أرشيف المقالات

زواج المسلمة من النصراني بين الهوى والشرع

مدة قراءة المادة : 17 دقائق .
2زواج المسلمة من النصراني بين الهوى والشرع
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتدي، ومن يُضْلِل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.   أما بعد: فما أكثر ما قرأنا وسمِعنا عن العلاقات الغرامية بين المسلمة بالمشرك، والأفدح من ذلك الزواج به! فهذا دليل على الأُميَّة الدينية في عقول المراهقين من الأُمَّة المحمدية من شبابنا من الجنسيين إلا من رحم ربي ولا بد من وقفة لبيان حقيقة هذا الحب وذاك الزواج؛ ليهلك من هلك على بينة، ويحيا من حي عن بيِّنة، ونبدأ ونقول بحول الله وقوَّته.   عفا الله عمَّن فعلت ذلك من نسائنا وبناتنا، وهذا أمر ليس غريبًا بل هو واقع مُرٌّ؛ كطعم العلقم بين كثير من الشابَّات، ومن المعلوم بالدين بالضرورة أن علاقة المرأة المسلمة بالنصراني محرَّمة شرعًا، والحب هنا إنما هو من كيد إبليس وتلبيسه؛ لهذا حذَّرنا الله تعالى منه؛ فقال: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ﴾ [النور: 21].   والمرأة المسلمة إذا تزوَّجت مشركًا وهي عالمة بالحكم، فهي زانية، والزواج فاسد، وهذا كلام كل أهل العلم بلا خلاف؛ لوجود نصوص من القرآن صريحة بالتحريم؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: 221]، وقال تعالى: ﴿ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ [الممتحنة: 10].
وما دام الله حرَّم زواج المسلمة المشركَ، وأباح العكس للضرورة؛ قال تعالى: ﴿ الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [المائدة: 5].
والمراد بالإحصان لنساء أهل الكتاب العفة من الزنا، وعلى الرغم من إباحة زواج المسلم بالكتابية، فهو غير مستحب؛ لأن الكثير من شبابنا في عصرنا هذا، يتَّصِف بالأُميَّة الدينية والخُلُقية معًا إلا من رحِمَ ربِّي، والحكمة من زواج الكتابية أن القوامة للرجل، وهو يقدر بقوة إيمانه وأخلاقه على أن يحببها في الإسلام؛ ولكن بسبب الأُميَّة والجهل بالشرع فضلًا عن سوء الخُلُق أخشى أن تبدِّل الكتابية دينَه بفتنتها وجمالها، وهذا واقع، وكم من شابٍّ تزوَّج كتابية، وداخ في محاكم بلادها؛ ليُثبت بنوَّة أبنائه منها، ومآسٍ غير هذا يعلمها القاصي والداني حتي قال الإمام مالك عن زواج الكتابية إنه "مستثقل مذموم" على الرغم أنه مباح في الشرع، فليس شبابنا في قوة وإيمان شباب الصحابة ورجالها، ولا من بعدهم، وأن عاد الدين قويًّا بشبابه وقوة إيمانهم بالله، فالشرع يبيحه ولا يُحرِّمُه؛ لأنه يعزُّ الإسلام ويزيده قوة، والهدف الدين وليس إشباع الشهوة بفتاة من فرنسا أو ألمانيا للتفاخُر، وأكثرهن نصرانيات بالاسم فقط، بل تجدهُنَّ وثنيات، وأصحاب فكر شيوعي إلحادي، وليس عندهُنَّ إيمان بالله، وقد ذهب جماهير أهل العلم إلى حِلِّ الزواج بالكتابية، وخالف في ذلك بعضهم، واستدلُّوا بما ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما بما رواه البخاري في صحيحه، برقم (5285) "إذا سئل عن نكاح الرجل النصرانيةَ أو اليهوديةَ قال: ((إن الله حرَّم المشركات على المؤمنين، ولا أعلم من الإشراك شيئًا أكبر من أن تقول المرأة ربها عيسى وهو عبد من عباد الله)).
كما أن الشباب ينسى وصية رسوله صلى الله عليه وسلم الذي أوصاه بها، وهو قوله: ((تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحَسَبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك))، وقد رواه الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.   ولا يخفى أن الكتابية بخلاف ذلك، بل الأدهى من ذلك أن كان الله تعالى يشترط أن تكون محصنة؛ أي: عفيفة، فحسب إحصاءاتهم الرسمية هذا نادر لطغيان الفاحشة فيهم، والحمد لله على نعمة الإسلام التي حفظت نساءنا وبناتنا العفيفات، حفظهُنَّ الله من كل سوء في كل عصر ومصر.   ونحن ننصح كل فتاة مسلمة يتَّجه تفكيرُها لعلاقة عاطفية مع مشرك: لا تلعبي بالنار، والفتنة أشَدُّ من القتل، وأسأل الله لك وللجميع الهداية، والعجب أن كان الحب بين مسلمة ومسلم لا رابط بينهما من صلة أي أجنبي عنها، ويقول بملء فيه: أشهد أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويجاهر بها، وربما يصلي ويصوم ويعرف الله ويخافه؛ ولكنه في ضعفه وغلبة هواه، وتلبيس شيطانه يخلو بها ويبادلها مشاعره، ويراسلها على البريد أو يتصل بها بالهاتف، وربما ما هو أسوأ من ذلك، محرَّمٌ في ديننا، فما بالنا بالمسيحي المشرك الذي يقول: عيسى هو الله أو ابن الله؟ قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ﴾ [المائدة: 72]، وقال تعالى : ﴿ لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المائدة: 73]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وَالَّذِي نَفْس مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ))؛ رواه مسلم.
والحديث يدلُّ كما لا يخفى أن من بلغته دعوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ولم يؤمن به فهو كافر بالله، من أهل النار يهوديًّا كان أو نصرانيًّا، والنصراني اليوم لا يؤمن بالنبي صلى الله عليه وسلم، وأنه رسول من عند الله، وهو مفهوم عند العقلاء والفقهاء لوجود الدليل؛ ولكن غير المفهوم هو العلاقة الغرامية بين المسلمة والنصراني، ما الحكمة في استمرار هذه الحب الذي يُوقِظ فتنة قد تطول الجميع قطعًا ليس لتضييع الوقت والمزاح إلى آخره؛ بل للارتباط والزواج، والسؤال هو كيف؟
وتحريم هذا الزواج بين المسلمة والمشرك أمرٌ معلومٌ من الدين بالضرورة، ما الحكمة في استمراره؟ ربما تقول المسلمة: أنا أطمع في إسلامه ليحِلَّ لها، وتكون سببًا لذلك، ونقول لها: هذا كلام جميل في ظاهره الرحمة، وفي باطنه العذاب، وبيان ذلك ما يلي: من المعلوم في دنيا الناس أن الوصول لذلك يحتاج لخلوة ومراسلة والكثير من المحرَّمات والتنازُلات، وما هو أسوأ مما ذكرنا، والحاصل كما لا يخفى على اللبيب حرمة الوسيلة لذلك، فضلًا عن أنها غير مضمونة، ولن يستمرَّ الأمر قطعًا إلى ما لا نهاية؟   وأقول لمن ابتليَتْ بحُبِّ المشرك: أختنا، قد تكون هذه حيلة منه أن ينطق بالشهادتين فيسلم ويحسن إسلامه ظاهرًا، وأنت لا تدرين حقيقة نيَّته، وبعد أن تقع الفأس في الرأس كما يقولون، وفي منتصف الطريق بلا أنيس أو جليس، فالكل سوف يتبرَّأ منك بالتأكيد، وعلى فرض صدق نيَّته وحبه، فهل يترك اهله ويفر معك كما في قصص الحب الذي ادمنها المراهقين وبينها وبين الواقع بعد المشرقين، كلا ورب الكعبة سيهلك معك، ولا أمل لكما حتى بالهرب وقطع الصلة بالأهل والأصدقاء والأحبَّة، ومن أجل ماذا؟ أختنا في الله، مَنْ حَامَ حول الحِمى يُوشِكُ أن يقع فيه، خصوصًا في العلاقات المحرَّمة مثل هذه.
