أرشيف المقالات

الحياة الثانية

مدة قراءة المادة : 4 دقائق .
2الحياة الثانية [1]
الحياة الثانية لمن هداهم الله الصراط المستقيم، وجعلهم مع الذين أَنْعَم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين - هي امتدادٌ لحياتهم الأولى في هذه الحياة الدنيا، وهي وسطٌ بين الحياة الفانية في هذه الدار، والحياة الخالدة الباقية في دار القرار.   والصالحون يَحْيَوْن في قبورهم حياةً برزخيةً في روضات كأنها من رياض الجنة، كما تدُلُّ على ذلك صِحاح الأخبار، ويُختَصُّ الشهداء بأنهم أحياء عند ربهم يُرزقون: ﴿ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ ﴾ [آل عمران: 170]، وحياة الشهداء جديرة بمقالٍ خاص نرجو أن يُهيِّئ له الله فرصةً قريبةً كريمةً، بِمَنِّه وفضله وتوفيقه وكرَمِه.   أما حياة الخُلْد، فقد أعدَّ الله فيها للمتقين من عباده ما لا عين رأتْ، ولا أُذُن سمِعت، ولا خطَر على قلب بَشَر، وصدق الله: ﴿ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [السجدة: 17]، وتلك هي الحياة التامَّة التامَّة التامَّة، حِسًّا ومَعْنًى، وهي فوق الحياتيْن السابِقتيْن عليها، بدرجات لا يُحيط بها علمًا إلا العليم الحكيم.   هذه الحياة الثانية، هي حياة الذِّكر الحَسَن، والثناء الجميل، وهي أثرٌ لحياة الطاعة والاستقامة، والحب لله، وقد عَلَّمَنا أبونا الخليل إبراهيم، عليه وعلى نبينا من الله أفضل الصلاة والتسليم، أن نُحِبَّ هذه الحياة، وأن نطلبها في دعائنا من الله تعالى؛ فقال في بعض أدعيته كما أخبرنا الله عنه: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ * وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ * وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ ﴾ [الشعراء: 83-85]، سأل ربه الحُكم وهو الحِكمة التي فيها كمال القوة العلمية، والعلم والحِكمة طريق العمل الصالح، كما طلب في خشوع وتواضُع أن يجعل طريقه هذا قويمًا كريمًا يُوَصِّله بفضله تعالى إلى اللحَاق بالصالحين، وأن يجعل له ذِكرًا حسنًا وثَناءً عاطرًا فِيمَن بعده من الأمم قبل الحياة الخالدة الباقية مع إخوانه وأبنائه من النبيين ومن تَبِعهم بإحسان إلى يوم الدين.   وقد استجاب الله لخليله صلوات الله وسلامه عليه، فما من أحدٍ - فردًا كان أو جماعة أو أُمَّة - إلَّا وهو يُحبُّه ويُثني عليه، ويَدَّعِي الانتساب إليه، حتى اليهود والنصارى، زعموا أنه منهم، فَسَفَّهَهُم الله تعالى أعظم تَسْفِيه، ورد عليهم أبلغ رد؛ إذ يقول: ﴿ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ﴾ [آل عمران: 65]، ثم قال وهو يُكذِبهم: ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ [آل عمران: 67].   ومن آثار استجابة الله لخليله صلوات الله وسلامه عليه، أن أَقَرَّ عينه بذريَّته؛ فجعل منها أمَّة مسلمة لله، وبعث فيهم رسولًا منهم هو أول المسلمين وخاتم النبيين، وأبقى منهم طائفة ظاهرين على الحق، يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويدعون إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة إلى أن يقوم الناس لرب العالمين.


[1] مجلة الإسلام، السنة الرابعة والثلاثون، العدد 18 بتاريخ 5 من شهر جمادى الأولى 1384هـ، 11 من شهر سبتمبر 1964م.



شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