أرشيف المقالات

السهولة والجزالة من خصائص البلاغة النبوية

مدة قراءة المادة : 4 دقائق .
2السهولة والجزالة من خصائص البلاغة النبوية
هاتان سِمَتان فنيتان رصينتان، تزيدان النص جمالًا وروعة، فبعد تتبُّع الأحاديث النبوية ومراجعتها مراجعة متواضعة، وُجِد أن أكثرية هذه الأحاديث تتصف بهاتين الصفتين الحميدتين..
فالأحاديث النبوية عامة هي موصوفة بالسهولة والجزالة والبساطة والقوة؛ لأنه لا يقصد بكلامه شيئًا سوى الإبلاغ وبث الفضيلة في مسامع الصحابة، فلم يخرج بكلامه عن المدار الأصيل للغة، وهو الفهم والإفهام، وهذه الخاصية الحميدة، والسمة الرفيعة، يجب أن يتصف بها الداعية لتحقيق مقاصده ورغائبه المنشودة في إطار دعوته الإسلامية.   وتجدر الإشارة إلى أن أحاديث الأحكام والقوانين أسهلُ عبارة، وأبسط تركيبًا من غيرها، "فالسهولة في الألفاظ والبساطة في التعبير، وعدم الاستغلاق المعاني - سمته السائدة، لا سيما في أحاديث الأحكام والقوانين الشرعية[1]؛ مثل: حديث عائشة رصي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الرضاعة تُحرِّم ما تحرِّم الولادة))[2].   فعبارة هذا الحديث سهلة عذبة، يفهَمها العالي والداني، ويستنبط منها العالمُ والطالب حكمًا شرعيًّا؛ لأن الحديث يشتمل على قضية يفتقر إليها العامة، فصلاة الله وسلامه على من يخاطب حسب مقتضى الحال.   وتظهر جزالة أسلوبه، وسهولة عبارته، وبساطة ألفاظه، وقوة تراكيبه - جَليَّة في حديث المغيرة بن شعبة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله حرَّم عليكم عقوق الأمهات، ومنعًا وهاتِ، وكرِه لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال))[3].   يتجلَّى حُسن تحقُّقه في استعمال الكلمات السهلة الجزلة، الموحية إلى أغراض منشودة مربوطة بنفسية المخاطب وعواطفه؛ فإذا نظرت إلى بعض المفردات الموجودة في هذا الحديث - مثل كلمة "عقوق"، وكلمة "وأد"، وكلمة "إضاعة" - فإنها توحي إلى ما لا توحي إليه غيرها من المفردات العربية المتقاربة لها في المعنى والدلالة؛ حيث إن كلمة العقوق وحدها تدل على الإساءة والتضييع لحقهم وعدم البر والطاعة، ولا يمكن أن تنوب واحدة من هذه الكلمات محل كلمة العقوق، وتؤدي ما تقوم به كلمة "العقوق" من الدلالة، مع ذلك لا يحتاج الطالب إلى مراجعة القاموس لاكتشاف معنى مفردات الحديث؛ لأنها لم تكن غريبة وحشية، ولا سوقية متدانية.   فالكلام عن خصائص البلاغة النبوية لا ينتهي في هذه العجلة، إلا أن يخص الطالب بحثًا مستقلًّا لدراسة خصائص بلاغته صلوات الله وسلامه عليه، وإن كان موضوعنا الحالي جزءًا من هذه الخصائص المتراكمة في أحاديثه.


[1] اللأوي لقمان، من خصائص أسلوب النبوي، ورقة الندوة قدمت لقسم اللغة العربية في جامعة عثمان بن فودي صكتوا نيجيريا، ص16. [2] أخرجه البخاري، (باب ما ينهى عن إضاعة المال ......)، رقم2277، ج2، ص848. [3] أخرجه البخاري، في صحيحه "باب عقوق الوالدين من الكبائر....."، ج5، ص 2229، ومسلم في "باب النهي عن كثرة المسائل....."، ج3، ص 1340.



شارك الخبر

مشكاة أسفل ١