أرشيف المقالات

أحكام الظهار واللعان

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
2أحكام الظهار واللعان   الحمد لله، غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، والصلاة والسلام على نبينا محمد، الذي أرسله ربُّه شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وداعيًا إلى الله بإذنه وسراجًا منيرًا.   أما بعد: فإن الظهار واللعان لهما أحكام فقهية، يجب على طلاب العلم معرفتها، فأقول وبالله تعالى التوفيق: أولًا: أحكام الظهار: تعريف الظهار: الظهار: هو أن يقول الرجل لزوجته: أنت علي كظهر أمي.
قال الإمام الصنعاني رحمه الله: أجمع العلماء على تحريم الظهار، وإثم فاعله؛ ( سبل السلام للصنعاني جـ3 صـ272 ). قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ ﴾ [المجادلة: 2].
فسمى الله تعالى الظهار منكرًا من القول وزورًا، فتحرم على الرجل زوجته، فلا يطؤها ولا يستمتع بشيء منها، حتى يؤدي كفارة الظهار التي ذكرها الله تعالى في كتابه العزيز.

ذهب جمهور العلماء إلى أن الظهار لا يختص بلفظ الأم فقط، بل تكون بتشبيه الزوجة بكل محرمة عليه تحريمًا مؤبدًا؛ كالبنت والجدة والأخت والعمة والخالة، وبنت الأخ وبنت الأخت؛ إذ كل هؤلاء في حكم الأم في الحرمة المؤبدة؛ ( المغني لابن قدامة جـ11 صـ57: صـ58 ).
وإذا استبدل الظهر بعضو آخر من الأعضاء، فقال مثلًا: أنت علي كبطن أمي، فهو ظهار عند جمهور العلماء؛ (سبل السلام للصنعاني جـ3 صـ272 ).
كفارة الظهار: يقول الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ * فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ ﴾ [المجادلة: 3، 4].
من هذه الآيات المباركة يتضح أن كفارة الظهار هي واحدة من ثلاث حسب ترتيبها كما يلي: أولًا: عتق رقبة.
ثانيًا: صوم شهرين متابعين. قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: أجمع أهل العلم على وجوب التتابع في الصيام في كفارة الظهار، وأجمعوا على أن من صام بعض الشهر، ثم قطعه لغير عذرٍ، وأفطر - أن عليه استئناف الشهرين؛ (المغني لابن قدامة جـ11 صـ88 ).
ثالثًا: إطعام ستين مسكينًا من أوسط ما يأكله الزوج، ولا يجوز دفع قيمة الإطعام نقودًا؛ (المغني لابن قدامة جـ11 صـ101)، وهذا الترتيب مجمع عليه عند العلماء؛ ( سبل السلام للصنعاني جـ3 صـ274 ).
فلا يجوز الانتقال من عتق الرقبة إلى الصوم، إلا إذا عجز عن عتق الرقبة، ولا يجوز الانتقال إلى الإطعام إلا إذا عجز عن الصوم، وأما إذا عجز الزوج عن هذه الكفارة، فإنها تبقى في ذمته لحين ميسرة.
ثانيًا: أحكام اللعان: تعريف اللعان: اللعن هو: الطرد والإبعاد على سبيل السخط.
قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: اللعان مشتق من اللعن؛ لأن كل واحد من الزوجين يلعن نفسه في الخامسة إن كان كاذبًا؛ (المغني لابن قدامة جـ11 صـ120 ).
مشروعية اللعان: اللعان مشروع بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين؛ يقول الله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ * وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ ﴾ [النور: 6 - 8].
أسباب طلب اللعان: يتضح من هذه الآيات الكريمة السابقة أن أسباب اللعان هي: (1) أن يرمي الرجل زوجته بالزنا ولم يكن له أربعة شهداء.
(2) نفي الحمل وذلك بأن يدعي الزوج بأنه لم يطأ زوجته أصلًا، أو يدعي بأن الولد الذي وضعته زوجته كان حمله أقل من ستة أشهر.

كيفية اللعان: يسن للحاكم قبل البدء في الملاعنة أن يذكر المتلاعنين بالله، ويُحذرهما من عقوبة الكذب على الله عز وجل، وبعد ذلك يبدأ بالرجل، ويقول له: قل أربع مرات: أشهد بالله إني صادق، فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا، ويشير إليها، فإذا شهد أربع شهادات أوقَفه الحاكم، وقال له: اتَّق الله فإنها الموجبة وعذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، وكل شيء أهون من لعنة الله.

