أرشيف المقالات

دلالات حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم) في علم القيادة

مدة قراءة المادة : 9 دقائق .
2دلالات حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما بَعثَ اللهُ نبيًّا إلا رعى الغنم) في علم القيادة
في باب القيادة نجد حديثًا نبويًّا غاية في الأهمية، وعبرة غنية المقصد، ومَعْلَمًا من معالم القيادة، وفلتة من فلتات الفكر، وأصل من أصول القيادة، وركيزة من ركائز الإدارة، كل ذلك في حديث رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم حين يقول: • "((ما بَعثَ الله نبيًّا إلا رعى الغنم))، فقال أصحابه رضي الله عنهم. • وأنت؟ فقال: • ((نعم، كنتُ أرعاها على قراريط لأهل مكة))"[1].   وعندما نحاول أن نُسلِّط الضوء على هذا الحديث النبوي الشريف، ونتفكَّر به مليًّا وبدقة وتركيز من خلال نظرة ثاقبة، سنتوصَّل إلى بعض الأمور المهمة التي ستتحقَّق من ممارسة هذه الفعالية التدريبية، وهذه الأمور المهمة هي: 1- إن الرعي في العادة يكون في مناطق مفتوحة وواسعة بعيدًا عن الأزقَّة الضيقة والبنايات والحواجز والجدران التي من شأنها أن تحد من رؤية الشخص؛ فيتحدَّد فكريًّا، وفي الفضاء يتَّسع مدى النظر، ومعه يتسع التفكير، ويزداد أفق التأمل، حتى إن المرء ينظر للأشياء بعيدًا عن المحددات المصطنعة، والمؤثرات الجانبية؛ ولذلك نجد أن المفكرين والمبدعين يخرجون في الغالب إلى المناطق الخضراء المفتوحة؛ للتأمُّل والتفكر، ويتوصَّلون إلى نتائج باهرة.   2- الراعي يبذل جهده في البحث عن مناطق الرعي المناسبة التي فيها الماء والكلأ، فلا بد له هنا من ابتكار ومعرفة الوسائل التي تُعينه على ذلك، ومن ذلك الاستعانة بالآخرين من ذوي الخبرة في هذا الباب، كما يتطلب الأمر التقدير الجيد للأمور والتخطيط المسبق قبل الخروج للعمل.   3- يكون الراعي مسؤولًا مباشرًا عما في ذمته من القطعان مهما اختلفت، فهو أمين عليها، يحافظ عليها، ويدير شؤونها، ويصل بها إلى برِّ الأمان.   4- الرعي يُعلِّم الراعي الصبر؛ والصبر في مهمة الرعي بشقين: أولهما: الصبر على الجهد البدني العظيم المبذول في هذه المهمة، بما في ذلك الصبر على التغيُّرات الجغرافية والجوية من حرٍّ وبردٍ ومطرٍ وليلٍ ونهار.   وثانيهما: الصبر على القطيع نفسه، فالقطيع بشكل عام يجمع نماذج من مختلفي الطباع، فالكثير منهم سهل الطباع، سهل الانقياد، ومنهم من يشذُّ من القطيع في كل صغيرة وكبيرة، فيكون صعب المراس، صعب الانقياد، وفيهم الصحيح الناصح، ومنهم المريض الذي يحتاج إلى رعاية خاصة، وفيهم الصغير وفيهم الكبير...إلخ، وكل هؤلاء سيكون الراعي بحاجة لمراعاتهم؛ وبالتالي لا بدَّ له من التحلي بالصبر والحلم وبعكسه سيفشل في مهمته، ولا بد من التذكير أن الأغنام تحتاج إلى وقت طويل لتشبع؛ لهذا تجد الراعي يخرج بها من الفجر حتى قبيل المغرب؛ حتى تحصل على أكبر كمية من الغذاء.   5- خروج الراعي يكون مع الفجر (مبكرًا)، وفي ذلك يقول النبي محمد صلى الله عليه وسلم: ((اللهمَّ بارك لأُمَّتي في بكورها))[2]، وإنَّ الخروج المبكر يعطي فرصةً أكبر لإنجاز العمل بكفاءة، كما أن فيه بركة من الله سبحانه وتعالى.   6- المتعارف عليه لدى معظم الناس أن الرعاة يكونون في العادة من ضعاف الناس وفقرائهم، فممارسة الرعي من قبل مَنْ سيكون قائد المستقبل والمسؤول الأول عن الفريق سيجعله يشعُر بهذه الفئة المستضعفة من الناس، ويعيش معاناتهم، ويعرف جيدًا تفاصيل حياتهم، وبالتالي فلن يظلم أحدًا منهم على الإطلاق؛ يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني رحمه الله في كتابه فتح الباري في شرح صحيح البخاري، قال العلماء: "الحكمة في إلهام الأنبياء رعي الغنم قبل النبوَّة أن يحصل لهم التمرُّن برعيها على ما يكلفونه من القيام بأمر أمتهم"[3].   7- تتعرَّض القطعان في العادة لهجمات من الحيوانات المفترسة، فعلى الراعي أن يكون نبيهًا حاذقًا يعرف طرق وأساليب العدو وهجماته على القطيع وأوقاتها، فيتخذ ما يلزم لحماية القطيع المسؤول عنه من العدو، ما يعني ضرورة براعته في الجانب الأمني، فضلًا عن أنه لا بدَّ أن يكون شجاعًا بما فيه الكفاية لحماية القطيع.   8- وجود الراعي في مكان فسيح يمنحه الفرصة المناسبة لحل المشاكل والنظر للأزمات بشكل متفائل بالحل وليس النظرة السوداوية؛ لأن وجوده في طبيعة مفتوحة لا يحدُّها إلا الأفق، فإنه سيتابع أفكاره بلا انقطاع وصولًا إلى الأفق، وهذا من واقع الحال، فلو تخيَّل إنسان نفسه في أزمة ما (مهما كانت شديدة)، ليجرب أن يبقى في غرفة بين أربعة جدران، لضاق تفكيره، وأطبقت عليه الأزمة تمامًا حتى يظن أنه لا حل لها، ولا مفرَّ منها، ثم ليجرب أن يخرج خارج الغرفة في الفضاء، عندها سيتساءل، لماذا أنظر بضيق للمشكلة والدنيا فيها هذا الكون الفسيح والذي فيه آلاف الحلول؟   9- يتضمن الرعي إضافة إلى التدريب العملي العلمي التجريبي على القيادة، يتضمن التدريب البدني الرياضي من خلال رياضة المشي التي يمارسها الراعي يوميًّا لمسافات تصل أحيانًا إلى عشرات الكيلومترات.   10- ولقد قدر الله لي أن ألتقي براعي غنم (محترف)، فكانت فرصة ومناسبة أن أسأله عن بعض الأسرار التي نجهلها نحن في عالم رعي الشاء، فكنت تلميذًا حريصًا بين يديه وهو يُعلِّمني بعض هذه الأسرار، من أجل أن ينفعني في استنباط بعض مقاصد حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أفادني إضافة لما ذكرته بالأمور الآتية: أ- إن الأغنام من الحيوانات التي لا تأكل إلا الأكل الراقي (النظيف)، فلو اختلط بشيء من الأوساخ أو بعض الروائح الكريهة أو شابه شيء لم تأكله إطلاقًا.   ب- على الرغم من تشابه الأغنام فيما بينها وكثرة أعدادها، فقد تصل إلى أكثر من ألف رأس في القطيع الواحد، فإن الراعي يعرف كل واحدة منها، يعرف شكلها، ويعرف تاريخها وكل شيء عنها، وحكا الراعي أن بإمكانه أن يعرف الشاة أو الكبش من ثغائها ومن غير أن ينظر إليها.   ج- إن الشاة لا تترك ابنها أبدًا، وحتى تحت حالات الضغط والخوف، ويمكنها أن تعرفه من صوته من بين مئات المواليد الجديدة، كما يمكنها أن تتأكد منه بشمِّها له.   د- لأن الشاة تلد مرتين في العام، فستكون مضطرةً لإرضاع صغيرها المولود وهي حبلى بالوليد القادم، وفي حالة استمرار الرضاعة سيكون المولود الجديد هزيلًا؛ لأن الأول سيكون قد استحوذ على معظم الخير الذي في الأم؛ لذلك يتدخَّل هنا الراعي لإيجاد حالة من التوازن في توزيع المنافع الموجودة لدى الأُمِّ على الطرفين.   ومن غريب ما سمِعت، روى لي من أثق به وقد رأى ما رأى بأمِّ عينه: أن راعيًا قد مرَّ بقوم في البادية، فانحازت شاة من قطيعه إلى غنم القوم من غير علم أحد منهما، فمضى الرجل بغنمه وبعد حين اكتشفوا الشاة الغريبة فقرَّرُوا إبقاءها مع شيائهم حتى يعود، وطال العهد بعودته، فولدت تلك الشاة الغريبة شاة جديدة وكبرت، وبعد سنتين عاد الراعي نفسه إلى المكان نفسه، فرأى غنم القوم، ورأى (بنت الشاة) صاحبته، والغريب أنه رأى ظهرها فقط، فعرفها من صوفها، فقال لهم: هذه الشاة من غنمي، فأخبروه بالقصة، وأعادوا له الشاة وابنتها، وعلى ضوء ذلك، ولو كان الأمر بيدي لأوصيت بأن يدخل كل من يُكلَّف برئاسة فريق دورةً تدريبيةً مع الرعاة؛ لما فيها من فوائد جمة.


[1] صحيح البخاري 2165. [2] المعجم الكبير؛ للطبراني 13779، وصحيح ابن حِبَّان 4828، والمطالب العالية؛ لابن حجر العسقلاني 1379. [3] فتح الباري شرح صحيح البخاري، ج4، ص 441.



شارك الخبر

مشكاة أسفل ٣