مبايعة ولا في غيرها، وإذا لم يفعل هو ذلك مع عصمته وانتفاء الريبة في حقِّه، فغيره أَولى بذلك، والظاهر أنه كان يمتنع من ذلك لتحريمه عليه، فإنه لم يعد جوازه من خصائصه، وقد قال الفقهاء من أصحابنا وغيرهم: إنه يَحُرم مسُّ الأجنبية ولو في غير عورتها؛ كالوجه وإن اختلفوا في جواز النظر حيث لا شهوة، ولا خوف فتنة، فتحريم المس آكد من تحريم النظر، ومحل التحريم ما إذا لم تدع لذلك ضرورة، فإن كان ضرورة؛ كتطبيب وفصد وحجامة وقلع ضرس وكحل عين ونحوها، مما لا يوجد امرأة تفعله، جاز للرجل الأجنبي فعله للضرورة؛ (طرح التثريب، جـ6، صـ1751: صـ1752).
(2) روى مالك عن أميمة بنت رقيقة، أنها قالت: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نسوة بايعْنَه على الإسلام، فقلنا: يا رسول الله، نبايعك على ألَّا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببُهْتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيك في معروف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((فيما استطعتن، وأطقتن))، قالت: فقلنا: الله ورسوله أرحم بنا من أنفسنا، هلم نبايعك يا رسول الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إني لا أصافح النساء؛ إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة، أو مثل قولي لامرأة واحدة))؛ (حديث صحيح)؛ (موطأ مالك، جـ2، صـ982).
قال محمد الأمين الشنقيطي (رحمه الله): ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إني لا أصافح النساء))، والله يقول: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ ﴾ [الأحزاب: 21]، فيلزمنا ألا نصافح النساء اقتداءً به صلى الله عليه وسلم، وقال أيضًا: وفي كونه صلى الله عليه وسلم لا يُصافح النساء وقت البيعة دليلٌ واضح على أن الرجل لا يُصافح المرأة، ولا يمس شيء من بدنه شيئًا من بدنها؛ لأن أخف أنواع اللمس المصافحة، فإذا امتنع منها صلى الله عليه وسلم في الوقت الذي يقتضيها وهو وقت المبايعة، دلَّ ذلك على أنها لا تجوز، وليس لأحد مخالفته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه هو المشرِّع لأُمَّته بأقواله وأفعاله وتقريره؛ (أضواء البيان؛ للشنقيطي؛ جـ6، صـ602: صـ603).
(3) روى الطبراني عن معقل بن يسار، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لأن يُطعن في رأس أحدكم بمخيط من حديد، خيرٌ له من أن يمس امرأةً لا تحل له))؛ (حديث صحيح) (صحيح الجامع؛ للألباني، حديث 5045).
المخيط: ما يخاط به؛ كالإبرة والمسلَّة ونحوهما؛ قال الألباني (رحمه الله) تعليقًا على هذا الحديث الشريف: في الحديث وعيد شديد لمن مس امرأة لا تحلُّ له، ففيه دليلٌ على تحريم مصافحة النساء؛ لأن ذلك مما يشمله المسُّ دون شك، وقد بُلي بها كثير من المسلمين في هذا العصر، وفيهم بعض أهل العلم، ولو أنهم استنكروا ذلك بقلوبهم لهان الخطبُ بعض الشيء؛ لكنهم يستحلون ذلك بشتى الطرق والتأويلات؛ (السلسلة الصحيحة؛ للألباني، جـ1، صـ396).
(4) روى الطبراني عن عقيلة بنت عبيد بن الحارث أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((لا أَمَسُّ أيدي النساء))؛ (حديث صحيح)؛ (صحيح الجامع؛ للألباني، حديث 7177).
(5) روى الترمذي عن عبدالله عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ((المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان))؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي؛ للألباني، حديث 936).
استشرفها؛ أي: جمَّلها وزيَّنها في نظر من يراها من الرجال؛ قال محمد الأمين الشنقيطي (رحمه الله): المرأة كلها عورة، يجب عليها أن تحتجب؛ وإنما أمر بغضِّ البصر خوفَ الوقوع في الفتنة، ولا شك أن مسَّ البدن للبدن أقوى في إثارة الغريزة، وأقوى داعيًا إلى الفتنة من النظر بالعين، وكل منصف يعلم صحة ذلك؛ (أضواء البيان؛ للشنقيطي، جـ6، صـ603).
روى أحمد عن عبدالله بن عمرو بن العاص أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يُصافح النساء في البيعة؛ (حديث حسن)؛ (صحيح الجامع؛ للألباني، حديث 4856).
الروايات كلها تشير إلى أن البيعة كانت بالكلام، ولم يثبُت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صافح النساء في بيعة أو غيرها، ورسول الله صلى الله عليه وسلم عندما يمتنع عن مصافحة النساء مع أنه المعصوم، فإنما هو تعليم للأمة وإرشادٌ لها لسلوك طريق الاستقامة، وإذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الطاهر الفاضل الشريف، الذي لا يشك إنسان في نزاهته وطهارته، وسلامة قلبه، لا يصافح النساء، ويكتفي بالكلام في مبايعتهن، مع أن أمر البيعة أمرٌ عظيم الشأن، فكيف يُباح لغيره من الرجال مصافحة النساء، مع أن الشهوة فيهم غالبة، والفتنة غير مأمونة، والشيطان يجري فيهم مجرى الدم؟ (وكيف يزعم بعض الناس أن مصافحة النساء غير محرمة في الشريعة الإسلامية؟) ﴿ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: 16]!
شُبهات والرد عليها: سوف نذكر بعضًا من الشبهات التي احتج بها من أباح مصافحة النساء من غير المحارم مع ذكر الرد عليها، فنقول مستعينين بالله: الشبهة الأولى: احتجَّ بعض الناس على جواز مصافحة غير المحارم بما يلي: روى البخاري عن أم عطية رضي الله عنها، قالت: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقرأ علينا: ﴿ أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا ﴾ [الممتحنة: 12]، ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها، فقالت: أسعدتني فلانة، أريد أن أجزيها، فما قال لها النبي صلى الله عليه وسلم شيئًا، فانطلقت ورجعت، فبايعها؛ (البخاري، حديث 4892).
قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: عند التعليق على قول عائشة رضي الله عنها: والله ما مسَّت يدُه يدَ امرأة قَطُّ في المبايعة: فيه القسم لتأكيد الخبر وكأن عائشة أشارت بذلك إلى الردِّ على ما جاء عن أُمِّ عطية، فعند ابن خزيمة وابن حبان والبزار والطبري وابن مردويه من طريق إسماعيل بن عبدالرحمن، عن جدته أم عطية في قصة المبايعة، قال: فمدَّ يدَه من خارج البيت، ومددنا أيدينا من داخل البيت، ثم قال: ((اللهم اشهَد))، وكذا الحديث الذي بعده؛ حيث قالت فيه: "قبضت منا امرأة يدها"، فإنه يشعر بأنهن كنَّ يبايعنه بأيديهن، ويمكن الجواب عن الأول بأن مدَّ الأيدي من وراء الحجاب إشارة إلى وقوع المبايعة وإن لم تقع مصافحة، وعن الثاني بأن المراد بقبض اليد التأخُّر عن القبول أو كانت المبايعة تقع بحائل، فقد روى أبو داود في المراسيل عن الشعبي أن النبي صلى الله عليه وسلم حين بايع النساء أتى ببرد قطري، فوضعه على يده، وقال: ((لا أُصافِحُ النساء))؛ (فتح الباري؛ لابن حجر العسقلاني، جـ8، صـ505).
وقال الشيخ الألباني رحمه الله (تعليقًا على كلام ابن حجر العسقلاني): ثم ذكر بقية الأحاديث بمعناها، وكلها مراسيل لا تقوم الحجة بها، لا سيما وقد خالفت ما هو أصح منها، وجملة القول أنه لم يصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه صافح امرأة قطُّ حتى ولا في المبايعة، فضلًا عن المصافحة عند الملاقاة، فاحتجاج البعض لجوازها بحديث أم عطية الذي ذكرته مع أن المصافحة لم تذكر فيه، وإعراضه عن الأحاديث الصريحة في تنزُّهه صلى الله عليه وسلم عن المصافحة لأمر لا يصدر من مؤمنٍ مخلص، لا سيما وهناك الوعيد الشديد فيمن يمس امرأة لا تحل له؛ (السلسلة الصحيحة؛ للألباني جـ2، صـ65: صـ66).
الشبهة الثانية: احتج بعض الناس أيضًا بجواز مصافحة النساء غير المحارم بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم صافح النساء من غير المحارم، وعلى يديه ثوب، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه صافح النساء في البيعة نيابةً عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال القاضي أبو بكر بن العربي: وهو من علماء المذهب المالكي ردًّا على هذه الشبهة: وذلك ضعيف؛ وإنما ينبغي التعويل على ما في الصحيح؛ (أحكام القرآن؛ لأبي بكر بن العربي، جـ4، صـ1791).
وقال أبو زرعة بن الحافظ العراقي (رحمهما الله تعالى): وذكر بعض المفسِّرين أنه صلى الله عليه وسلم دُعي بقدح من ماء، فغمس فيه يده، ثم غمس فيه أيديهن، وقال بعضهم: ما صافحهن بحائل، وكان على يده ثوب قطري، وقيل: كان عمر رضي الله عنه يصافحْهُنَّ عنه، ولا يصح شيء من ذلك لا سيَّما الأخير، وكيف يفعل عمر رضي الله عنه أمرًا لا يفعله صاحب العصمة الواجبة؛ (طرح التثريب، جـ6، صـ1751).