وسئل الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الجبرين رحمه الله: ما حكم زواج المسلمة من المسيحي، وما حجم شرعية أبناء هذا الزواج، وما الحكم على المأذون الذي قام بإتمام هذا الزواج، وما حكم الزوجة لو كانت تعلم ببطلان هذا الزواج، وهل يُقام عليها الحدُّ الشرعي أم لا؟ وإذا أسلم الزوج فما حكم الزواج الأول؟ وكيف يتمُّ النكاح الجديد؟
فأجاب: يحرم على المسلمة نكاح النصراني وغيره من الكفار؛ لقوله تعالى: ﴿ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ﴾ [البقرة: 221]، وقوله: ﴿ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ ﴾ [الممتحنة: 10]، ومتى عُقِد له عليها وجب الفسخ فورًا، فإن علمت بذلك الزوجة، وعرفت الحكم استحقَّت التعزير، وكذا يُعَزَّر الوالي والشهود والمأذون إذا علموا ذلك، فإن وُلِد لهما أولاد تبعوا أُمَّهم في الإسلام، فإن أسلم الزوج بعد العقد جُدَّد له عقد النكاح، وذلك بعد التأكُّد من صحة إسلامه؛ كي لا يكون حيلة؛ فتاوى المرأة المسلمة (2/697).   ونصيحتي لبناتنا ونسائنا، أقول لكل واحدة منهُنَّ: لا يغرُّك المظاهر، وحذارِ أن تفتحي على نفسك بابًا من أبواب الفتنة! واحذري من فتنه يجرُّكِ إليها هذا المشرك، وهو ليس جاهلًا بالحكم، ويعلم ما يفعله قطعًا، ويطمع فيك؛ ولكنه مراهق مثلك لا يدري من دينه شيئًا، ولن يتوقَّف ويردعه دينه، فلا دين عنده إلا الشيطان والهوى مالم يهدهِ الله، والله أعلم بنيَّته ونفسه التي بين جنبيه؛ ولكن هو غير مأمون الجانب، فلا تتردَّدي في قطع علاقتك به؛ لخوفك من انكساره أو تجريحه، فليحدث هذا، فنفسك التي بين جنبيك أولى بالنجاة والتجريح يوم لا ينفع الندم بعد العدم.
وأقول لكل امرأة مسلمة أحبَّتْ مشركًا: كوني على يقين، وهذا من خبرتي في الحياة أن من هداها الله إلى نصفها الآخر وشريك عمرها، وهداه إليها أنه كما يقال النصيب في كلامنا؛ ولكنه كما لا يخفى بتقدير العزيز الحميد، فمن كان من نصيبك وحلالك في هذه الدنيا فسترين الأمور تسير بيُسْر وبحفظ الله وتوفيقه، وبمباركة الجميع، وما علينا إلا ابتغاء الأسباب الموصلة لذلك بما أحلَّه الله ورسوله، وأن تعسَّرَ الطريق، وخرجنا عن حدود الله، فإن التوفيق بينكما هو من تلبيس الشيطان كما قلت.
فليكن عندك إرادة وعزيمة واختاري بين رضا الشاب وعدم جرحه مع مباركة الشيطان وفتنة لا يعلم مداها إلا الله أو رضا الله، وهو الذي يُيسِّر لك الأسباب والمسببات أن ابتغيت رضاه بطاعته فيما أباحه، والحذر مما حرَّمَه لتنالي رضاه وجنَّته.
والأمر في يديك وحدك لتقرري أي الطريقين تختارين، أسأل الله أن يهديك ويعينك على الصراط المستقيم الذي به حياة القلوب حقًّا وصِدْقًا.   وقد تقول أحدهُنَّ: وإن أثبت هذا الشابُّ حُسْنَ النية، وكان فعلًا محبًّا للإسلام، وأسلم وأشهر إسلامه، هل يصحُّ تركُه في هذا الأمر وحده أم تقف بجانبه لتنصُره وتُعينه، وهي كانت سببًا لهدايته؟ وجوابنا عن ذلك الاحتمال لو ثبت حسن نيَّتُه وحُسْن إسلامه ظاهرًا وباطنًا بأن أشهره وصلَّى، وعمِل بما أمره الله به، وكان مُحِبًّا للإسلام ولرسوله صلى الله عليه وسلم كما يُقال، فلا ريب أنه صار مسلمًا موحِّدًا مثلنا، لا فارق بيننا وبينه إلا بالتقوى والعمل الصالح، له ما لنا، وعليه ما علينا، وعفا الله برحمته عما سلف، فالإيمان يمحو الذنوب، والإسلام يهدُّ ما قبله، وإلى هنا والكلام لا غبار عليه وآلاف مؤلفة في أرجاء المعمورة يدخلون الإسلام في كل عصر ومصر، وهداهم الله للإيمان، كل ذلك بفضل الله، وله الحمد والمنة؛ ولكن مشكلة هذه المسلمة التي غرَّها الشيطان والهوى أنه تحبُّه على دينه ونحن نخشى أن يَغُرَّها بإسلام ظاهر خبيث؛ ليتزوَّجَها من خلف عيون الأهل وجهلهم بما تفعل ابنتُهم المراهقة.
وعلى فرض أنه صار مسلمًا حقًّا، والتزم بتعاليم الإسلام، وأشهر إسلامه فأمامه أمران:
الأول: أن يكتم إسلامه، ويتظاهر بالكفر أمام أهله، وحتى لا يُثير ريبة أهل الفتنة ومروجيها، وهذا مستحيلٌ في شريعتنا إلا للضرورة التي فيها الهلكة المتيقنة، وليس المتوهمة كقتله أو تعذيبه إذا كانت هذه الضرورة وهي تقدر بقدرها، فهو ينطبق عليه قوله تعالى: ﴿ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النحل: 106]، ولتكن عبادته سريةً من صلاة وصيام ونحو ذلك، وقطعًا إشهار إسلامه هنا خطأ وخطر على حياته، هذا في حالة التيقُّن بالخطورة، فالأصل أنه يُجاهر بإسلامه.
ويأتي الجانب الثاني وهو الأهل: هل يقطع الصلة بهم بعد إسلامه، أما يستمرُّ في وصلهم كما يأمره الإسلام؟
وينبغي أن يتجنَّب الأعمال الشركية، ولا يشاركهم في الذهاب للكنيسة إلا خوفًا من شكِّهم، وليتجنَّب أعمالهم الشركية وغير ذلك بأي عذر، وإن انكشف أمرُه فلن يستطيع الردة، وإلَّا استحقَّ القتل شرعًا لردته، وله أن يكيِّف نفسه على مصائب ومشاكل جمة، فليس الثبات على اعتناق الإسلام من المسيحي أو المسيحية سهلًا في بيئة يشوبها التعصُّب والجهل والحمية الجاهلية للدين إلا من رحم ربي ممن هداه للحق والتعقُّل.
هذا وإن كان إيمانه وإسلامه قويًّا وحقيقيًّا سيصمد إن شاء الله؛ لكن لا يجب عليه أن يعلِن إسلامَه على الملأ ما دام سيتعرَّض لأذية من أهله أو غيرهم، ويكفي إسلامه سرًّا؛ قال الله تعالى: ﴿ وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ﴾ [غافر: 28].
فهذا الرجل مؤمن بنصِّ القرآن مع أنه كان يخفي إيمانه عن فرعون وقومه؛ خوفًا على نفسه، وخلاصة القول هو إما أن يجهر بإسلامه وهو الأصل ويتزوَّج مسلمةً برضى أهلها ووليِّها مع علمهم بأنه غير مأمون الجانب، وإمَّا أن يكتم إسلامه ويسافر إلى مكانٍ بعيد، ويعيش مع زوجته وأسرته؛ تفاديًا للخطر والضغوط من الأهل وغيرهم، وحفاظًا على دينه الجديد، وجوابنا على هذا الاحتمال كسابقه إن رضي وليُّ أمرها فالأمر إليه، وكان إسلامه سرًّا وأشهره بحضور ولي أمر البنت وبعض المسلمين وحَسُن إسلامه بشهادة شهود وليس واحد أو اثنين، فيجوز ولكن في القلب من ذلك شيء، فكما لا يخفى في أوربا يذهب النصراني ويُعلِن إسلامه في أحد المراكز الإسلامية ويتزوَّج مسلمةً، وبعد فترة تفترُ عزيمتُه ولا يفعل ما يمليه دينه من واجبات وعبادات، وكل غايته أن يستمتع بها، والسؤال لكل امرأة رضيت بهذا الوضع وتلك الحلول، ماذا لو ظهرت رِدَّتُه - أي: ارتدَّ عن الدين- هل المسلمة العفيفة من الإيمان لتكشف أمره وتُفارقه لحرمة الاجتماع معه بعد أن رُزقت منه بالأولاد؟ الخطورة ستظلُّ، فالطبع في عصرنا هذا غالب على الإنسان، فإيماننا ليس كإيمان الصحابة، والزوج المسلم الموحِّد يُبارز الله بالمعاصي؛ ولكنه مع ذلك مسلم وزوجها شرعًا صحيح؛ ولكن النصراني الذي أسلم وتزوَّج مسلمةً ماذا لو ارتدَّ؟! ماذا تفعل الزوجة المسلمة؟ أنا أميل لزواجها من مسلم أفضل لها وأسلم في زماننا هذا، فلا يأمن جانبه وهو معها بعيدًا عن أهلها.   قال الشيخ ابن باز رحمه الله: "فإذا كانت الكتابية معروفة بالعِفَّة والبُعْد عن وسائل الفواحش جاز؛ لأن الله أباح ذلك وأحلَّ لنا نساءهم وطعامهم؛ لكن في هذا العصر يُخشى على مَنْ تزوجهُنَّ شَرٌّ كثير؛ وذلك لأنهن قد يدعونه إلى دينهن، وقد يُسبِّب ذلك تنصُّر أولاده، فالخطر كبير، والأحوط للمؤمن ألا يتزوجها، ولأنها لا تؤمن في نفسها في الغالب من الوقوع في الفاحشة، وأن تعلق عليه أولادًا من غيره؛ لكن إن احتاج إلى ذلك فلا بأس حتى يعِفَّ بها فرْجَه، ويغضَّ بها بصره، ويجتهد في دعوتها إلى الإسلام، والحذر من شرِّها، وأن تجرُّه هي إلى الكفر أو تجر الأولاد"؛ انتهى من "فتاوى إسلامية" (3/172).   وعمومًا التجارب علمتنا هذا؛ ولكن لو استراح الأب، ورضِي بالمخاطرة لو انكشف الأمر، ويثق في ابنته لو ارتدَّ عن دينه، فلا يمنع فهو مسلم وهي مسلمة، والزواج تمَّ بأركانه وشروطه، وذهب بعيدًا لا يعلم أحد قصته كزوج وزوجة، ويمارس عباداته مع غيره من المسلمين بعيدًا عن عيون أهله ومَنْ يعرفونه، ولا يوجد مانع شرعي، ونسأل أن يدوم هذا بتوفيق الله ورعايته إنه وليُّ ذلك والقادر عليه،والحمد للهِ ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وآله وصحبه أجمعين.



شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير