أرشيف المقالات

كل شيء هالك إلا وجهه (سلسلة آيات العقيدة المتوهم إشكالها "14")

مدة قراءة المادة : 14 دقائق .
2سلسلة آيات العقيدة المتوهم إشكالها (14) ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ [القصص: 88]   وفيه ثلاثة مطالب: المطلب الأول: بيان وجه الإشكال في الآية. المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال. المطلب الثالث: الترجيح. ♦   ♦   ♦
المطلب الأول: بيان وجه الإشكال في الآية: ﴿ وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ [القصص: 88]. يتمثل وجه توهم الإشكال في قوله تعالى: ﴿ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾؛ حيث ورد عن بعض السلف تفسير الآية بغير صفة الوجه، فهل يصحُّ تفسيرها بذلك؟[1].   هذا ما أحاول الجواب عنه في المطالب التالية: المطلب الثاني: أقوال أهل العلم في هذا الإشكال: اختلف أهل العلم في هذه المسألة على أقوال أهمها: القول الأول: أن المراد بهذه الآية صفة الوجه لله عز وجل، وممن قال بذلك الشافعي[2]، والدارمي[3]، والطبري[4]، وابن خزيمة[5]، وقول للبخاري[6]، واللالكائي[7]، والملطي[8]، والسمعاني[9]، وابن أبي يعلى[10]، والأصبهاني[11]، وقول لابن تيمية[12]، وقول لابن كثير[13]، وابن أبي العز[14]، والشنقيطي[15]، وابن عثيمين[16].   القول الثاني: أن المراد بهذه الآية: كل شيء باطل إلا ما أُريد به وجه الله. وممن قال بهذا القول مجاهد[17]، وأبو العالية[18]، والثوري[19]، وقول لابن تيمية[20]، وابن القيم[21]، وينسب إلى ابن عباس[22]، وللبخاري[23].   قال ابن تيمية: "قوله: ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ [القصص: 88]؛ أي: دينه وإرادته وعبادته، والمصدر يُضاف إلى الفاعل تارة، وإلى المفعول أخرى، وهو قولهم: ما أريد به وجهه، فكل معبود دون الله باطل، وكل ما لا يكون لوجهه فهو هالك فاسدٌ باطل. وسياق الآية يدل عليه [24].   وقد جاء الوجه في صفات الله في مواضع من الكتاب والسنة ليس هذا موضعها؛ قالوا: لكن الوجه إذًا وجه: تبعه سائر الإنسان، وإذا أسلم: فقد أسلم سائر الإنسان، وإذا أُقيم فقد أُقيم سائره؛ لأنه هو المتوجه أولًا من الأعضاء الظاهرة للقاصد الطالب؛ ولهذا يُذكر كثيرًا على وجه الاستلزام لسائر صاحبه" [25]، "وذلك أن لفظ "الوجه" يُشبه أن يكون في الأصل مثل الجهة، كالوعد والعدة، والوزن والزنة، والوصل والصلة، والوسم والسمة، لكن فِعْلُه حذفت فاؤها، فيكون مصدرًا بمعنى التوجُّه والقصد؛ كما قال الشاعر: أستغفر الله ذنبًا لستُ محصيه ♦♦♦ رب العباد إليه الوجه والعمل"[26].   القول الثالث: أن المراد بهذه الآية: كل شيء هالك إلا ذاته وإلا إياه، وممن قال بهذا القول الضحاك[27]، وابن قتيبة[28]، والفراء[29]، والزجاج[30]، والنحاس[31]، والبغوي[32]، وابن كثير في قول له[33]، والشوكاني[34].   القول الرابع: أن المراد بهذه الآية: كل شيء هالك إلا مَلِكَه[35]؛ أي: إلا الله مالك كل شيء، وممن قال بهذا القول ابن كيسان[36]، والبخاري في قول له[37]، وهذا القول في حقيقته راجع إلى قول من فسَّر الوجه بالذات.   المطلب الثالث: الترجيح: بعد عرض الأقوال السابقة، فإن أقرب الأقوال هو القول بأن المراد بالآية أن كل شيء يهلك إلا وجه الله عز وجل، ومِن لازمِ بقاء الوجه بقاءُ ذاته الشريفة، وأن من فسَّر الآية بأن المراد ما قُصِد به وجهه، أو أن المراد الذات، وهو مثبت لصفة الوجه لله عز وجل، فقوله محتمل، وليس هو من التأويل المذموم.   ومما يؤيد ذلك: 1- أن من فسَّر الوجه بالذات، فسَّره لأجل أن من لوازم بقاء الوجه هو بقاء الذات[38].   2- أن من فسَّر الآية بأنها ما أُريد به وجه الله، فإن تفسيرهم متضمن إثبات صفة الوجه؛ لقولهم: "وجه الله".   3- أنه على كلا القولين: بأن المراد بالآية صفة الوجه، أو ما أُريد به وجه الله؛ فإنه "يمكن أن نحمل الآية على المعنيين؛ إذ لا منافاة بينهما، فتُحمل على هذا وهذا، فيُقال: كل شيء يفنى إلا وجه الله عز وجل، وكل شيء من الأعمال يذهب هباءً، إلا ما أُريد به وجه الله. وعلى أي التقديرين، ففي الآية دليل على ثبوت الوجه لله عز وجل" [39].   4- أن من فسر الآية بـ"ملكه" لها احتمالان: أ- أن الضبط الصحيح للكلمة هو "مَلِكَه"، بفتح الميم، وكسر اللام، وفتح الكاف، وبالتالي فلا إشكال، ويكون المعنى: كل شيء هالك إلا مَلِك الأشياء، وهو الله عز وجل، فيرجع هذا القول للقائلين بتفسير الوجه بالذات.   ب- أن البخاري نقل هذا التفسير عن غيره، كما هو وارد في بعض نسخ صحيح البخاري [40].   5- أنه على قول من فسَّر الآية بذاته أو ما أُريد به وجهه، فإن هذا الأسلوب في لغة العرب لا يُطلق إلا على من له وجه حقيقة، فإن العرب لا تطلق لفظ الوجه إلَّا لمن له وجه حقيقة، وأن هذا من أساليب العرب في الخِطاب[41].


[1] يُنظَر: تفسير البحر المحيط؛ لأبي حيان 1/ 531. [2] يُنظَر: مجموع الفتاوى؛ لابن تيمية 4/ 183. [3] يُنظَر: نقض الدارمي على المريسي 2/ 710. [4] يُنظَر: التبصير في معالم الدين؛ للطبري ص 134. [5] يُنظَر: كتاب التوحيد؛ لابن خزيمة 1/ 24، 51. [6] يُنظَر: صحيح البخاري 9/ 121، واجتماع الجيوش الإسلامية؛ لابن القيم 1/ 148. [7] يُنظَر: شرح أصول اعتقاد أهل السنة 2/ 458. [8] يُنظَر: التنبيه والرد؛ للملطي، ص 87. [9] يُنظَر: تفسير السمعاني 4/ 164. [10] يُنظَر: الاعتقاد؛ لابن أبي يعلى، ص 25. [11] يُنظَر: الحجة في بيان المحجة 1/ 104. [12] يُنظَر: الجواب الصحيح 4/ 414، ومجموع الفتاوى 3/ 133. [13] يُنظَر: تفسير ابن كثير 7/ 494. [14] يُنظَر: شرح العقيدة الطحاوية 1/ 264. [15] أضواء البيان 6/ 505. [16] يُنظَر: شرح العقيدة الواسطية 1/ 286. [17] يُنظَر: تفسير ابن أبي حاتم 9/ 3028، وتفسير ابن كثير 6/ 261. [18] يُنظَر: تفسير البغوي 6/ 228، وتفسير القرطبي 16/ 331. [19] يُنظَر: تفسير ابن أبي حاتم 9/ 3028، ومعاني القرآن للنحاس 5/ 207، وتفسير السمعاني 4/ 164، وتفسير القرطبي 16/ 331، وتفسير ابن كثير 6/ 261. [20] يُنظَر: مجموع الفتاوى 2/ 433. [21] يُنظَر: طريق الهجرتين؛ لابن القيم 1/ 22. [22] يُنظَر: زاد المسير؛ لابن الجوزي 6/ 252، والدر المنثور؛ للسيوطي 11/ 525، وفتح القدير؛ للشوكاني 4/ 251. [23] يُنظَر: تفسير ابن كثير 6/ 261. [24] يُنظَر: شرح العقيدة الواسطية؛ لابن عثيمين 1/ 286. [25] مجموع الفتاوى 2/ 433. [26] مجموع الفتاوى 2/ 428. [27] يُنظَر: زاد المسير؛ لابن الجوزي 6/ 252. [28] يُنظَر: تأويل مشكل القرآن، ص 254، 480. [29] يُنظَر: معاني القرآن؛ للفراء 2/ 314. [30] يُنظَر: معاني القرآن؛ للزجاج 4/ 158. [31] يُنظَر: إعراب القرآن؛ للنحاس 3/ 287. [32] يُنظَر: تفسير البغوي 6/ 228. [33] يُنظَر: تفسير ابن كثير 6/ 261. [34] يُنظَر: فتح القدير 4/ 248. [35] هذا أقرب الاحتمالات في ضبط الكلمة، وبعض الناس يقول: إنها تفنى إلا مُلْكه، وهذا لا يستقيم؛ لأن كل شيء هو مُلكه، فيكون معناه: كل شيء هالك إلا كل شيء؛ بل المقصود بها المَلِك، كل شيء هالك إلا مَلِكَه. ويُنظَر: شرح عبدالمحسن العباد على سنن أبي داود، موجود في المكتبة الشاملة، غير مطبوع 28/ 499. [36] يُنظَر: مجموع الفتاوى؛ لابن تيمية 2/ 428. [37] يُنظَر: صحيح البخاري 6/ 112، وحادي الأرواح؛ لابن القيم 1/ 96. [38] يُنظَر: مجموع الفتاوى؛ لابن تيمية 2/ 434. [39] شرح العقيدة الواسطية؛ لابن عثيمين 1/ 286. ويُنظَر: تفسير ابن كثير 6/ 262. [40] يُنظَر: فتح الباري؛ لابن حجر 10/ 472. [41] يُنظَر: بيان تلبيس الجهمية؛ لابن تيمية 5/ 470، ومجموع الفتاوى؛ لابن تيمية 6/ 370.




شارك الخبر

مشكاة أسفل ١