أرشيف المقالات

بلاغة الأمر في الأربعين النووية

2بلاغة الأمر في الأربعين النووية
مفهوم الأمر: اختلف البلاغيون في مفهوم الأمر، وإن كان تعريفاتهم قريبة بعضها من بعض؛ من حيث المحتوى والمدلول، وقد شاركهم علماء الأصول في ذلك، وقد احترزوا احترازًا مغروسًا في تعريفاتهم لتعلق الموضوع بأحكام الشريعة، وهاك هذه التعريفات والمفاهيم النابعة من جبال شامخة، وفحول التفكير من البلاغيين الأصوليين.   1- قال الخطيب القزويني: "والأظهر أن صيغته من المقترن باللام؛ نحو: ليحضر زيد، وغيرها؛ نحو: أكرم عمرًا...
موضوعة لطلب الفعل استعلاءً لتبادر الذهن عند سماعها إلى ذلك، وتوقف ما سواه على قرينة"[1]، فلم يجزم بتعريفه كما ترى، بل جعله الأظهر[2].   2- قال الهاشمي: "هو طلب حصول الفعل من المخاطب على وجه الاستعلاء والإلزام"[3]. يشترط في هذا التعريف الاستعلاء والإلزام. فمن تعريفات الأصوليين قول ابن قدامة المقدسي: "الأمر هو استدعاء الأمر بالقول على وجه الاستعلاء"[4].   فمن الأصوليين مَن يشترط في الأمر أن يكون بالقول كما يبرز ذلك في هذا التعريف؛ حيث يخرج من قوله بـ"القول" الإشارة، فلا تُسمى أمرًا عندهم، وإن أفادت معناه.
وقيل: لا يشترط فيه العلو والاستعلاء، فيصبح من المساوي والأوان على غير الاستعلاء[5]، لكن الذين قالوا بالاستعلاء قالوا: ليخرج غيره مما يستفاد من صيغة الأمر بالقرائن كالالتماس والدعاء، ولعل سبب اختلافهم في مفهوم الأمر يرجع إلى مرجعية كل عالم وحرصه الشديد؛ ليصل إلى الدقة والحقيقة فيما يعالجه من قضية إسلامية.   للأمر أربع صيغ تنوب كل واحدة منها مناب الأخرى في طلب الفعل على وجه الاستعلاء، وهي: 1- الفعل الأمر: نحو قوله صلى الله عليه وسلم: )اتَّقِ الله حيثما كنتَ وأَتْبِعِ السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها...)[6].   2- المضارع المقرون بلام الأمر؛ نحو قوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)[7].
3- اسم فعل الأمر، ومنه: "عليكم" اسم فعل أمر؛ نحو قوله صلى الله عليه وسلم: (فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّين).   4- المصدر النائب عن فعل الأمر؛ نحو قوله صلى الله عليه وسلم:(رفقًا بالقوارير)[8].   وقد خرج الأمر في الأربعين النووية عن معناه الأصلي، وهي طلب حصول فعل لم يكن حاصلًا وقت الطلب إلى معان كثيرة تستفاد من قرائن الأحوال والسياق، ومن هذه المعاني: النصح والإرشاد: هو الطلب الذي لا تكليف ولا الإلزام فيه، وإنما هو طلب يحمل بين طيَّاته معنى النصيحة والموعظة والإرشاد[9]، ويكون بكل صيغة من صيغ الأمر؛ نحو قوله صلى الله عليه وسلم: (فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحة)[10]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (اتقِ الله حيثما كنتَ وأَتْبِعِ)[11]، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (احفظ الله يَحْفَظْك، احفظ الله تَجِدْهُ تُجَاهَك)[12]، وقوله صلى الله عليه وسلم: (فَاستَهدُوني أهْدِكُم...
فَاستَطعِمُوني أُطْعِمْكُم...
فاسْتَكْسُونِي أكْسُكُم...
فَاسْتَغْفِرُوني أغْفِرْ لَكُم) [13]، وكذلك قوله صلى الله عليه وسلم: (ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبّك اللهُ، وَازْهَدْ فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّك النَّاسُ) [14]، وقوله صلى الله عليه وسلم:(كُنْ في الدُّنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيل) [15].
ويبرز من فحوى هذه الأحاديث، ومن مضامينها الأمر الذي صرفته القرينة من الإلزام إلى النصح والإرشاد، وهذا النوع من الأمر يأخذ نسبة كثيرة، وحظًّا وافرًا في الأحاديث النبوية، لما يتميز به من سرعة مصايدة الخواطر، ومسايدة الأفكار، وتسبية العقول، وتلبيتها إلى دعوة الداعي؛ لأن المخاطب لا يشعر بالدناءة ولا الذلة اتجاه علو المتكلم واستعلائه، وهذه إستراتيجية كلامية، تستعمل للوصول إلى المنشود في أيسر جهد، وأقرب وقت ممكن.   الاسترشاد والاستنصاح: هو طلب النصيحة والإرشاد من ذي ثقافة دينية أو دنيوية بصيغة من صيغ الأمر، ويبرز مثل هذا في الأحاديث التالية: 1- حديث أبي هريرة أن رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: "أَوصِني"[16].   2- حديث أبي عمرو وقيل: حديث أبي عمرة سفيان بن عبدالله الثقفي قال رضي الله عنهم قلتُ: يا رسول الله "قُلْ لِي فِي الإِسْلامِ قَوْلا لا أَسْأَلُ عَنْهُ أَحَدًا بَعْدَك"[17].   3- حديث معاذ بن جبل رضي الله عنهم قال: "أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ؟"[18].   4- حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنهم قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله (دُلَّني على أمر إذا عملتُه أحبَّني الله وأحبَّني الناس)[19].   فكلها أوامر خرَجت عن معناها الأصلي إلى الاسترشاد والاستنصاح، فالصحابة رضوان الله عليهم أجمعين من عادتهم أنهم يوجِّهون طلبهم إلى الحضرة النبوية الأفصحية، بأسلوب إنشائي أمري في ثوبه الاسترشادي، وبأسلوب موجز موحي مقنع، وتأتي الإجابة بأسلوب أروع من ذلك.   ويلاحظ أن الصحابة لا تهمهم دنياهم كما تهمهم أخراهم؛ لأن الدنيا دار فناء، والآخرة دار بقاء، لذلك ركزوا استرشادهم واستنصاحهم فيما يقربهم إلى الله زُلفى، ويبعدهم من عذابه الأليم.   التخيير: هو أن يطلب من المخاطب أن يختار بين أمرين أو أكثر[20]، مثل قوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة رضي الله عنهم: (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ)[21].
تبرز الشفافية الفنية في هذا الحديث؛ حيث جاء الحديث بالأمر الذي خرج من معناه الأصلي إلى التخيير، فالمخاطب مخير؛ إما أن يقول الخير أو ليصمت، ولا يمكن أن يجمع بينها، نحو قولك: تزوَّج "ببثينة أو أختها".   فالمخاطب مخير هنا بين زواج ببثينة أو أختها، ولكن ليس له أن يجمع بينهما، ومن الأمر الذي يستفاد منه تخيير قول بشار بن برد: فعِشْ واحدًا أو صِلْ أخاك فإنه *** مقارفُ ذنبٍ مرَّةً ومُجانِبُهْ[22]   فهو يخيِّر مخاطبه بين أمرين: العيش واحدًا منعزلًا أو صلة الإخوان ومخالطتهم، مع التجاوز عما يكون منهم من إساءات، فتلك لا بد منها[23].   التهديد والوعيد: ويكون باستعمال صيغة الأمر من جانب المتكلم في مقام عدم الرضا منه بقيام المخاطب بفعل ما أمر به تخويفًا له[24]، وخُذ قوله صلى الله عليه وسلم: (إذا لم تستحي فاصنع ما شئت)[25].   وهو أمر لم يقصد به إرادة الامتثال بما يحمله من المعنى، إنما يريد به التهديد والتخويف، على غرار[26] قوله تعالى: ﴿ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ [فصلت: 40].   فليس المراد بالأمر "اعْمَلُوا" أن يتمثلوا، فيعملوا ما يشاؤون، بل المراد الزجر والتهديد؛ حتى يقلعوا عن الإلحاد ويكفوا عن العناد..
وهذا هو سرُّ بلاغة التعبير بالأمر في مقام الوعيد والتهديد[27]، وبهذا يتضح لك ما للسياق وقرائن أحواله، فهو الذي يحدِّد المعنى الذي يفيده أسلوب الأمر[28].   الاختبار: ويكون باستعمال صيغة الأمر في اختبار المعلم للمتعلم، لقصد اكتشاف مدى قوة ذاكرة الطالب وفَهمه للموضوع، مثل قول المعلم للطالب: عرِّف الإنشاء؟
فالمعلم عارف بمعنى الإنشاء، لكن سأل الطالب لغرض اكتشاف مدى حفظه لهذا التعريف، وليذكر من نسِي من الطلاب.   مثال ذلك في الأربعين النووية قول جبريل عليه السلام بعد أن أسند رُكبتيه إلى رُكبتي النبي، ووضَع كفَّيه على فخِذيه ثم قال: "أَخْبِرْنِي عَنِ الإِسْلاَم"[29].   فهو أمر خرج عن مقتضاه الظاهر إلى معنى الاختبار لصدوره من الملقن إلى المتلقي[30].


[1] الخطيب القزويني، المصدر السابق، ص 145. [2] أبو موسى، المرجع السابق، ص 261. [3] الهاشمي، المرجع السابق، ص 64. [4] المقدسي، ابن قدامة المقدسي، روضة الناظر وجنة المناظر في أصول الفقه على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ط2، 1423هـ - 2002م، مؤسسة الريان للطباعة والنشر، ص 542. [5] المصدر السابق 542. [6] سبق تخريجه. [7] النووي، ح15، وأخرجه أبو داود (باب في حق الجوار ....)، ج4، ص504. [8] سبق تخريجه. [9] عبدالعزيز عتيق، المرجع السابق، ص 61. [10] سبق تخريجه. [11] سبق تخريجه. [12] سبق تخريجه. [13] النووي، ح24، أخرجه المسلم (باب تحريم الظلم)، ج4، ص 1548. [14] النووي، ح31، أخرجه ابن ماجه في سننه، (باب الزهد في الدنيا..)، ج2، ص1373. [15] النووي، ح40، أخرجه ابن ماجه (كتاب الزهد)، ج5، ص232. [16] سبق تخريجه. [17] النووي، ح21، وأخرجه في رياض الصالحين "باب في الاستقامة"، ص 84. [18] النووي، ح29، أخرجه ابن ماجه (باب الفتن)، ج5، 116. [19] سبق تخريجه. [20] عبدالعزيز عتيق، المرجع السابق، ص 62. [21] النووي، ح15، أخرجه البيهقي في سننه (باب الاختيار للمحرم والحلال)، ج5، 68. [22] عبدالعزيز عتيق، الرجع السابق، ص 62 [23] المرجع السابق، ص 62. [24] المصدر السابق، 63. [25] النووي، ح، أخرجه مالك في موطأ (باب وضع اليدين إحداهما، على الأخرى....)، ج2، ص220. [26] الأويي لقمان، التحليل البلاغي للأربعين حديثًا النووية، ط1، 1431م - 2010م، ص 79. [27] بسيوني، المصدر السابق، ص289. [28] المصدر السابق، 290. [29] النووي، ح2، أخرجه البيهقي (باب إثبات فرض الحج على من....)، ج4، ص 324. [30] الأويي، المصدر السابق، ص 8.



شارك الخبر


اختارنا لك اخبار اخري .