أرشيف المقالات

تفسير الربع الأول من سورة ص

مدة قراءة المادة : 12 دقائق .
2سلسلة كيف نفهم القرآن؟ [1] تفسير الربع الأول من سورة ص
الآية 1، والآية 2، والآية 3: ﴿ص﴾: سَبَقَ الكلام على الحروف المُقطَّعة في أول سورة البقرة. ﴿وَالْقُرْآَنِ ذِي الذِّكْرِ﴾ (يُقسِم الله تعالى بالقرآن الذي يَذكُرُ الناسُ به ربهم، والمشتمل على تذكيرهم بما هم عنه غافلون) (هذا هو القسم، وأما الشيء الذي يَقسم الله عليه فهو محذوف بَلاغةً (لأنه يُفهَم من الآية التي بعده)، وتقديره: (ما الأمر كما يَزعم هؤلاء المشركون مِن أن النبي ساحر وشاعر ومجنون) ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ يعني: ولكنّ الكافرين في تكبُّر عن الانقياد للحق ﴿وَشِقَاقٍ﴾ أي عداوة ومخالَفة للحق، (فلذلك قالوا في الرسول تلك الاتهامات الباطلة، وإلاّ فهُم يعلمونَ يَقيناً أنه أبعد الناس عن السحر والشعر والكذب والجنون)، ألم يروا ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ﴾ يعني إننا أهلكنا الكثير من الأمم المُكَذِبة قبل هؤلاء المشركين ﴿فَنَادَوْا﴾: أي استغاثوا حين جاءهم العذاب، ونادوا بالتوبة ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ يعني:وليس وقت مَفَرّ (يعني ليس الوقت وقت فرار مما أصابهم، وليس الوقت وقت توبة)، (ألاَ فليَحذر كفار قريش أن يصيبهم ما أصاب المُكَذِبين قبلهم).
الآية 4، والآية 5: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾: أي تَعَجَّبَ كفار مكة مِن أنّ الله قد بَعَثَ إليهم بَشَراً منهم (وهو محمد صلى الله عليه وسلم) الذي يعرفون صِدقه ونَسَبه؛ ليدعوهم إلى توحيد الله وطاعته، ويُخوَّفهم مِن عذابه إن أشركوا به وعصوه، ﴿وَقَالَ الْكَافِرُونَ﴾ عِناداً واستكباراً: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾ ﴿أَجَعَلَ الْآَلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا﴾: يعني كيف يَزعم أنّ الآلهة الكثيرة صارت إلهًا واحدًا؟ ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾ يعني إنّ الذي جاء به لَشيئٌ شديد العجب.
الآية 6، والآية 7، والآية 8: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ﴾ أي انطلق رؤساء القوم يُحَرِّضون قومهم على الاستمرار على الشرك، وأن يَصبروا على تعَدُّد الآلهة، ويقولون لهم: ﴿إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ يعني إنّ ما جاء به محمد شيءٌ مُدبَّر، يَقصد منه السيادة عليكم، و﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآَخِرَةِ﴾: أي ما سمعنا بما يدعو إليه في دين آبائنا من قريش، (وعلى هذا يكون المقصود بالمِلّة الآخِرة: أي المُدّة الزمنية الأخيرة القريبة منهم، وهي آخِر عَهْدهم بدين آبائهم)، وقال كفار قريش: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ يعني:ما هذا إلا كَذِبٌ وافتراء، ﴿أَؤُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ يعني هل اختصه الله بإنزال القرآن مِن بيننا، وهو ليس بأكبرنا سِنًّا ولا بأشرفنا نسباً؟!، قال تعالى:﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ (وهو القرآن) رغم وضوحه وقوة حُجَّته وبيانه، ﴿بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ﴾: يعني بل إنهم لم يذوقوا عذابي بعد، إذ لو ذاقوه: ما تجرؤوا على ما قالوه، (ويُحتمَل أن يكون المقصود: بل عندما يذوقونَ عذابي، سيعلمون أنه حق).
الآية 9: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ﴾: يعني أم هم يَملكون خزائن فضل ربك ﴿الْعَزِيزِ﴾ في سُلطانه ومُلكه، ﴿الْوَهَّابِ﴾ الذي يَهَب ما يشاءُ مِن فضله لمن يشاءُ مِن خلقه؟! والجواب: (إنهم لا يملكون شيئاً من ذلك)، إذاً فكيف يَعترضون على إعطاء اللهِ النُبُوّةَ لمحمد صلى الله عليه وسلم واختياره مِن بينهم؟! أليس الله بأعلم بمن يستحق ذلك الفضل مِن خلقه؟!   من الآية 10 إلى الآية 14: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ فيُعطوا ويَمنعوا كما يشاؤون؟! إنْ كانَ لهم شيئٌ من المُلك - على سبيل الفرض - ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ أي: فلْيأخذوا بالأسباب الموصلة لهم إلى السماء، ثم ليأتوا بالوحي فيَخُصُّوا به مَن شاؤوا، أو يَمنعوا نزوله على نبينا محمد!   ♦ ثم وَعَدَ الله رسوله بالنصر عليهم (تصبيراً له على تكذيبهم وعِنادهم)، فقال: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾: يعني هؤلاء الجُند المحاربونَ للحق هم جندٌ مهزومون، وسيَصيرون مِن جملة الأحزاب الذين هُزِموا قبلهم، فقد ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ ﴿وَعَادٌ﴾ (وهم قوم هود)، ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ أي صاحب القوة العظيمة، (وقيل إنه كان له أربعة أوتاد يَربط فيها مَن أراد تعذيبه)، ﴿وَثَمُودُ﴾ (وهم قوم صالح)، ﴿وَقَوْمُ لُوطٍ﴾، ﴿وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ (وهم قوم شعيب) (والأيْكة هي المدينةِ ذات الأشجار والبساتين)، ﴿أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ﴾: يعني هذه الأمم هي التي تحزَّبتْ - أي اجتمعت - على الكفر والتكذيب، ﴿إِنْ كُلٌّ﴾ يعني: ما من أحدٍ مِن هذه الأمم ﴿إِلَّا كَذَّبَ الرُسُل﴾: أي كَذَّبَ رسوله الذي جاءه ﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾: أي فاستحقوا بذلك عقابي، ونَزَلَ بهم عذابي.
الآية 15: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾: يعني ما يَنتظر هؤلاء المشركون - إنْ بَقَوا على شِركهم ولم يتوبوا - إلا نفخةً واحدة ﴿مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ﴾: يعني ما لها مِن رجوع، (وقد تابَ كثيرٌ منهم والحمدُ لله).
الآية 16: ﴿وَقَالُوا﴾ أي قال مُشرِكو مكة: ﴿رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ﴾: يعني عَجِّل لنا نصيبنا من العذاب في الدنيا قبل يوم القيامة، (وهم لا يؤمنون بيوم القيامة أصلاً، وإنما قالوا هذا استهزاءً وتكذيباً).
الآية 17: ﴿اصْبِرْ﴾ - أيها الرسول - ﴿عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ من الكفر والاستهزاء، ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ أي صاحب الشدة على أعداء الله، والصبر والقوة في طاعة الله (فقد كان ينام نصف الليل ويقوم ثلثه وينام سدسه، وكان يصوم يوماً ويُفطِرُ يوماً) (والحديث في الصحيحين)، فاذكره أيها الرسول عند تكذيب قومك لك، لتقتدي به في صَبْره وقوّته في الحق، ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾: أي كثير الرجوع إلى الله تعالى، فيُكثِرُ التوبةَ مِن التقصير، ويُحاسب نفسه على كل ما يَصدر منها.   الآية 18، والآية 19، والآية 20: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ﴾ أي تُرَدّد تسبيحه إذا سبَّحَ اللهَ تعالى ﴿بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ﴾ يعني آخر النهار وأوّله، ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً﴾: أي جَعَلنا الطير مجموعةً إليه، تُسَبِّح معه على شكل جماعات، ﴿كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾: أي كُلٌّ من الجبال والطير وداوود طائعٌ لله تعالى، راجعٌ إليه بتسبيحه وذِكْره، ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ أي قوَّينا مُلك داوود بإعطائه كل أسباب القوة المادية والإيمانية ﴿وَآَتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ وهي النُبُوّة والسَداد في الأقوال والأفعال ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾: يعني أعطيناه الفصل في خُصومات الناس (أي الحُكم بين الناس في خصوماتهم بكلامه الفاصل بين نِزاعاتهم بالعدل، وهو المعروف بفِقه القضاء).   الآية 21، والآية 22، والآية 23: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ﴾ يعني: وهل جاءك أيها الرسول خبر المُتخاصِمَين ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ أي حينَ تسَلقوا سور المحراب (وهو المكان الذي يصلي فيه داوود) ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ﴾ في مكان عبادته، ﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، فـ ﴿قَالُوا﴾ له: ﴿لَا تَخَفْ﴾ فنَحنُ ﴿خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ أي ظَلَمَ أحدنا الآخر ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ﴾ ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾: أي لا تَظلمنا في الحُكم ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾: يعني أرشِدنا إلى طريق الاستقامة، ثم قال له أحدهما:﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ (والنَعجة هي أنثى الضأن)، ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ (فطَمِعَ فيها أخي) ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ يعني أعطِني إياها، ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾: أي غَلَبني في الكلام والجدال فأخَذها مني.
الآية 24: ﴿قَالَ﴾ له داوود - دونَ أن يستمع إلى حُجّة الآخَر -: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ﴾: يعني لقد ظلمك أخوك عندما طلب منك ضَمّ نعجتك الواحدة إلى نعاجه الكثيرة ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ أي الشركاء ﴿لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أي يَعتدي بعضهم على بعضٍ بالظلم وأخْذ الحقوق ﴿إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فلا يَظلم بعضهم بعضاً، ﴿وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾ يعني:وهم قليلون، (وهنا طارَ الخَصمان من بين يدي داوود صاعدينَ إلى السماء، فعندئذٍ عَلِمَ أن الله تعالى قد اختبره، وأنّ هذين الخَصمين كانا مَلَكين)، قال تعالى:﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ يعني أيْقَنَ داوود أننا اختبرناه بهذه الخُصومة ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ﴾ (لأنه لم يستمع إلى الطرفين، بل حَكَمَ بمجرد الاستماع إلى أحدهما) ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾: أي سَجَدَ خاضعاً لله تعالى، ﴿وَأَنَابَ﴾ أي رجع إليه تائباً من ذنبه.
الآية 25، والآية 26: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ أي ذلك الخطأ الذي وقع فيه، ﴿وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى﴾ أي منزلة عالية ﴿وَحُسْنَ مَآَبٍ﴾ يعني: وأعددنا له حُسن المصير في الآخرة (وهي الدرجات العالية في الجنة)، وقلنا له: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ أي استخلفناك في الأرض وجعلناك حَكَماً بين الخلق ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ أي بالعدل ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ (وهو ما تميل إليه النفس أو تشتهيه أو تتعاطف معه)، فلا تَتَّبع شيئاً من ذلك أثناء الحُكم ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي حتى لا يُضلك الهوى عن دين الله وشَرْعه، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في النار ﴿بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾: أي بسبب غفلتهم عن يوم الحساب.


[*] وهي سلسلة تفسير لآيات القرآن الكريم، وذلك بأسلوب بسيط جدًّا، وهي مُختصَرة من (كتاب:"التفسير المُيَسَّر" (بإشراف التركي)، وأيضًا من "تفسير السّعدي"، وكذلك من كتاب:" أيسر التفاسير" لأبي بكر الجزائري) (بتصرف)، عِلمًا بأنّ ما تحته خط هو نص الآية الكريمة، وأما الكلام الذي ليس تحته خط فهو تفسير الآية الكريمة. • واعلم أن القرآن قد نزلَ مُتحدياً لقومٍ يَعشقون الحَذفَ في كلامهم، ولا يُحبون كثرة الكلام، فجاءهم القرآن بهذا الأسلوب، فكانت الجُملة الواحدة في القرآن تتضمن أكثر مِن مَعنى:(مَعنى واضح، ومعنى يُفهَم من سِيَاق الآية)، وإننا أحياناً نوضح بعض الكلمات التي لم يذكرها الله في كتابه (بَلاغةً)، حتى نفهم لغة القرآن.




شارك الخبر

فهرس موضوعات القرآن