أرشيف المقالات

أساليب إنشائية في الحديث الشريف

مدة قراءة المادة : 8 دقائق .
2أساليب إنشائية في الحديث الشريف
لا يستقيم الموضوع استقامة متساوية الأطراف، مترتبة الأفكار، منسقة المضامين، إلا بعــد تعريف طرفي هذه العبارة (أساليب إنشائية) التي ركِّبت تركيبًا وصفيًّا، مركبة من كلمتي "أساليب" و"إنشائية".   فأما كلمة "أساليب"، فهي جمع أسلوب، ويراد بها الطريق والمنهج؛ قال الأصمعي "الأسلوب: الطـريق المستوي، ومنه أخذ في أساليب من القول؛ أي: ضرب منه"[1].   فقد حظِيت هذه الكلمة بتعريفات كثيرة من قبل علماء الفن، فمنهم من حاول أن يــربط العلاقة في تعريفه بين مدلولها اللغـوي والاصطلاحي، مثل قول أحمد الشايب: "هو طـريق الإنشاء أو طريق اختيار الألفاظ وتأليفها، للتعبير بها عن المعاني لقصد الإيضاح والتأثير"[2].   وقال ابن خلدون "فاعلَم أنها عبارة عندهم عن المنوال الذي ينسج فيه التراكيب، أو القالب الذي يفرغ فيه"[3]، وبكل تلخيص القول والفكرة هو: "المعنى المصوغ في ألفاظ مؤلفة على صورة تكون أقرب لنيل المقصود من الكلام وأفعل في نفوس سامعيه".   وأَنواعُ الأساليب ثلاثة: (1) الأسلوب العلمي: هو أهدأُ الأساليب، وأكثرها احتياجًا إِلى المنطق السليمِ والفكر المستقيمِ، وأَبعدُها عن الخيال الشِّعريِّ؛ لأَنه يخاطب العقلَ، ويناجي الفكر، ويَشرَح الحقائق العلمية التي لا تخلو من غموضٍ وخفاءٍ[4].

(2) الأُسلوبُ الأَدبيُّ: الجمالُ أبرزُ صِفاته، وأظهرُ مُميِّزاته، ومَنشأُ جمـاله ما فيه من خيالٍ رائعٍ، وتَصْويرٍ دقيقٍ، وتلمُّسٍ لوجوه الشبهِ البعيدة بين الأشياء، وإِلباس المعنـويِّ ثوبَ المحسـوس، وإِظهار المحسوس في صورة المعنوي[5].

(3) الأسلوبُ الخطابي: هنـا تَبْرُزُ قوةُ المعاني والألفاظِ، وقوةُ الحجَّةِ والبرهانِ، وقوةُ العقل الخصيبِ، وهنا يتحدَّثُ الخطيبُ إلى إرادةِ سامعيه لإثارةِ عزائمهِم واستنهاضِ هممهم[6].

فأما كلمة "إنشائية"، فهي مصدر مكون من كلمة "إنشاء"، ويراد بها بالمدلول اللغوي: الإيجاد والاختراع؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً ﴾ [الواقعة: 35]، فالإنشاء قسيم الخبر، فهما طرفان لعلم المعاني الذي ابتدعه عبدالقاهر الجرجاني في كتابه "الدلائل الإعجاز" للرد على دعاة الصرفة.   وأما في الاصطلاح فهو: "كلام لا يحتمل صدقًا ولا كذبًا لذاته"[7]، فهو معاكس للخبر ومضـاد له؛ نحو قوله صلى الله عليه وسلم: ((اتقِ الله حيْثُما كنتَ))[8]، فقد جاء في هذا الحديث الشريف أحد أساليب إنشائية، وهو أسلوب الأمر على صيغة "افعَل" في قوله: "اتَّقِ"، فلا يمكن وصف كلامه بالصدق أو الكذب؛ لأنه لا يقصد بكلامه إخبارًا عن وقوع حادثة، وليس لكلامه مدلول خارجي قبل النطق به، حتى يراجع السامع ذلك؛ ليؤكـد صدقــه أو مخـالفة كـلامه واقـع المدلول الخارجي، وإنـما أراد بكلامه أمرًا، وتـحريض المسلمين على تقوى الذي خلقهم من عدم، ولم يكونوا شيئًا.
وكذلك في حديث أبي هـريـرة رضي الله عنه أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم أَوْصنـي، قال: "لا تغضب"، فردَّد مرارًا، قال: لا تغضب"[9].   فقد جاء هذا الحديث بأحد الأساليب الإنشائية، وهو "النهي" على صيغته الوحيدة المعروفة، وهي المضارع مع لا الناهية، ولا يقصد بكلامه إخبارًا عـن حصول شيء أو عدمه، بل يريد أن ينهى عن الغضب؛ لأنه مبدأ للندامة، مسبب للخسارة، ومفتاح لكل بلاء، فإذا استطاع الإنسان مكاظمة غيظه، فقد غلب على هواه، وعالج مرضه، فالحلم من صفات حميدة قديمًا وحديثًا تمدح صاحبها لأنها من الرجولة.   ومـثل هذا ينطبق على سائر أساليب الإنشاء من أمر واستفهام وتمنٍّ ونداء، فليس لمدلول أي لفظ منها قبل النطق به وجود خارجي يعرض عليه مدلول يقارب به، فإن طابقه قيل: إنه صادق، أو خالفه قيل: إنه كاذب، وعدم احتمال الأسلوب الإنشـائي للصـدق والكذب، إنمـا هو بالنظر إلى ذات الأسلوب بغض النظر عما يستلزمه خـبرًا يحتمل الصدق والكذب"[10].   أما الإنشاء فالهدف منه والمقصد: إيجاد الشيء وإنشـاؤه ابتداءً، ولذا عرفوه بأنه: قول لا يحتمل الصدق والكذب لذاته، وهذا لا يعني أنه ليس لمفهوم الكــلام الإنشائي واقـع يوافقه أو يخالفه، بل له واقع خارج نطاق العبارة، له واقع في ذهن المتكلم به، ولكن لا يقصد موافقة مفهوم الكلام الإنشائي لـهذا الـواقع الخــارجي الكائن في ذهن المتكلم أو عـدم موافقته، بل القصد كـما قلت إيجاد الشيء وإنشاؤه ابتداءً، فقولك: حافظ على الصلاة، اقرأ القــرآن، لا تقرَب الفواحش، أين محمد؟ ليت الشباب يعود، يا خالد...
هذه الأسـاليب الإنشائيـة القصـد منها إحــداث الشيء ابتداءً، ولا يقصد وصفها بالصدق أو بالكذب، لذا قالوا: الإنشاء قول لا يحتمل الصدق والكذب[11]، وتمتاز الأساليب الإنشائية بإثارة الـذهن، وتنشيط العقـل، وتحريك المخاطب[12].


[1] ابن سيده، أبو حسن علي بن إسماعيل النحوي، المخصص؛ تحقيق خليل إبراهيم حفال، ط1، 1417هـ – 1996م، دار الكتب العلمية، ج3، ص 309. [2] الشايب أحمد، الأسلوب دراسة بلا غية تحليلية لأصول الأساليب الأدبية، ط2، 1408م، مكتبة نهضة المصرية، ص 42. [3] ابن خلدون، عبدالرحمن بن محمد، مقدمة ابن خلدون، تحقيق عبدالواحد وافي، ط1، 1403هـ- 1988م، مكتبة النهضة المصرية، ص42. [4] علي جارم، ومصطفى أمين، البلاغة الواضحة، بدون ذكر الطبعة، ص 12. [5] المرجع السابق، ص13. [6] المرجع السابق، ص16. [7] الهاشمي، السيد أحمد، جواهر البلاغة، ط1، 1424هـ- 2003م ص 63. [8] النووي، ح17، وأخرجه الترمذي في سننه (باب ما جاء في معاشرة الناس) (رقم 103) ج (4) ص 239. [9] النووي، ح (16)، وفي الأذكار ج(2)، ص371، وأخرجه البخاري في صحيحه (باب من انتظر حتى تدفن)، ج (8)، ص28. [10] عبدالعزيز عتيق، علم المعاني، ط1، دار الآفات العربية القاهرة، 1427هـ – 2006م ص 53. [11] بسيوني، عبدالفتاح فيود، علم المعاني دراسة بلاغية ونقدية لمسائل المعاني، ط2، 429ه- 2008م، مؤسسة المختار _القاهرة، ص32. [12] المرجع السابق، ص 281.



شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