يقول عبدالعزيز بن محمد السدحان: من المخالفات التي يتساهل كثيرٌ من النساء فيها، مصافحة غير المحارم، وهذا محرم لا يجوز، فهو باب إلى الفتنة والشر، وبعضهن يقلنَ: إن هذه عادة لا نستطيع تركها خشية الإنكار وكثرة العتاب لها، والجواب على مثل هذا الكلام أن يقال: قال الله تعالى: ﴿ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ﴾ [الطلاق: 2]، روى الترمذي عن عائشة قالت: سمِعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((مَن التمسَ رضاء الله بسخط الناس كفاه الله مؤنة الناس، ومن التمس رضاء الناس بسخط الله، وكَله الله إلى الناس))؛ (حديث صحيح)؛ (صحيح الترمذي؛ للألباني حديث 1967).
والعادات إذا خالفت أمر الله، فلا قيمة لها ولا وزن ولا التفات، ثم ذكر الأدلة من السنة على تحريم مصافحة المرأة لغير محارمها من الرجال الأجانب، مع ذكر أقوال العلماء من أهل المذاهب الأربعة المشهورة؛ (مخالفات النساء؛ لعبدالعزيز السدحان، صـ49: صـ53).
ومصافحة الرجال للمرأة الأجنبية مما طغت فيه بعض الأعراف الاجتماعية على شريعة الله في المجتمع، وعلا فيه باطل عادات الناس وتقاليدهم على حُكْم الله، حتى لو خاطبت أحدهم بحكم الشرع، وأقمت الحجة وبيَّنْت، اتَّهمك الناس بالرجعية والتعقيد وقَطْع الرَّحِم والتشكيك في النوايا الحسنة، وصارت مصافحة بنت العم وبنت الخال وبنت الخالة وزوجة الأخ وزوجة العم وزوجة الخال - أسهلَ في مجتمعنا من شرب الماء، ولو نظروا بعين البصيرة في خطورة الأمر شرعًا ما فعلوا ذلك.
فتاوى العلماء في مصافحة النساء: (1) قال محمد بن عبدالله بن مهران: إن أبا عبدالله أحمد بن حنبل سُئِل عن الرجل يُصافح المرأة، قال: لا وشدَّد فيه جدًّا، قلت: فيصافحها بثوبه، قال: لا؛ (الآداب الشرعية؛ لابن مفلح الحنبلي، جـ 2، صـ: 257).

(2) سُئل الشيخ: جاد الحق على جاد الحق (رحمه الله) (شيخ الأزهر السابق) عن سلوك المسلم أثناء فترة الخطبة، فبعد أن ذكر الأدلة من القرآن والسنة عن وجوب ستر المرأة لجميع جسدها مع تحريم النظر إليها من غير زوجها ومحارمها الذين بيَّنهم الله تعالى في الآية 31 من سورة النور، قال رحمه الله: كان مس شيء من جسدها مُحرَّمًا؛ لأنه أكثر إثارة للغرائز من النظر.
ولما كانت الخطبة من قبيل الوعد بالزواج ومن مقدماته، ولا يترتَّب أيُّ حقٍّ لطرفيها مما يُرتِّبه عقد الزواج، فإن الخاطب - كما في واقعة السؤال - يعتبر أجنبيًّا عن مخطوبته، ومن ثم فلا يجوز له أن يخلوَ بها، ولا يمس جسدها؛ (فتاوى دار الإفتاء المصرية، جـ10، رقم 1309، صـ3587: صـ3589).
(3) سئل الشيخ عبدالعزيز بن باز (رحمه الله) عن مصافحة النساء للرجال الأجانب؟ فأجاب رحمه الله تعالى: المصافحة للنساء اللاتي لسن محارمَ للرجل لا تجوز؛ لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال حين بيعتِه للنساء: ((إني لا أُصافِحُ النساء))، وثبت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: (والله ما مسَّتْ يَدُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يَدَ امرأةٍ قطُّ، ما كان يبايعهن إلَّا بالكلام، وقد قال الله تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21]، ولأن المصافحة للنساء من غير محارمهنَّ من وسائل الفتنة للطرفين، فوجب تركها، أما السلام من دون مصافحة ولا ريبة، ولا خضوع بالقول، فلا بأس به؛ لقول الله تعالى: ﴿ يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا ﴾ [الأحزاب: 32]، ولأن النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كن يسلمن عليه ويستفتينه فيما يشكل عليهنَّ، وهكذا كانت النساء يستفتين أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيما يشكل عليهن، أما مصافحة المرأة للنساء ولمحارمها من الرجال؛ كأبيها وأخيها وعمِّها، وغيرهم من المحارم، فليس في ذلك بأس، (فتاوى المرأة، جـ2، إعداد محمد المسند، صـ77: صـ78).
