أرشيف المقالات

من قصص الصابرين

مدة قراءة المادة : 38 دقائق .
2من قصص الصابرين   الحمد لله رب العالمين، حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، كما يحب ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا إله سواه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي اصطفاه واجتباه وهداه، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، أما بعد: فإن معرفة بعض القصص من حياة الصابرين يساعد المسلم على الصبر، فأقول وبالله تعالى التوفيق: صور من صبر الأنبياء (1) نوح عليه السلام: قال الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [العنكبوت: 14].   قال الإمام ابن جرير الطبري: يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: "لا يحزننك يا محمد ما تلقى من هؤلاء المشركين أنت وأصحابك من الأذى، فإني وإن أمليت لهم فأطلت إملاءهم، فإن مصير أمرهم إلى البوار، ومصير أمرك وأمر أصحابك إلى العلو والظفر بهم، والنجاة مما يحل بهم من العقاب، كفعلنا ذلك بنوح؛ إذ أرسلناه إلى قومه، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا يدعوهم إلى التوحيد، وفراق الآلهة والأوثان، فلم يزدهم ذلك من دعائه إياهم إلى الله من الإقبال إليه، وقبول ما أتاهم به من النصيحة من عند الله إلا فرارًا" (تفسير الطبري، جـ18، صـ370).   (2) الخليل إبراهيم عليه السلام: قال تعالى عن حكاية نبيه إبراهيم عليه السلام: ﴿ وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ * رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾ [الصافات: 99 - 107].   قال الإمام ابن كثير رحمه الله: "قوله: ﴿ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ ﴾؛ يعني: أولادًا مطيعين عوضًا من قومه وعشيرته الذين فارقهم.   قوله: ﴿ فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ ﴾ هذا الغلام هو إسماعيل عليه السلام، فإنه أول ولد بُشِّر به إبراهيم عليه السلام. قوله: ﴿ فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ ﴾؛ أي: كبر وترعرع، وصار يذهب مع أبيه ويمشي معه.   قوله: ﴿ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى ﴾ وإنما أعلم إبراهيم ابنه بذلك؛ ليكون أهون عليه، وليختبر صبره وجلده وعزمه من صغره على طاعة الله تعالى وطاعة أبيه.   قوله: ﴿ قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ ﴾؛ أي: امض لما أمرك الله من ذبحي. قوله: ﴿ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ﴾؛ أي: سأصبر، وأحتسب ذلك عند الله عز وجل. قوله: ﴿ فَلَمَّا أَسْلَمَا ﴾؛ أي: استسلما وانقادا؛ إبراهيم امتثل أمر الله، وإسماعيل امتثل طاعة الله وأبيه. قوله: ﴿ وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ﴾؛ أي: صرعه على وجهه ليذبحه من قفاه، ولا يشاهد وجهه عند ذبحه؛ ليكون أهون عليه.   قوله: ﴿ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ﴾؛ أي: قد حصل المقصود من رؤياك بإضجاعك ولدك للذبح. قوله: ﴿ إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ﴾؛ أي: هكذا نصرف عمن أطاعنا المكاره والشدائد، ونجعل لهم من أمرهم فرجًا ومخرجًا.   قوله: ﴿ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ ﴾؛ أي: الاختبار الواضح الجلي؛ حيث أمر إبراهيم بذبح ولده، فسارع إلى ذلك مستسلمًا لأمر الله، منقادًا لطاعته. قوله: ﴿ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ ﴾؛ أي: بكبش أبيض أعين أقرن"؛ (تفسير ابن كثير، جـ7، صـ 31:27).   (3) الصديق يوسف عليه السلام: قال جل شأنه حكاية عن نبيه يوسف عليه السلام: ﴿ وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ * وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ ﴾ [يوسف: 23، 24].   قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: كان صبر يوسف عن مطاوعة امرأة العزيز على شأنها أكمل من صبره على إلقاء إخوته له في الجب، وبيعه وتفريقهم بينه وبين أبيه، فإن هذه أمور جرت عليه بغير اختياره، لا كسب له فيها، ليس للعبد فيها حيلة غير الصبر، وأما صبره عن المعصية فصبر اختيار ورضًا ومحاربة للنفس، ولا سيما مع الأسباب التي تقوى معها دواعي الموافقة، فإنه كان شابًّا، وداعية الشباب إليها قوية، وعزبًا ليس له ما يعوضه ويرد شهوته، وغريبًا، والغريب لا يستحي في بلد غربته مما يستحي منه مَنْ بين أصحابه ومعارفه وأهله، ومملوكًا، والمملوك أيضًا ليس وازعه كوازع الحر، والمرأة جميلة، وذات منصب، وهي سيدته، وقد غاب الرقيب، وهي الداعية له إلى نفسها، والحريصة على ذلك أشد الحرص، ومع ذلك توعَّدته إن لم يفعل بالسجن والصغار، ومع هذه الدواعي كلها صبر اختيارًا، وإيثارًا لما عند الله، وأين هذا من صبره في الجب على ما ليس من كسبه؟!   (مدارج السالكين؛ لابن القيم، جـ2، صـ 156).   (4) أيوب عليه السلام: قال جل شأنه حكاية عن نبيه أيوب عليه السلام: ﴿ وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ * ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ * وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ * وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴾ [ص: 41، 44].   ♦ روى أبو يعلى الموصلي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ((إن أيوب نبي الله كان في بلائه ثماني عشرة سنةً فرفضه القريب والبعيد، إلا رجلان من إخوانه كانا من أخص إخوانه كانا يغدوان إليه ويروحان إليه، فقال أحدهما لصاحبه: أتعلم، والله لقد أذنب أيوب ذنبًا ما أذنبه أحد، قال صاحبه: وما ذاك؟ قال: منذ ثماني عشرة سنةً لم يرحمه الله، فيكشف عنه، فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له، فقال أيوب: لا أدري ما يقول غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله، فأرجع إلى بيتي فأكفِّر عنهما كراهية أن يذكر الله إلا في حق، قال: وكان يخرج إلى حاجته فإذا قضى حاجته أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ، فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحي إلى أيوب في مكانه أن: ﴿ ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ ﴾ فاستبطأته، فتلقَّته ينظر، وأقبل عليها قد أذهب الله ما به من البلاء، وهو على أحسن ما كان، فلما رأته، قالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت نبي الله هذا المبتلى؟ ووالله على ذلك ما رأيت أحدًا أشبه به منك إذ كان صحيحًا، قال: فإني أنا هو، وكان له أندران – أي: مكانان لحفظ الطعام - أندر للقمح، وأندر للشعير، فبعث الله سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض، وأفرغت الأخرى على أندر الشعير الورق حتى فاض))؛ (حديث صحيح) (السلسلة الصحيحة؛ للألباني، جـ1، صـ53، حديث:17).   (5) نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: لقد ابتلى الله تعالى نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم، فصبر وتحمَّل من الأذى من أجل نشر الإسلام ما لا يستطيع بشر أأن يتحمَّله، ونستطيع أن نذكر من ذلك ما يلي: 1- روى الشيخان عن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية فأدركه أعرابي فجبذ (جذب) بردائه جبذةً شديدةً، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم، وقد أثرت بها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء؛ (البخاري، حديث 6088 / مسلم حديث 1057).   قال الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله: في هذا الحديث بيان حلمه صلى الله عليه وسلم، وصبره على الأذى في النفس والمال، والتجاوز على جفاء من يريد تألفه على الإسلام، وليتأسَّى به الولاة بعده في خلقه الجميل من الصفح والإغضاء، والدفع بالتي هي أحسن؛ (فتح الباري؛ لابن حجر العسقلاني، جـ10، صـ 506).   2- روى البخاري عن عروة بن الزبير، قال: سألت ابن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي صلى الله عليه وسلم، قال: بينا النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في حجر الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط، فوضع ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبه، ودفعه عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ﴿ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ﴾ [غافر: 28]؛ (البخاري، حديث:3856).   3- روى الشيخان عن عبدالله بن مسعود، قال: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان، فيأخذه فيضعه في كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم (عقبة بن أبي معيط) فأخذه، فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه، قال: فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد ما يرفع رأسه حتى انطلق إنسان، فأخبر فاطمة، فجاءت وهي جويرية، فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم، فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا، دعا ثلاثًا، وإذا سأل، سأل ثلاثًا، ثم قال: اللهم عليك بقريش ثلاث مرات، فلما سمِعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال: ((اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط))، وذكر السابع ولم أحفظه، فو الذي بعث محمدًا صلى الله عليه وسلم بالحق، لقد رأيت الذين سمَّى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر"؛ (البخاري، حديث 52/ مسلم حديث 1794).   4- روى الترمذي عن أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لقد أخفت في الله، وما يخاف أحد، ولقد أوذيت في الله، وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليَّ ثلاثون من بين يوم وليلة وما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلا شيء يواريه إبط بلال))؛ (حديث صحيح) (صحيح الترمذي؛ للألباني حديث2012).   قال أبو عيسى الترمذي رحمه الله: "معنى هذا الحديث: حين خرج النبي صلى الله عليه وسلم هاربًا من مكة ومعه بلال؛ إنما كان مع بلال من الطعام ما يحمله تحت إبطه"؛ (سنن الترمذي، جـ4، صـ556).   ♦ ((أخفت في الله))؛ أي: في إظهار دينه. ♦ ((وما يخاف أحد))؛ أي: خوفت وحدي وأوذيت بانفرادي.   معنى الحديث: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((كنت وحيدًا في ابتداء إظهاري للدين، فخوفني في ذلك وآذاني الكفار، ولم يكن معي أحد حينئذٍ يوافقني في تحمُّل الأذى إلا مساعدة المولى ومعاونة الرفيق الأعلى))؛ (مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، علي الهروي، جـ8، صـ 3287).   5- روى الشيخان عن عبدالله بن مسعود، رضي الله عنه، قال: لما كان يوم حنين، آثر النبي صلى الله عليه وسلم أناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائةً من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسًا من أشراف العرب فآثرهم يومئذٍ في القسمة، قال رجل: والله إن هذه القسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله، فقلت: والله لأخبرن النبي صلى الله عليه وسلم، فأتيته، فأخبرته، فقال: ((فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله، رحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر))؛ (البخاري، حديث: 3150/ مسلم، حديث: 1062).   "آثر أناسًا" اختارهم وخصَّهم بشيء عن غيرهم، (القسمة)؛ أي: قسمة الغنيمة، (رجل) قيل: هو معتب بن قشير، وهو من المنافقين.   صبر آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم: ♦ روى الشيخان عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، أنها قالت لعروة: ابن أختي، إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله صلى الله عليه وسلم نار، فقلت: يا خالة، ما كان يعيشكم؟ قالت: الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم، جيران من الأنصار، كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله صلى الله عليه وسلم، من ألبانهم، فيسقينا؛ (البخاري، حديث: 2567/ مسلم، حديث: 2972).   ♦ (الأسودان) يطلق على التمر والماء، والسواد للتمر دون الماء، فنُعتا بنعتٍ واحدٍ تغليبًا، وإذا اقترن الشيئان سُمِّيا باسم أشهرهما؛ (فتح الباري؛ لابن حجر العسقلاني، جـ11، صـ 293).   ♦ (منائح): جمع منيحة، وهي الناقة، أو الشاة التي يعطيها الرجل لغيره ليحلبها وينتفع بلبنها، ثم يعيدها إليه؛ (عمدة القاري؛ للبدر العيني، جـ23، صـ62).   ♦ روى الشيخان عن عائشة أنها قالت: ما شبع آل محمد صلى الله عليه وسلم من خبز شعير يومين متتابعين حتى قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ (البخاري، حديث5416/مسلم حديث2970).   ♦ روى البخاري عن عروة عن عائشة رضي الله عنها، قالت: ما أكل آل محمد صلى الله عليه وسلم أكلتين في يوم إلا إحداهما تمر؛ (البخاري، حديث 6455).   ♦ روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: إني مجهود (جائع)، فأرسل إلى بعض نسائه، فقالت: والذي بعثك بالحق، ما عندي إلا ماء، ثم أرسل إلى أخرى، فقالت مثل ذلك، حتى قلن كلهن مثل ذلك: لا، والذي بعثك بالحق، ما عندي إلا ماء، فقال: ((من يضيف هذا الليلة رحمه الله؟))، فقام رجل من الأنصار، فقال: أنا يا رسول الله، فانطلق به إلى رحله، فقال لامرأته: هل عندك شيء؟ قالت: لا، إلا قوت صبياني، قال: فعلليهم بشيء، فإذا دخل ضيفنا فأطفئي السراج، وأريه أنا نأكل، فإذا أهوى ليأكل، فقومي إلى السراج حتى تطفئيه، قال: فقعدوا وأكل الضيف، فلما أصبح غدا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: قد عجب الله من صنيعكما بضيفكما الليلة؛ (مسلم، حديث: 2054).   ♦ روى الطبراني عن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال: أضاف النبي صلى الله عليه وسلم ضيفًا، فأرسل إلى أزواجه يبتغي عندهن طعامًا، فلم يجد عند واحدة منهن، فقال: اللهم إني أسألك من فضلك ورحمتك، فإنه لا يملكها إلا أنت، قال: فأهدي إليه شاة مصلية (أي: مشوية)، فقال: هذه من فضل الله، ونحن ننتظر الرحمة؛ (حديث صحيح) (السلسلة الصحيحة للألباني، جـ4، صـ57، حديث 1543).   صبر سحرة فرعون بعد توبتهم: قال سبحانه حكاية عن سحرة فرعون: ﴿ قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى * قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى * فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى * قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى * وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى * فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى * قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى * وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى * جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ مَنْ تَزَكَّى ﴾ [طه: 65 - 76].   صور من صبر الصحابة: سوف نذكر بعضًا من صور أصحاب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم: (1) أبو بكر الصديق: قالت عائشة رضي الله عنها: كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه حين ضاقت عليه مكة، وأصابه فيها الأذى، ورأى من تظاهر قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ما رأى، استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، فأذن له، فخرج أبو بكر مهاجرًا، حتى إذا سار من مكة يومًا أو يومين لقيه ابن الدغنة، وهو يومئذٍ سيد الأحابيش، فقال له: أين يا أبا بكر؟ قال أخرجني قومي وآذوني، وضيَّقوا عليَّ، قال: ولم؟ فو الله إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتفعل المعروف، وتكسب المعدوم، ارجع فأنت في جواري، فرجع معه حتى إذا دخل مكة، قام ابن الدغنة، فقال: يا معشر قريش، إني قد أجرت ابن أبي قحافة، فلا يعرضن له أحد إلا بخير، قالت: فكفوا عنه، قالت عائشة: كان لأبي بكر مسجد عند باب داره في بني جمح، فكان يصلي فيه، وكان رجلًا رقيقًا، إذا قرأ القرآن استبكى، قالت: فيقف عليه الصبيان والعبيد، والنساء يعجبون لما يرون من هيئته، قالت فمشى رجال من قريش إلى ابن الدغنة، فقالوا له: يا بن الدغنة، إنك لم تجر هذا الرجل ليؤذينا، إنه رجل إذا صلى وقرأ ما جاء به محمد يرق ويبكي، وكانت له هيئة ونحو، فنحن نتخوَّف على صبياننا ونسائنا وضعفتنا أن يفتنهم فأته فمُرْه أن يدخل بيته، فليصنع فيه ما شاء، قالت فمشى ابن الدغنة إليه، فقال له: يا أبا بكر مكانك الذي أنت فيه، وتأذوا بذلك منك، فادخل بيتك، فاصنع فيه ما أحببت، قال: أو أرد عليك جوارك وأرضى بجوار الله؟ قال: فاردد عليَّ جواري، قال قد رددته عليك، قالت: فقام ابن الدغنة، فقال: يا معشر قريش، إن ابن أبي قحافة قد رد عليَّ جواري، فشأنكم بصاحبكم.
قال القاسم بن محمد، لقي أبا بكر الصديق سفيهٌ من سفهاء قريش، وهو عامد إلى الكعبة، فحثا على رأسه ترابًا، قال: فمرَّ بأبي بكر الوليد بن المغيرة، فقال أبو بكر: ألا ترى إلى ما يصنع هذا السفيه؟ قال: أنت فعلت ذلك بنفسك، قال أبو بكر: رب ما أحلمك! رب ما أحلمك! رب ما أحلمك! (سيرة ابن هشام، جـ 1، صـ 373:372).   (2) عثمان بن عفان: قال محمد بن إبراهيم بن حارث التيمي: لما أسلم عثمان بن عفان أخذه عمُّه الحكم بن أبي العاص بن أمية فأوثقه رباطًا، وقال: أترغب عن ملة آبائك إلى دين محدث؟ والله لا أحلك أبدًا حتى تدع ما أنت عليه من هذا الدين، فقال عثمان: والله لا أدعه أبدًا، ولا أفارقه، فلما رأى الحكم صلابته في دينه تركه، قالوا: فكان عثمان ممن هاجر من مكة إلى أرض الحبشة الهجرة الأولى والهجرة الثانية، ومعه فيهما جميعًا امرأته رقية بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إنهما لأول من هاجر إلى الله بعد لوط (الطبقات الكبرى؛ لابن سعد، جـ 3، صـ 40).   (3) طلحة بين عبيدالله: قال مسعود بن حراش: بينما أنا أطوف بين الصفا والمروة إذا أناس كثير يتبعون إنسانًا فتًى شابًّا موثقًا يده إلى عنقه، قلت: ما شأنه؟ قالوا: هذا طلحة بن عبيد الله صبأ (أسلم)، وامرأة وراءه تذمُّه وتسبُّه، قالوا: هذه أمه الصعبة بنت الحضرمي؛ (التاريخ الكبير؛ للبخاري، جـ 7، صـ 421، رقم: 1849).   (4) الزبير بن العوام: روى أبو نعيم عن أبي الأسود، قال: أسلم الزبير بن العوام، وهو ابن ثماني سنين، وهاجر وهو ابن ثماني عشرة سنةً، كان عم الزبير يعلق الزبير في حصير، ويدخن عليه بالنار، وهو يقول: ارجع إلى الكفر، فيقول الزبير: لا أكفر أبدًا؛ (حلية الأولياء؛ لأبي نعيم، جـ 1، صـ 89).   (5) بلال بن رباح: قال محمد بن إسحاق: كان بلال مولى أبي بكر لبعض بني جمح، مولدًا من مولديهم، وهو بلال بن رباح، كان اسم أمه حمامة، وكان صادق الإسلام طاهر القلب، فكان أمية يخرجه إذا حميت الظهيرة، فيطرحه على ظهره في بطحاء مكة، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فيقول وهو في ذلك البلاء: أحد أحد؛ (حلية الأولياء؛ لأبي نعيم، جـ 1، صـ 148).   6- قال محمد بن إسحاق: كانت بنو مخزوم يخرجون بعمَّار بن ياسر، وبأبيه وأمه، وكانوا أهل بيت إسلام، إذا حميت الظهيرة، يعذبونهم برمضاء (الرمال شديدة الحرارة) مكة، فيمرَّ بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: صبرًا آل ياسر، موعدكم الجنة، فأما أمه فقتلوها، وهي تأبى إلا الإسلام؛ (سيرة ابن هشام، جـ1، صـ319).   (7) صهيب الرومي: قال سعيد بن المسيب: لما أقبل صهيب مهاجرًا نحو النبي صلى الله عليه وسلم، فاتبعه نفر من قريش نزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته، ثم قال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلًا، وايم الله لا تصلون إلي حتى أرمي بكل سهم معي في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، افعلوا ما شئتم، دللتكم على مالي وثيابي بمكة وخليتم سبيلي، قالوا: نعم، فلما قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة قال: ((ربح البيع أبا يحيى، ربح البيع أبا يحيى))، قال: ونزلت: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ﴾ [البقرة: 207]؛ (حلية الأولياء؛ لأبي نعيم الأصبهاني، جـ 1، صـ 152:151).   (8) المرأة المريضة: روى الشيخان عن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأةً من أهل الجنة؟ قلت: بلى، قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: إني أصرع، وإني أتكشَّف فادع الله لي، قال: ((إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك؟))، فقالت: أصبر، فقالت: إني أتكشف، فادع الله لي ألَّا أتكشَّف فدعا لها؛ (البخاري حديث 5652/مسلم حديث2576).   (9) أم سليم زوجة أبي طلحة: روى مسلم عن أنس قال: مات ابن لأبي طلحة من أم سليم، فقالت لأهلها: لا تحدثوا أبا طلحة بابنه حتى أكون أنا أحدثه، قال: فجاء فقربت إليه عشاءً، فأكل وشرب، فقال ثم تصنعت له أحسن ما كان تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فلما رأت أنه قد شبع وأصاب منها، قالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت، فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قال: لا، قالت: فاحتسب ابنك، قال: فغضب وقال: تركتني حتى تلطخت، ثم أخبرتني بابني، فانطلق حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما كان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((بارك الله لكما في غابر ليلتكما))، قال: فحملت؛ (مسلم حديث 2144).   7- قال عبدالرحمن بن جوشن: إن ابن عباس نعي إليه أخوه قثم، وهو في مسير، فاسترجع، ثم تنحى عن الطريق، فصلَّى ركعتين أطال فيهما الجلوس، ثم قام يمشي إلى راحلته، وهو يقول: ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ ﴾ [البقرة: 45]؛ (سنن سعيد بن منصور، جـ2، صـ 632، رقم: 231).   (10) صفية عمة نبينا صلى الله عليه وسلم: قال ابن إسحاق: أقبلت صفية بنت عبدالمطلب رضي الله عنها؛ لتنظر إلى أخيها حمزة بن عبدالمطلب، وكان أخاها لأبيها وأمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير بن العوام: ((القها فأرجعها، لا ترى ما بأخيها))، فقال لها: يا أمه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن ترجعي، قالت: ولم؟ وقد بلغني أن قد مثل بأخي، وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك! لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله، فلما جاء الزبير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بذلك، قال: خل سبيلها، فأتته، فنظرت إليه، فصلت عليه، واسترجعت (أي قالت: إنا لله، وإنا إليه راجعون)، واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفن؛ (سيرة ابن هشام، جـ2، صـ97).   (11) أسماء بنت أبي بكر الصديق: قال عبدالله بن أبي مليكة: دخلت على أسماء بنت أبي بكر الصديق بعدما قتل الحجاج بن يوسف الثقفي ابنها عبدالله بن الزبير، فقالت: بلغني أن هذا صلب عبدالله؛ اللهم لا تمتني حتى أوتى به، فأحنطه، وأكفنه، فأتيت به بعد، فجعلت تحنطه بيدها، وتكفنه بعدما ذهب بصرها، وصلت عليه؛ وما أتت عليه جمعة إلا ماتت، وكانت أسماء قد بلغت مائة سنة؛ (سير أعلام النبلاء؛ للذهبي، جـ2، صـ 295).   (12) الخنساء: شهدت الخنساء (تماضر بنت عمرو بن الحارث) رضي الله عنها حرب القادسية، ومعها أربعة بنين لها، فقالت لهم من أول الليل: يا بني، إنكم أسلمتم طائعين، وهاجرتم مختارين، والله الذي لا إله إلا هو، إنكم لبنو رجل واحد، كما أنكم بنو امرأة واحدة، ما خنت أباكم، ولا فضحت خالكم، ولا هجنت حسبكم، ولا غيرت نسبكم، وقد تعلمون ما أعد الله للمسلمين من الثواب الجزيل في حرب الكافرين، واعلموا أن الدار الباقية خير من الدار الفانية، ويقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾ [آل عمران: 200]، فإذا أصبحتم إن شاء الله سالمين، فاغدوا إلى قتال عدوكم مستبصرين، وبالله على أعدائه مستنصرين، فإذا رأيتم الحرب قد شمَّرت عن ساقها، واضطرمت لظًى على سباقها، وجللت نارًا على أرواقها، فيمموا وطيسها، وجالدوا رئيسها عند احتدام خميسها، تظفروا بالغنم، والكرامة في دار الخلد والمقامة، فلما كان القتال في الغد، كان يهجم كل واحد منهم ويقول شعرًا، يذكر فيه وصية العجوز، ويقاتل حتى يقتل، فلما بلغها خبر قتلهم كلهم، قالت: الحمد لله الذي شرَّفني بقتلهم، وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعطي الخنساء أرزاق أولادها الأربعة: لكل واحد مائتي درهم حتى قبض رضي الله عنه؛ (الاستيعاب؛ لابن عبدالبر جـ4، صـ 1829:1828).   صور أخرى من الصبر (1) عروة بن الزبير بن العوام: قال هشام بن عروة: خرج أبي إلى الوليد بن عبدالملك، فوقع في رجله الأكلة، فقال له الوليد: يا أبا عبدالله، أرى لك قطعها قال: فقطع، وإنه لصائم، فما تضوَّر وجهه، قال: ودخل ابنٌ له أكبر ولده اصطبل الدواب، فرفسته دابته فقتلته، فما سمع من أبي في ذلك شيء حتى قدم المدينة، فقال: اللهم إنه كان لي أطراف أربعة فأخذت واحدًا، وأبقيت ثلاثةً فلك الحمد، وكان لي بنون أربعة، فأخذت واحدًا، وأبقيت لي ثلاثةً فلك الحمد، وايم الله لئن أخذت لقد أبقيت، ولئن أبليت طالما عافيت؛ (حلية الأولياء؛ أبو نعيم الأصبهاني، جـ2، صـ 179).   (2) الأحنف بن قيس: قال مغيرة بن سعد بن الأخرم: شكا ابن أخ للأحنف بن قيس إلى الأحنف بن قيس وجع ضرسه، فقال له الأحنف بن قيس: لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنةً ما ذكرتها لأحد؛ (الزهد؛ لأحمد بن حنبل، صـ191، رقم: 1306).   (3) شريح القاضي: قال شريح بن الحارث، قاضي الكوفة رحمه الله: إني لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله عليها أربع مرات، أحمد إذ لم يكن أعظم منها، وأحمد إذ رزقني الصبر عليها، وأحمد إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو من الثواب، وأحمد إذ لم يجعلها في ديني؛ (سير أعلام النبلاء؛ للذهبي، جـ4، صـ105).   (4) أبو قلابة عبدالله بن زيد الجرمي: روى ابن حبان عن بقية بن الوليد، قال: حدَّثنا الأوزاعي عن عبدالله بن محمد، قال: خرجت إلى ساحل البحر مرابطًا، وكان رابطنا يومئذ عريش مصر، فلما انتهيت إلى الساحل فإذا أنا بخيمة فيها رجل (وهو: أبو قلابة عبدالله بن زيد الجرمي)، قد ذهب يداه ورجلاه وثقل سمعه وبصره، وما له من جارحة تنفعه إلا لسانه، وهو يقول: (اللهم أوزعني أن أحمدك حمدًا أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ، وفضلتني على كثير ممن خلقت تفضيلًا)، قلت: والله لآتين هذا الرجل ولأسألنَّه أنى (كيف) له هذا الكلام: فهم أم علم أم إلهام ألهم، فأتيت الرجل فسلمت عليه، فقلت: سمعتك وأنت تقول: اللهم أوزعني أن أحمدك حمدًا أكافئ به شكر نعمتك التي أنعمت بها عليَّ، وفضلتني على كثير ممَّن خلقت تفضيلًا، فأي نعمة من نعم الله عليك تحمده عليها؟ وأي فضيلة تفضل بها عليك تشكره عليها؟ قال: وما ترى ما صنع ربي، والله لو أرسل السماء عليَّ نارًا، فأحرقتني، وأمر الجبال فدمرتني، وأمر البحار فغرقتني، وأمر الأرض فبلعتني، ما ازددت لربِّي إلا شكرًا لما أنعم عليَّ من لساني هذا؛ (الثقات؛ لابن حبان، جـ5، صـ2، رقم: 3561).   8- قال علي بن الحسن بن أبي مريم: كان رجل بالمصيصة (مكان) ذاهب النصف الأسفل، لم يبق منه إلا رُوحه في بعض جسده، ضرير على سرير ملقًى، مثقوب له للبول، فدخل عليه داخل، فقال: كيف أصبحت يا أبا محمد؟ قال: ملك الدنيا، منقطع إلى الله تبارك وتعالى، ما لي إليه من حاجة إلا أن يتوفَّاني على الإسلام؛ (الصبر والثواب عليه؛ لابن أبي الدنيا، صـ94، رقم: 129).   (5) إبراهيم الحربي: قال إبراهيم الحربي: ما شكوت إلى أهلي وأقاربي حمى أجدها، لا يغم الرجل نفسه وعياله، ولي عشر سنين أبصر بفرد عين، ما أخبرت به أحدًا، وأفنيت من عمري ثلاثين سنةً برغيفين، إن جاءتني بهما أمي أو أختي، وإلا بقيت جائعًا إلى الليلة الثانية، وأفنيت ثلاثين سنةً برغيف في اليوم والليلة، إن جاءتني امرأتي أو بناتي به، وإلا بقيت جائعًا، والآن آكل نصف رغيف وأربع عشرة تمرةً؛ (سير أعلام النبلاء؛ للذهبي، جـ13، صـ367).   9- قال الأصمعي: خرجت أنا وصديق لي إلى البادية، فضللنا الطريق، فإذا نحن بخيمة عن يمين الطريق، فقصدنا نحوها فسلمنا، فإذا امرأة ترد علينا السلام، ثم قالت: ما أنتم؟ فقلنا: قوم ضالون رأيناكم فأنسنا بكم، فقالت: يا هؤلاء ولوا وجوهكم عني حتى أقضي من حقكم ما أنتم له أهل، ففعلنا، فألقت لنا مسحًا، فقالت: اجلسوا عليه إلى أن يأتي ابني، ثم جعلت ترفع طرف الخيمة وتردها إلى أن رفعتها، فقالت: أسأل الله بركة المقبل، أما البعير فبعير ابني وأما الراكب فليس بابني، فوقف الراكب عليها، فقال: يا أم عقيل، عظم الله أجرك في عقيل، قالت: ويحك مات ابني؟ قال: نعم، قالت: وما سبب موته؟ قال: ازدحمت عليه الإبل فرمت به في البئر، فقالت: انزل فاقض ذمام القوم، ودفعت إليه كبشًا فذبحه وأصلحه، وقرب إلينا الطعام، فجعلنا نأكل ونتعجب من صبرها، فلما فرغنا خرجت إلينا، فقالت: يا هؤلاء، هل فيكم أحد يحسن من كتاب الله تعالى شيئًا؟ قلت: نعم أنا، قالت: اقرأ عليَّ آيات من كتاب الله عز جل أتعزَّى بها، قلت: يقول الله تعالى وجل جلاله: ﴿ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 -157]، قالت: الله إنها لفي كتاب الله عز وجل هكذا؟ فقلت: آلله لفي كتاب الله تعالى هكذا، قالت: السلام عليكم، ثم صفت قدميها وصلت ركعتين، ثم قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، وعند الله تعالى أحتسب عقيلًا، تقول ذلك ثلاثًا، اللهم إني فعلت ما أمرتني، فأنجز لي ما وعدتني؛ (الجليس الصالح الكافي؛ أبو الفرج الجريري، صـ 478)، (تسلية أهل المصائب، شمس الدين المنبجي، صـ142).
ختامًا: أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفع به طلاب العلم الكرام، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.



شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير