أرشيف المقالات

الإسعاد والتحديث بمحاسن الأحباب والأصحاب

مدة قراءة المادة : 5 دقائق .
2الإسعادُ والتحديثُ بمَحاسِنِ الأحباب والأصحاب   ‏المواقِفُ الجميلةُ اليسيرةُ مِن الأصحابِ عند الشدائدِ، تُنْحَتُ في القلبِ ولا تُنسى؛ قال كعب بن مالك رضي الله عنه لَمَّا تابَ اللهُ عليه مِن تَخَلُّفِه عن غَزْوِه مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "فقام إليَّ طلحةُ بن عبيدالله يُهَروِلُ حتى صافَحني وهَنَّأني، واللهِ، ما قام إليَّ رجلٌ مِن المهاجرين غيرُه، ولا أَنساها لطلحة"، رضي اللهُ عنهما وأرضاهما.   تأمَّلْ كيفَ حَفِظَ التاريخُ موقفَ طلحةَ اليسير مَنقبةً له، يُمدَحُ بها، ويُقتدى به فيها، حفِظَه بتحديثِ كعبٍ بهذه الفضيلةِ، وحكايَتِه للناسِ عنها؛ حكى فضيلةَ صاحبِه التي لا تُنسى؛ فكُلٌّ منهما يُعطيك مِن معاني الوفاءِ والصُّحْبةِ ما يُعطي؛ فهذا أفرحَ صاحبَه بهرولتِه إليه مُهَنِّئًا بتوبةِ اللهِ عليه -وفي مِثْلِ هذا فلْيُهنِّئ الْمُهَنِّئون- وذاك نشرَ فضائلَ صاحبِه، وحدَّثَ الناسَ بها حتى بَلَغَتْنا؛ فأَبْقَيَا لنا رضي الله عنهما هذه المعانيَ الحُسنى التي يَقتدِي بها أهلُ الفضائلِ مِن الأصحاب، والأحباب.   ومثل ذلك ما حفِظَتْه أمُّنا عائشة لِضرَّتِها أمِّنا زينب بنت جحش رضي الله عنهما وأرضاهما في موقفها في حادثة الإفْكِ؛ إذ قالت: "أَمَّا زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشٍ، فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِدِينِهَا؛ فَلَمْ تَقُلْ إِلَّا خَيْرًا"؛ [صحيح البخاري: ٤٧٥٧]، فكانت زينبُ تَذْكرُ عائشةَ رضي الله عنهما بالخيرِ في أشدِّ المواقفِ عليها وأضيقِها وأحزنها، فذَكَرتْ لها ذلك، وحدَّثَتْ به، ولم تَنْسَ لها الجميلَ رغم ما يكون بين الضرَّاتِ مِن التغايُرِ.   ونتعلَّمُ ها هنا فضلَ التحديثِ بمحاسِنِ الناسِ، وفضلَ إدخالِ السرورِ في قلوبِ العبادِ، وما كان عملُ هؤلاء الصحابةِ إلا مِن فَيْضِ مُروءتِهم وتربيتهم النبوية التي تَخَلَّلَتْ نفوسَهم، ومَلَكَت أفئدتهم.   ومِن آثارِ هذه التعاليمِ النبوية ما رُوِّيناه في الصحيح عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رجلًا جاء إِلَى ابْنِ عُمَرَ، فَسَأَلَهُ عَنْ عُثْمَانَ؛ فَذَكَرَ عَنْ مَحَاسِنِ عَمَلِهِ، قَالَ: لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوؤك؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ، ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْ عَلِيٍّ، فَذَكَرَ مَحَاسِنَ عَمَلِهِ، قَالَ: هُوَ ذَاكَ بَيْتُهُ، أَوْسَطُ بُيُوتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَالَ: لَعَلَّ ذَاكَ يَسُوؤكَ؟ قَالَ: أَجَلْ، قَالَ: فَأَرْغَمَ اللَّهُ بِأَنْفِكَ، انْطَلِقْ فَاجْهَدْ عَلَيَّ جَهْدَكَ؛ [أخرج البخاري برقم: ٣٧٠٤]، وهو يُصدِّقُ ما رُوِّيناه ضعيفًا مرفوعًا مِن طريق ابن عمر رضي الله عنهما: ((اذْكُرُوا مَحَاسِنَ مَوْتَاكُمْ، وَكُفُّوا عَنْ مَسَاوِيهِمْ))؛ [أخرجه أبو داود، والترمذي واستغربه].   ومِن هذا البابِ: إدخالُ السرورِ على الأحبابِ بتبشيرهم بما يُفرِحُهم ويُبهِجُهم، كما علَّمنا ذلك نبيُّنا صلى الله عليه وآله وسلم في مواقف، منها ما كان في حادثة الإفك؛ إذ تقول أُمُّنا الطاهرة عائشة رضي الله عنها وقتَ سُرِّيَ عن رسولِ الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أُنزلت عليه براءتها: ((فَرُفِعَ عَنْهُ وَإِنِّي لَأَتَبَيَّنُ السُّرُورَ فِي وَجْهِهِ، وَهُوَ يَمْسَحُ جَبِينَه، وَيَقُولُ: ((أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، فَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ بَرَاءَتَكِ))؛ [أخرجه البخاري: ٤٧٥٧]، ولفظ مسلم: "فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: ((أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ، أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ بَرَّأَكِ))"؛ [أخرجه مسلم: ٢٧٧٠]، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم لكعب بن مالك رضي الله عنه حين أنزلت توبةُ اللهِ عليه: "فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ: ((أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ))، قَالَ: قُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: ((لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ))، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتَّى كَأَنَّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ، وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ"؛ [أخرجه البخاري: ٤٤١٨، ومسلم: ٢٧٦٧].   فانظر إلى تبشير النبي صلى الله عليه وآله وسلم أحبابَه وأصحابَه بما يُبهِجهم، وانظرْ إلى فرحه الشديد بما يُبهِجُهم ويُسعِدهم، وإنَّ فرحةَ صاحبِك لِفرحتِك تُغني وحدَها عن الكلامِ الكثير؛ فكيف إذا اجتمع بُدُوُّ الفرحة عليه وكلامُه الجميل؟! وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: ((مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ))؛ [أخرجه مسلم: ٢٦٩٩]، ولربما كان هذا التنفيسُ بكلمةٍ تزيحُ عنه أثقالَ الهمومِ والغموم وتُفَرِّجُ عنه، وقد جاء في حديثٍ مرفوع: ((من أفضل العمل إدخالُ السرور على المؤمن))، والحمد لله رب العالمين.



شارك الخبر

المرئيات-١