(4) سئل الشيخ: عبدالعزيز بن باز (رحمه الله) عن مصافحة المرأة الأجنبية إذا كانت عجوزًا أو كانت تضع على يدها حاجزًا من ثوب ونحوه؟ فأجاب (رحمه الله) قائلًا: لا تجوز مصافحة النساء غير المحارم مطلقًا، سواء كنَّ شابَّاتٍ أم عجائزَ، وسواء كان المصافح شابًّا أم شيخًا كبيرًا؛ لما في ذلك من خطر الفتنة لكل منهما، ولا فرق بين كونها تصافحه بحائل أو بغير حائل؛ لعموم الأدلة، ولسدِّ الذرائع المفضية إلى الفتنة، والله وليُّ التوفيق؛ (مجلة البحوث الإسلامية، عدد 38، صـ131: صـ132).
(5) سئل الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين (رحمه الله): هل يجوز مصافحة النساء الأقارب من وراء حائل؟ فأجاب (رحمه الله): النساء الأقارب إن كن محارِم للإنسان - يعني: من المحرَّمات عليه في النكاح - فإنه يجوز له أن يصافحهن من وراء حائل ومباشرة؛ لأن المحرم يجوز أن ينظر من المرأة التي هو مَحْرَم لها وجهها وكفَّيها وقدميها، وما ذكره أهل العلم في ذلك، وأما إذا كانت القريبة ليست مَحْرمًا، فإنه لا يجوز أن يصافحها، ولا بحائل ولا دونه حتى لو كانت من عادتهم أن يصافحوهنَّ، فإنه يجب على المرء أن يبطل تلك العادة؛ لأنها مخالفة للشرع، فإن المس أعظم من النظر، وتحرُّك الشهوة بالمس أعظم من تحركها بالنظر غالبًا، فإذا كان الإنسان لا ينظر إلى كف امرأة ليست من محارمه، فكيف يقبض على هذا الكف؟! (الفتاوى النسائية؛ لابن عثيمين، صـ14، السؤال رقم 10).
(6) فتوى اللجنة الدائمة بالسعودية: يقول السائل: هل يجوز لي أن أُسلم على زوجة خالي (أخي والدتي)، مع العلم أنني رضعت مع خالي من جدتي أم يَحرُم لكونها غير مَحْرَم لي؟ فأجابت اللجنة الدائمة: لا يجوز لك أن تمس يدُكَ زوجةَ خالك سواء ثبت رضاعك من جدتك أو لم يثبُت؛ لأنك أجنبي؛ أي: لست مَحْرمًا لها، أما سلام السنة الذي باللسان فيجوز.
قالت عائشة رضي الله عنها في تفسير آية مبايعة: قد بايعتك على ذلك؛ رواه البخاري، وعن أميمة بنت رقيقة رضي الله عنها، قالت أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في نساء لنبايعه، قلنا: يا رسول الله، ألا تصافحنا؟ قال: ((إني لا أصافح النساء؛ إنما قولي لامرأة واحدة قولي لمائة امرأة))؛ رواه أحمد بسند صحيح؛ (فتاوى اللجنة الدائمة، جـ3، صـ346).
(7) سئل الشيخ عبدالله الجبرين: هل تأثم المرأة إذا صافحت رجلًا وهي ترتدي قفازًا؟ فأجاب فضيلته: لا يجوز للمرأة أن تُصافح الأجانب منها غير المحارم ولو كانت قد لبست قفازًا وصافحت من وراء الكم أو العباءة، فكله مصافحة ولو من وراء حائل؛ (فتاوى المرأة المسلمة، إعداد إبراهيم أمين محمد، صـ318).
(8) سئل الدكتور محمد إبراهيم الحفناوي (وكيل كلية الشريعة بجامعة الأزهر): هل تجوز المصافحة عند رؤية الخاطب لمخطوبته؟ فأجاب فضيلته: لا تجوز المصافحة لأي امرأة أجنبية، ومن يريد الخاطب مصافحتها أجنبية عنه، فلا يجوز مسُّ جزء من جسدها إلا بعد العقد؛ (الزواج؛ للدكتور محمد إبراهيم الحفناوي، صـ66).
(9) فتوى مجمع الفقه بمنظمة المؤتمر الإسلامي في الدورة الثالثة عام 1407 هـ الموافق 1987: (مصافحة الرجل المرأة الأجنبية البالغة ممنوعة شرعًا، وكذلك العكس؛ (موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة؛ للدكتور على السالوس صـ765). أسألُ الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله ذخرًا لي عنده يوم القيامة ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾[الشعراء: 88، 89]، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.



شارك الخبر

المرئيات-١