ويأمر الحاكم رجلًا يضع يده على فم الزوج؛ حتى لا يبادر بالخامسة قبل الموعظة، فإذا رأى الحاكم أن الزوج مُصر، قال له: قل: وإن لعنة الله علي إن كنت من الكاذبين فيما رميت به زوجتي هذه من الزنا، وبعد ذلك يأمر المرأة أن تقول أربع مرات: أشهد بالله أن زوجي هذا لمن الكاذبين فيما رماني به من الزنا، وتشير إليه، ثم يوقفها ويعِظها بالله، كما فعل مع الزوج، ويجعل امرأة تضع يدها على فم الزوجة؛ حتى لا تبادر بالخامسة، فإن وجدها مُصرةً، قال لها: قولي: وإن غضب الله علي إن كان زوجي هذا من الصادقين فيما رماني به من الزنا؛ (المغني لابن قدامة جـ11 صـ179 ).
الأحكام المتعلقة باللعان: إذا تلا عن الزوجان، فإنه يترتب على هذا اللعان بعض الأحكام الفقهية التي سوف نتحدث عنها بإيجاز فيما يلي: (1) إسقاط حد القذف عن الزوج، وإسقاط حد الزنا عن الزوجة إذا ثبتت عليها بعد ذلك جريمة الزنا التي رماها بها زوجها عند الملاعنة؛ روى أبو داود عن ابن عباس - وذلك عندما قذف هلال بن أمية امرأته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بشريك بن سحماء - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أبصروها فإن جاءت به أكحلَ العينين، سابغَ الأليتين، خَدَلَّج الساقين، فهو لشَريك بن سحماء)، فجاءت به كذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (لولا ما مضى من كتاب الله، لكان لي ولها شأن)؛ ( حديث صحيح ) ( صحيح أبي داود للألباني حديث 1974 ).
(2) التفريق بين المتلاعنين إلى الأبد: إذا تلاعن الزوجان فإنه يفرَّق بينهما إلى الأبد.
روى أبو داود عن سهل بن سعد رضي الله عنه، قال: فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرَّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا؛ ( حديث صحيح ) ( صحيح أبي داود للألباني حديث 1969 ).
(3) إلحاق الولد بأمه: إذا كانت المرأة حاملًا أو وضعت ولدًا، تلاعنت وانتفى الرجل من ولدها، فإنه يلحق بأمه؛ روى البخاري عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لاعَن بين رجل وامرأته، فانتفى من ولدها، ففرَّق بينهما وألحق الولد بالمرأة؛ ( البخاري حديث 5315 ).
(4) استحقاق المرأة للصداق كاملًا: إذا تلاعن الزوجان، كان الصداق كله من حق المرأة: روى البخاري عن ابن عمر في حديث المتلاعنين، فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم للمتلاعنين: حسابكما على الله، أحدكما كاذب، لا سبيل لك عليها، قال: مالي، قال: لا مال لك: إن كنت صدقت عليها، فهو بما استحللت من فرجها، وإن كنت كذبت عليها، فذاك أبعد لك؛ ( البخاري حديث 5312 ).
(5) ثبوت التوارث بين الولد وأمه فقط: إذا تلاعن الزوجان، وانتفى الرجل من الولد، فإن هذا الولد لا يرث من الرجل، ولكنه يثبت التوارث بينه وبين أمه فقط؛ روى البخاري عن محمد بن شهاب عن الملاعنة وعن السنة فيها من حديث سهل بن سعد أخي بني ساعدة أن رجلًا من الأنصار جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أرأيت رجلًا وجد مع امرأته رجلًا أيقتُله أم كيف يفعل، فأنزل الله في شأنه ما ذكر في القرآن من أمر المتلاعنين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: قد قضى الله فيك وفي امرأتك، قال: فتلاعنا في المسجد وأنا شاهد، فلمَّا فرَغا، قال: كذبت عليها يا رسول الله، إن أمسكتها فطلِّقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم حين فرغا من التلاعن، ففارقها عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: ذاك تفريق بين كل متلاعنين، قال ابن جريج: قال ابن شهاب: فكانت السنة بعدهما أن يفرق بين المتلاعنين، وكانت حاملًا وكان ابنها يدعى لأمه، قال: ثم جرت السنة في ميراثها أنها ترِثه ويرِث منها ما فرض الله له؛ ( البخاري حديث 5309).
أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله ذخرًا لي عنده يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؛ كما أسأله سبحانه أن ينفع به طلاب العلم الكرام.   وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.



شارك الخبر

ساهم - قرآن ٣