أرشيف المقالات

نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في التواضع

مدة قراءة المادة : 16 دقائق .
2نبينا صلى الله عليه وسلم القدوة في التواضع
الحمد لله رب العالمين حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحبُّ ربنا ويرضاه، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، ولا إله سواه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي اصطفاه واجتباه وهداه، وصلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين؛ أما بعد:   فإن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى، والقدوة الحسنة لكل مسلم، يريد أن يصل إلى أعلى درجات التواضُع، فأقول وبالله تعالى التوفيق: قال تعالى: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].   • قال الإمام ابن كثير رحمه الله: هذه الآية الكريمة أصلٌ كبيرٌ في التأسِّي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أقواله وأفعاله وأحواله؛ (تفسير ابن كثير، جـ6، صـ 391).   سوف نذكر بعض النماذج من تواضُع نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم: (1) روى أحمد عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق قبل الساعة، فلما نزل قال: يا محمد، أرسلني إليك ربُّك، أفملكًا نبيًّا يجعلك، أو عبدًا رسولًا؟ قال جبريل: تواضَعْ لربِّك يا محمد، قال: ((بل عبدًا رسولًا))؛ (حديث صحيح) (مسند أحمد، جـ5، صـ50، حديث: 7160).   • في هذا الحديث اختار النبي صلى الله عليه وسلم، شرف العبودية لله سبحانه، فكان بفضل تواضُعه صلى الله عليه وسلم أفضل خلق الله تعالى جميعًا.   (2) روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مَرَّ على غلمان فسلم عليهم؛ (مسلم، حديث2168).   • قال الإمام النووي رحمه الله: هذا الحديث فيه استحباب السلام على الصبيان المميزين، والندب إلى التواضُع، وبذل السلام للناس كلهم، وبيان تواضُعه صلى الله عليه وسلم، وكمال شفقته على العالمين؛ (صحيح مسلم بشرح النووي، جـ12، صـ149).   (3) روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: كانت الأمة من إماء أهل المدينة، لتأخذ بيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتنطلق به حيث شاءت؛ (البخاري، حديث: 6072).   • (الأمة)؛ أي: المرأة المملوكة.   • (لتأخذ بيد رسول الله)؛ أي: تطلب مساعدته، فيُلبِّي طلبها، وينقاد لها، وليس المراد مسك يده.   • (فتنطلق به حيث شاءت)؛ أي: يذهب معها النبي صلى الله عليه وسلم إلى موضع من مواضع المدينة.   • قال الإمام علي الهروي رحمه الله: المراد من الأخذ باليد لازمه؛ وهو الرفق، وهذا يدل على غاية تواضُعه مع الخلق؛ (مرقاة المفاتيح؛ علي الهروي، جـ9، صـ3713).   (4) روى البخاري عن الأسود بن يزيد، قال: سألت عائشة رضي الله عنها: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله، (تعني خدمة أهله)، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة؛ (البخاري، حديث 676).   • قال المهلب بن أبي صفرة رحمه الله: هذا من فعله عليه السلام، على سبيل التواضُع وليسنَّ لأُمَّته ذلك، فمن السنة أن يمتهن الإنسان نفسه في بيته فيما يحتاج إليه من أمر دنياه، وما يعينه على دينه، وليس الترفُّه في هذا بمحمود ولا من سبيل الصالحين؛ (شرح صحيح البخاري؛ لأبي الحسن بن بطال، جـ7، صـ 542).   (5) روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم، فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: ((نعم))، كنت أرعاها على قراريط (دراهم) لأهل مكة؛ (البخاري، حديث 2262).   • قال الإمام علي الهروي رحمه الله: قال النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول تواضُعًا لله تعالى وتصريحًا بمننه عليه؛ (مرقاة المفاتيح؛ علي الهروي، جـ5، صـ1991).   (6) روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لو دعيت إلى ذراع أو كراع لأجبت ولو أهدي إليَّ ذراع أو كراع لقبلت))؛ (البخاري، حديث 2568). • (الكراع): ما دون الكعب من الدابة، وقليل اللحم.   (7) روى مسلم عن أبي رفاعة رضي الله عنه، قال: انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو يخطب، قال: فقلت: يا رسول الله رجل غريب جاء يسأل عن دينه، لا يدري ما دينه، قال: فأقبل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وترك خطبته حتى انتهى إلي، فأتي بكرسي، حسبت قوائمه حديدًا، قال: فقعد عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجعل يُعلِّمني مما علَّمه الله، ثم أتى خطبته، فأتم آخرها؛ (مسلم، حديث: 876).   • قال الإمام النووي رحمه الله: هذا الحديث فيه استحباب تلطُّف السائل في عبارته، وسؤاله العالم، وفيه تواضُع النبي صلى الله عليه وسلم، ورفقه بالمسلمين وشفقته عليهم وخفض جناحه لهم؛ (صحيح مسلم بشرح النووي، جـ12، صـ149).   (8) روى مسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا خير البرية، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ذاك إبراهيم عليه السلام؛ (مسلم، حديث: 2369). • قوله: (ذاك إبراهيم): • قال الإمام النووي رحمه الله: قال العلماء: إنما قال صلى الله عليه وسلم، هذا تواضُعًا واحترامًا لإبراهيم صلى الله عليه وسلم، لخلَّته وأبوَّته، وإلا فنبينا صلى الله عليه وسلم، أفضل كما قال صلى الله عليه وسلم: ((أنا سيد ولد آدم))، ولم يقصد به الافتخار، ولا التطاول على مَنْ تَقَدَّمَه؛ بل قاله بيانًا لما أمر ببيانه وتبليغه؛ ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: ((ولا فخر))؛ (صحيح مسلم بشرح النووي، جـ15، صـ121).   (9) روى الشيخان عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم، ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير: ((يا أبا عمير، ما فعل النغير))؛ (البخاري، حديث 6129/ مسلم، حديث 2150). • (ليخالطنا)؛ أي: يجالسنا ويمازحنا. • (النغير): طائر يشبه العصفور.   (10) روى البخاري عن عروة، عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب على حمار على إكاف عليه قطيفة، وأردف أسامة وراءه؛ (البخاري، حديث: 2987). • قوله: (إكاف)؛ أي: ما يضع على الحمار؛ كالسرج على الفرس.   • قال الإمام بدر الدين العيني رحمه الله: هذا الحديث فيه تواضُع النبي صلى الله عليه وسلم، من وجوه: ركوبه الحمار، وركوبه على قطيفة، وإردافه الغلام؛ (عمدة القاري شرح صحيح البخاري؛ للعيني، جـ14، صـ240).   (11) روى مسلم عن البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الأحزاب ينقل معنا التراب، ولقد وارى التراب بياض بطنه، وهو يقول: والله لولا أنت ما اهتدينا ولا تَصَدَّقنا ولا صلَّينا فأنزلنْ سكينةً علينا إن الملا قد أبوا علينا إذا أرادوا فتنةً أبينا ويرفع بها صوته؛ (مسلم، حديث1803).   فائدة مهمة: قال القاضي عياض رحمه الله: هذا الرجز (أبيات الشعر) الموجود في الحديث ليس من قوله صلى الله عليه وسلم؛ بل من قول عامر بن الأكوع رضي الله عنه؛ (صحيح مسلم بشرح القاضي عياض، جـ6، صـ 97).   (12) روى النسائي عن عبدالله بن أبي أوفى رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر الذكر، ويقل اللغو، ويطيل الصلاة، ويقصر الخطبة، ولا يأنف أن يمشي مع الأرملة، والمسكين فيقضي له الحاجة؛ (حديث صحيح) (صحيح سنن النسائي؛ للألباني، جـ1، صـ456، حديث:1413). • قوله: (يكثر الذكر)؛ أي: ذكر الله وما يتعلَّق به. • قوله: (ويقل اللغو)؛ أي: من ذكر الدنيا، وما يتعلَّق بها. • قوله: (ولا يأنف)؛ أي: لا يستكبر؛ (مرقاة المفاتيح؛ علي الهروي، جـ9، صـ 3722).   (13) روى الترمذي عن أنس بن مالك رضي الله عنه، قال: لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك؛ (حديث صحيح) (مختصر الشمائل المحمدية؛ للألباني، حديث289).   • قال الإمام علي الهروي رحمه الله: قوله: (لما يعلمون من كراهيته لذلك)؛ أي: كراهيته صلى الله عليه وسلم؛ لقيامهم تواضُعًا لربِّه، ومخالفةً لعادة المتكبرين، والمتجبرين؛ بل اختار الثبات على عادة العرب في ترك التكلف في قيامهم وجلوسهم، وأكلهم وشربهم، ولبسهم ومشيهم، وسائر أفعالهم وأخلاقهم؛ (مرقاة المفاتيح؛ علي الهروي، جـ7 - صـ2974).   (14) روى أحمد عن عروة بن الزبير قال: سأل رجل عائشة: هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يعمل في بيته شيئًا؟ قالت: نعم، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخصف نعله، ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته؛ (حديث صحيح) (مسند أحمد، جـ5، صـ22، حديث: 25341). • قوله: (يخصف نعله)؛ أي: يصلح نعله.   (15) روى الطبراني عن سهل بن حنيف رضي الله عنه، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي ضعفاء المسلمين، ويزورهم ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم؛ (حديث صحيح) (صحيح الجامع؛ للألباني، حديث 4877). قوله:(ضعفاء المسلمين)؛ أي: من الفقراء ونحوهم. قوله: (ويزورهم)؛ أي: في غير مرض، تلطُّفًا بهم، ومراعاةً لحالهم.   • قال الإمام الصنعاني رحمه الله: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يفعل ذلك تواضُعًا منه صلى الله عليه وسلم، وطلبًا للأجر، وجبرًا للخواطر؛ (التنوير شرح الجامع الصغير؛ للصنعاني، جـ8، صـ513).   (16) روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم: يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض ويعتقل (يحلب) الشاة، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشعير؛ (حديث صحيح) (صحيح الجامع؛ للألباني، حديث 4911).   (17) روى الترمذي عن عبدالله بن كنانة، قال: أرسلني الوليد بن عقبة، وهو أمير المدينة إلى ابن عباس، أسأله عن استسقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فأتيته، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، خرج متبذلًا متواضعًا متضرِّعًا، حتى أتى المصلى، فلم يخطب خطبتكم هذه، ولكن لم يزل في الدعاء والتضرُّع والتكبير، وصلى ركعتين كما كان يصلي في العيد؛ (حديث حسن) (صحيح الترمذي؛ للألباني، حديث:459).   • قوله: (متبذلًا)؛ أي: تاركًا الزينة وحسن الهيئة، تواضُعًا لله تعالى، وإظهارًا للحاجة؛ (سبل السلام؛ للصنعاني، جـ1ــ صـ 447).   (18) روى أحمد عن قتادة، قال: حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه: أن خياطًا بالمدينة دعا النبي صلى الله عليه وسلم لطعامه، قال: فإذا خبز شعير بإهالة سنخة، وإذا فيها قرع، قال: فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه القرع، قال أنس: لم يزل القرع يعجبني منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يعجبه؛ (حديث صحيح) (مسند أحمد، جـ 21، صـ234، حديث: 13643). • قوله: (بإهالة)؛ أي: دهن أو زيت.   • قوله: (سنخة)؛ أي: متغير الرائحة والطعم، ولكنه غيرُ ضارٍّ؛ (فتح الباري؛ لابن حجر العسقلاني، جـ1، صـ 82).   ختامًا: أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى، وصفاته العلا أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يجعله ذخرًا لي عنده يوم القيامة ﴿ يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88، 89] كما أسأله سبحانه أن ينفع به طلاب العلم، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.



شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