أرشيف المقالات

تنبيه العقلاء إلى وجوب الصبر على البلاء

مدة قراءة المادة : 40 دقائق .
2تنبيه العقلاء إلى وجوب الصبر على البلاء   الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: قال الله تعالى: ﴿ أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ ﴾ [العنكبوت: 2، 3]، يخبر تعالى عن تمام حكمته، وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال: إنه مؤمن، وادَّعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يُشوِّش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنهم لو كان الأمر كذلك، لم يتميَّز الصادق من الكاذب، والمحقُّ من المبطل؛ ولكن سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأُمَّة، أن يبتليهم بالسرَّاء والضرَّاء، والعُسْر واليُسْر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر[1].   هذا هو حال المؤمن الحقيقي، فإنه يتقلب بين أنواع الابتلاءات؛ وكل هذا بسبب إيمانه، فَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: "قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟، قَالَ: ((الأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الأَمْثَلُ فَالأَمْثَلُ، فَيُبْتَلَى الرَّجُلُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَإِنْ كَانَ دِينُهُ صُلْبًا اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ، فَمَا يَبْرَحُ البَلَاءُ بِالعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ مَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ)) [2].
قال ابن القيم رحمه الله تعالى[3]: "وإذا تأمَّلت حكمته سبحانه فيما ابتلى به عباده وصفوته بما ساقهم به إلى أجلِّ الغايات وأكمل النهايات التي لم يكونوا يعبرون إليها إلا على جسر من الابتلاء والامتحان، وكان ذلك الجسر لكماله كالجسر الذي لا سبيل إلى عبورهم إلى الجنة إلا عليه، وكان ذلك الابتلاء والامتحان عين الكرامة في حقِّهم، فصورته صورة ابتلاء وامتحان، وباطنه فيه الرحمة والنعمة، فكم لله مِن نعمة جسيمة ومنَّة عظيمة تُجنى من قطوف الابتلاء والامتحان!   فتأمل حال أبينا آدم صلى الله عليه وسلم وما آلت إليه محنته من الاصطفاء والاجتباء والتوبة والهداية ورفعة المنزلة.   وتأمل حال أبينا الثاني نوح صلى الله عليه وسلم، وما آلت إليه محنته وصبره على قومه تلك القرون كلها حتى أقر الله عينه، وأغرق أهل الأرض بدعوته، وجعل العالم بعده من ذريته، وجعله خامس خمسة وهم أولو العزم الذين هم أفضل الرسل، وأمَر رسولَه ونبيَّه محمَّدًا أن يصبر كصبره، وأثنى عليه بالشكر، فقال: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ [الإسراء: 3]، فوصفه بكمال الصبر والشكر.   ثم تأمل حال أبينا الثالث إبراهيم صلى الله عليه وسلم إمام الحنفاء وشيخ الأنبياء وعمود العالم وخليل رب العالمين من بني آدم، وتأمَّل ما آلت إليه محنته وصبره وبذله نفسه لله، وتأمل كيف آل به بذله لله نفسه ونصره دينه إلى أن اتخذه الله خليلًا لنفسه، وأمر رسوله وخليله محمدًا صلى الله عليه وسلم أن يتَّبِع مِلَّته، وضاعف الله له النَّسْل، وبارك فيه وكثر حتى ملؤوا الدنيا، وجعل النبوَّة والكتاب في ذريته خاصة، وأخرج منهم محمَّدًا صلى الله عليه وسلم.   ثم تأمل حال الكليم موسى عليه السلام، وما آلت إليه محنته وفتونه من أول ولادته إلى منتهى أمره حتى كلَّمه الله تكليمًا، وقرَّبه منه، وكتب له التوراة بيده، ورفعه إلى أعلى السماوات، واحتمل له ما لا يحتمل لغيره، فإنه رمى الألواح على الأرض حتى تكسَّرت، وأخذ بلحية نبي الله هارون وجرَّه إليه، ولطم وجه ملك الموت ففقأ عينه، وخاصم ربَّه ليلة الإسراء في شأن رسول الله، وربُّه يحبُّه على ذلك كله، ولا سقط شيء منه من عينه، ولا سقطت منزلته عنده؛ بل هو الوجيه عند الله القريب، ولولا ما تقدَّم له من السوابق وتحمُّل الشدائد والمحن العظام في الله ومُقاساة الأمر الشديد بين فرعون وقومه ثم بني إسرائيل وما آذوه به وما صبر عليهم لله لم يكن ذلك.   ثم تأمل حال المسيح صلى الله عليه وسلم وصبره على قومه واحتماله في الله وما تحمَّله منهم حتى رفعه الله إليه، وطهَّره من الذين كفروا، وانتقم من أعدائه، وقطَّعهم في الأرض ومزَّقهم كل ممزق وسلبهم ملكهم وفخرهم إلى آخر الدهر.   فإذا جئت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وتأمَّلت سيرتَه مع قومه وصبره في الله، واحتماله ما لم يحتمله نبيٌّ قبله، وتلون الأحوال عليه مِن سِلْم وخوف، وغنى وفقر، وأمن وإقامة في وطنه وظعن عنه وتركه لله، وقتل أحبابه وأوليائه بين يديه، وأذى الكفار له بسائر أنواع الأذى من القول والفعل والسحر والكذب والافتراء عليه والبهتان، وهو مع ذلك كله صابر على أمر الله، يدعو إلى الله فلم يُؤذَ نبيٌّ ما أوذي، ولم يحتمل في الله ما احتمله، ولم يُعْطَ نبيٌّ ما أعطيه، فرفع الله له ذكره، وقرن اسمه باسمه، وجعله سيد الناس كلهم، وجعله أقرب الخلق إليه وسيلة، وأعظمهم عنده جاهًا، وأسمعهم عنده شفاعة، وكانت تلك المحن والابتلاءات عين كرامته، وهي مما زاده الله بها شرفًا وفضلًا، وساقه بها إلى أعلى المقامات.   وهذا حال ورثته من بعده الأمثل فالأمثل، كلٌّ له نصيب من المحنة، يسوقه الله به إلى كماله بحسب متابعته له، ومن لا نصيب له من ذلك فحظُّه من الدنيا حظُّ مَنْ خلق لها وخلقت له، وجعل خلاقه ونصيبه فيها فهو يأكل منها رغدًا، ويتمتَّع فيها حتى يناله نصيبه من الكتاب يمتحن أولياء الله وهو في دعة وخفض عيش، ويخافون وهو آمن، ويحزنون وهو في أهله مسرور، له شأن ولهم شأن، وهو في وادٍ، وهم في وادٍ، همُّه ما يقيم به جاهه، ويسلم به ماله، وتسمع به كلمته، لزم من ذلك ما لزم، ورضي من رضي، وسخط من سخط، وهمهم إقامة دين الله وإعلاء كلمته وإعزاز أوليائه، وأن تكون الدعوة له وحده، فيكون هو وحده المعبود لا غيره، ورسوله المطاع لا سواه، فلله سبحانه من الحكم في ابتلائه أنبياءه ورسله وعباده المؤمنين ما تتقاصر عقول العالمين عن معرفته، وهل وصل من وصل إلى المقامات المحمودة والنهايات الفاضلة، إلا على جسر المحنة والابتلاء.
كذا المعالي إذا ما رمت تدركها *** فاعبر إليها على جسر من التعبِ   ومن صور الابتلاء أن يبتلى المؤمن بسحر، أو مسٍّ، أو عين، أو حسد، أو غير ذلك من الأمراض والأوجاع والمصائب، ويجب عليه في كل هذا أن يعلم أن موفور الأجر بقدر الصبر، وبه ينال النصر، وعليه المعوَّل بعد العسر، أصحابه هم الأنقياء الأصفياء، ولربهم أتقياء، وأسوتهم هم الأنبياء، وكتاب الله تعالى فيه من شواهد تفضيل الصبر وأهله الشيء الكثير، مدحًا وثناءً، ومن ذلك: • قال الله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ﴾ [البقرة: 155 -157].
• قال الله تعالى: ﴿ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [البقرة: 216].
• قال الله تعالى: ﴿ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 142].
• قال الله تعالى: ﴿ وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ ﴾ [آل عمران: 146].
• قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾ [الأنعام: 17].
• قال الله تعالى: ﴿ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ ﴾ [الأنفال: 46].
• قال الله تعالى: ﴿ قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: 51].
• قال الله تعالى: ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ [يونس: 107].
• قال الله تعالى: ﴿ وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [هود: 115].
• قال الله تعالى: ﴿ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ ﴾ [هود: 11].
• قال الله تعالى: ﴿ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ * سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ﴾ [الرعد: 23، 24].
• قال الله تعالى: ﴿ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ ﴾ [النحل: 126].
• قال الله تعالى: ﴿ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [النحل: 96].
• قال الله تعالى: ﴿ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ ﴾ [النحل: 42].
• قال الله تعالى: ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ ﴾ [لقمان: 17].
• قال الله تعالى: ﴿ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 35].
• قال الله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴾ [الزمر: 10].
• قال الله تعالى: ﴿ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ ﴾ [محمد: 31].
• قال الله تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [الحديد: 22، 23].
• قال الله تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [التغابن: 11].
• قال الله تعالى: ﴿ وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا ﴾ [الإنسان: 12].
• قال الله تعالى: ﴿ ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ﴾ [البلد: 17].
• قال الله تعالى: ﴿ وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ﴾ [العصر: 1 -3].
  والآيات التي تُبشِّر الصابرين كثيرة جدًّا؛ حيث إن الله سبحانه ذكر الصبر في كتابه في نحو تسعين موضعًا: • فمرة أمر به. • ومرة أثنى على أهله. • ومرة أمر نبيَّه أن يُبشِّر به أهله. • ومرة جعله شرطًا في حصول النصر والكفاية. • ومرة أخبر أنه مع أهله، وأثنى به على صفوته من العالمين وهم أنبياؤه ورسله"[4].   وجاءت السنة النبوية مؤكدة لذلك في أحاديث كثيرة منها على سبيل المثال: • عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَتَى عَلَى امْرَأَةٍ تَبْكِي عَلَى صَبِيٍّ لَهَا فَقَالَ لَهَا: ((اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي))، فَقَالَتْ: وَمَا تُبَالِي بِمُصِيبَتِي! فَلَمَّا ذَهَبَ، قِيلَ لَهَا: إِنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخَذَهَا مِثْلُ الْمَوْتِ، فَأَتَتْ بَابَهُ، فَلَمْ تَجِدْ عَلَى بَابِهِ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: ((إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ أَوَّلِ صَدْمَةٍ))، أَوْ قَالَ: ((عِنْدَ أَوَّلِ الصَّدْمَةِ))[5].   • عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَا يَزَالُ الْبَلاءُ بِالْمُؤْمِنِ وَالْمُؤْمِنَةِ فِي نَفْسِهِ وَوَلَدِهِ وَمَالِهِ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ وَمَا عَلَيْهِ خَطِيئَةٌ))، قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ[6].

• روى إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَهْدِىٍّ السُّلَمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ وَكَانَتْ لَهُ صُحْبَةٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَنْزِلَةٌ لَمْ يَبْلُغْهَا بِعَمَلِهِ، ابْتَلاهُ اللَّهُ فِي جَسَدِهِ، أَوْ فِي مَالِهِ أَوْ فِي وَلَدِهِ))، قَالَ أَبُو دَاوُدَ: زَادَ ابْنُ نُفَيْلٍ ((ثُمَّ صَبَّرَهُ عَلَى ذَلِكَ))، ثُمَّ اتَّفَقَا ((حَتَّى يُبْلِغَهُ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي سَبَقَتْ لَهُ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى))[7].   • عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عن النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبِ وَلا وَصَبٍ وَلاهَمٍّ، وَلا حَزَنٍ وَلا أَذًى، وَلا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا، إِلا كَفَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا خَطَايَاهُ))[8].   • عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: دَخَلَ شَبَابٌ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى عَائِشَةَ وَهِي بِمِنًى وَهُمْ يَضْحَكُونَ، فَقَالَتْ: مَا يُضْحِكُكُمْ؟ قَالُوا: فُلانٌ خَرَّ عَلَى طُنُبِ فُسْطَاطٍ، فَكَادَتْ عُنُقُهُ أَوْ عَيْنُهُ أَنْ تَذْهَبَ، فَقَالَتْ: لاَ تَضْحَكُوا؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً فَمَا فَوْقَهَا، إِلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ))[9].   • عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ، حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا عِنْدَهُ قَالَ: ((مَا يَكُنْ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ، فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَصْبِرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِي أَحَدٌ مِنْ عَطَاءٍ خَيْرٌ، وَأَوْسَعُ مِنَ الصَّبْرِ))[10].
• عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((مَا مِنْ عَبْدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ: إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إِلَّا أَجَرَهُ اللَّهُ فِي مُصِيبَتِهِ، وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا))، قَالَتْ: فَلَمَّا تُوُفِّي أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ كَمَا أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي خَيْرًا مِنْهُ؛ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم"[11].
• عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يُعْطَى أَهْلُ الْبَلاءِ الثَّوَابَ لَوْ أَنَّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ قُرِضَتْ فِي الدُّنْيَا بِالْمَقَارِيضِ))[12].   • عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: ((إِذَا مَرِضَ الْعَبْدُ بَعَثَ اللَّهُ تَعَالَى إِلَيْهِ مَلَكَيْنِ، فَقَالَ: انْظُرَا مَاذَا يَقُولُ لِعُوَّادِهِ، فَإِنْ هُوَ إِذَا جَاءُوهُ حَمِدَ اللَّهَ، وَأَثْنَى عَلَيْهِ رَفَعَا ذَلِكَ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ أَعْلَمُ فَيَقُولُ: لِعَبْدِي عَلَيَّ إِنْ تَوَفَّيْتُهُ أَنْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ أَنَا شَفَيْتُهُ أَنْ أُبْدِلَ لَهُ لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمِهِ، وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمِهِ، وَأَنْ أُكَفِّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ))[13].
والأحاديث الواردة في الباب كثيرة جدًّا، وهي تحثُّ على الصبر والاحتساب، واستحضار الأجر والثواب، وقد كان سلف الأمة عليهم الرضوان من الصحابة والتابعين، ومن تبِعَهم بإحسان قد تشرَّبوا الصبر، وعرفوا قيمته، وأحسُّوا بلذَّته، فكان لا يُفارقهم ولا يُغادرهم، فإذا نزلت بهم سرَّاء صبروا على شكرها، وإذا نزلت بهم ضرَّاء صبروا على دَفْعِها، ومما ورد عنهم: • قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «إِنَّ أَفْضَلَ عَيْشٍ أَدْرَكْنَاهُ بِالصَّبْرِ، وَلَوْ أَنَّ الصَّبْرَ كَانَ مِنَ الرِّجَالِ كَانَ كَرِيمًا»[14].   • قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: «أَلَا إِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ، فَإِذَا قُطِعَ الرَّأْسُ بَادَ الْجَسَدُ، ثُمَّ رَفَعَ صَوْتَهُ، فَقَالَ: أَلَا إِنَّهُ لَا إِيمَانَ لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ»[15].   • عَنْ غَالِبٍ الْقَطَّانِ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ، يَقُولُ: «الصَّبْرُ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْخَيْرِ، لَا يُعْطِيهِ اللَّهُ إِلَّا لِعَبْدٍ كَرِيمٍ عَلَيْهِ»[16].
• عَنْ سَالِمٍ أَبِي سَعِيدٍ، سَمِعَ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيَّ، يَقُولُ: «مَا مِنْ عَبْدٍ وَهَبَ اللَّهُ لَهُ صَبْرًا عَلَى الْأَذَى، وَصَبْرًا عَلَى الْبَلَاءِ، وَصَبْرًا عَلَى الْمَصَائِبِ، إِلَّا وَقَدْ أُوتِيَ أَفْضَلَ مَا أُوتِيهِ أَحَدٌ، بَعْدَ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ»[17].   • وعن الشعبي، قال شريح: «إِنِّي لأُصَابُ بِالمُصِيبَةِ، فَأَحْمَدُ اللهَ عَلَيْهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَحْمَدُ إِذْ لَمْ يَكُنْ أَعْظَمَ مِنْهَا، وَأَحْمَدُ إِذْ رَزَقَنِي الصَّبْرَ عَلَيْهَا، وَأَحْمَدُ إِذْ وَفَّقَنِي لِلاسْتِرْجاعِ لِمَا أَرْجُوْ مِنَ الثَّوَابِ، وَأَحْمَدُ إِذْ لَمْ يَجْعَلْهَا فِيْ دِيْنِيْ»[18].
• عَنْ أَبِي إِسْمَاعِيلَ خَلَفٍ قَالَ: قَالَ أَبو مَيْمُونٍ: «إِنَّ لِلصَّبْرِ شُرُوطًا، قُلْتُ: مَا هِيَ يَا أَبَا مَيْمُونٍ؟، قَالَ: «إِنَّ مِنْ شُرُوطِ الصَّبْرِ أَنْ تَعْرِفَ كَيْفَ تَصْبِرُ؟ وَلِمَنْ تَصْبِرُ؟ وَمَا تُرِيدُ بِصَبْرِكَ؟ وَتَحْتَسِبَ فِي ذَلِكَ، وَتُحْسِنَ النِّيَّةَ فِيهِ، لَعَلَّكَ إِنْ يُخْلَصْ لَكَ صَبْرُكَ، وَإِلَّا فَإِنَّمَا أَنْتَ بِمَنْزِلَةِ الْبَهِيمَةِ نَزَلَ بِهَا الْبَلَاءُ؛ فَاضْطَرَبَتْ لِذَلِكَ، ثُمَّ هَدَأَ فَهَدَأَتْ، فَلَا هِيَ عَقَلَتْ مَا نَزَلَ بِهَا فَاحْتَسَبَتْ وَصَبَرَتْ، وَلَا هِيَ صَبَرَتْ، وَلَا هِيَ عَرَفَتِ النِّعْمَةَ حِينَ هَدَأَ مَا بِهَا، فَحَمِدَتِ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ وَشَكَرَتْ»[19].   • قَالَ زِيَادُ بْنُ عَمْرٍو: «كُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَلَمَ الْجِرَاحِ؛ وَلَكِنَّا نَتَفَاضَلُ بِالصَّبْرِ»[20].
• عَنِ الصَّلْتِ بْنِ حَكِيمٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَبْدِالرَّحْمَنِ الْمَغَازِلِيُّ، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى رَجُلٍ مُبْتَلًى بِالْحِجَازِ، فَقُلْتُ: كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: أَجِدُ عَافيتَهُ أَكْثَرَ مِمَّا ابْتَلَانِي بِهِ، وَأَجِدُ نِعَمَهُ عَلَيَّ أَكْثَرَ مِنْ أن أُحْصِيهَا، فَقُلْتُ: أَتَجِدُ لِمَا أَنْتَ فِيهِ أَلَمًا شَدِيدًا؟ فَبَكَى، ثُمَّ قَالَ: سَلَا بِنَفْسِي عَنْ أَلَمِ مَا بِي مَا وَعَدَ عَلَيْهِ سَيِّدِي أَهْلَ الصَّبْرِ مِنْ كَمَالِ الْأُجُورِ فِي شِدَّةِ يَوْمٍ عَسِيرٍ، قَالَ: ثُمَّ غُشِيَ عَلَيْهِ، فَمَكَثَ مَلِيًّا، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: إِنِّي لَأَحْسَبُ أَنَّ لِأَهْلِ الصَّبْرِ عِنْدَ اللَّهِ غَدًا فِي الْقِيَامَةِ مَقَامًا شَرِيفًا لَا يَتَقَدَّمُهُ مِنْ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ شَيْءٌ، إِلَّا مَا كَانَ مِنَ الرِّضَا عَنِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ»[21].   • عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمُلَائِيِّ: ﴿ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ﴾ [يوسف: 83]، قَالَ: «الرِّضَا بِالْمُصِيبَةِ، وَالتَّسْلِيمُ»[22]. وهذا الوارد عنهم غيض من فيض، وقطرة من مطر؛ ولكنَّ كثيرًا من أهل الإسلام - إلَّا من رحم الله تعالى - عن الصبر لغافلون، وعن طريقه لناكبون، ومن البلاء ساخطون، ولأدنى ما ينزل بهم ناكسون، وللشفاء مستعجلون، ولطوله حائرون.   وإن من أهم ما يخفف المصائب ويهون منها، ويعين على الصبر، ويحصل أسبابه ويقوِّيها في القلب، ويزيل الوجع ما ذكره ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه الماتع والنافع زاد المعاد في هدي خير العباد[23]: • أن العبد وأهله وماله ملك لله عز وجل حقيقة، وقد جعله عند العبد عاريَّة، فإذا أخذه منه، فهو كالمعير يأخذ متاعه من المستعير.
• أن مصير العبد ومرجعه إلى الله مولاه الحق، ولا بد أن يخلف الدنيا وراء ظهره، ويجيء ربَّه فردًا كما خلقه أول مرة بلا أهل ولا مال ولا عشيرة؛ ولكن بالحسنات والسيئات، فإذا كانت هذه بداية العبد وما خُوِّله ونهايته، فكيف يفرح بموجود، أو يأسى على مفقود؟! ففكره في مبدئه ومعاده من أعظم علاج هذا الداء.
• أن يعلم علم اليقين أنَّ ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليُصيبه؛ قال تعالى: ﴿ مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ ﴾ [الحديد: 22، 23].
• أن ينظر إلى ما أُصيبَ به، فيجد ربَّه قد أبقى عليه مثله، أو أفضل منه، وادَّخر له إن صبرَ ورضِي ما هو أعظمُ من فوات تِلك المصيبةِ بأضعافٍ مُضاعفة، وأنه لو شاء لجعلها أعظم مما هي.
• أن يُطفئَ نارَ مصيبته ببرد التأسِّي بأهل المصائب، وليعلم أنه في كل وادٍ بنو سعد، ولينظر يَمْنةً، فهل يرى إلا مِحنةً؟ ثم ليعطف يَسْرةً، فهل يرى إلا حسرةً؟! وأنه لو فتَّش العالَم لم يرَ فيهم إلا مبتلًى، إما بفوات محبوب، أو حصول مكروه، وأنَّ شرورَ الدنيا أحلامُ نوم أو كظلٍّ زائلٍ، إن أضحكتْ قليلًا، أبكتْ كثيرًا، وإن سَرَّتْ يومًا، ساءتْ دهرًا، وإن مَتَّعتْ قليلًا، منعت طويلًا، وما ملأت دارًا خيرةً إلا ملأتها عَبْرة، ولا سرَّته بيومِ سرور إلا خبأتْ له يومَ شرور.
قال ابن مسعود رضي الله عنه: لكل فرحةٍ تَرْحة، وما مُلِئ بيتٌ فرحًا إلا مُلِئ تَرحًا، وقال ابن سيرين: ما كان ضحكٌ قَطُّ إلا كان من بعده بُكاء.
• أن يعلم أنَّ الجزع لا يردُّها؛ بل يُضاعفها، وهو في الحقيقة من تزايد المرض.
• أن يعلم أنَّ فوت ثواب الصبر والتسليم، وهو الصلاةُ والرحمة والهداية التي ضمِنَها الله على الصبر والاسترجاع، أعظمُ مِن المصيبة في الحقيقة.
• أن يعلم أنَّ الجَزَعَ يُشمت عدوه، ويسوء صديقه، ويُغضب ربَّه، ويسرُّ شيطانه، ويُحبط أجره، ويُضعف نفسه، وإذا صبرَ واحتسب أنضى شيطانه، وردَّه خاسئًا، وأرضى ربَّه، وسرَّ صديقه، وساء عدوَّه، وحمل عن إخوانه، وعزَّاهم هو قبل أن يُعَزُّوه، فهذا هو الثباتُ والكمال الأعظم، لا لطمُ الخدودِ، وشقُّ الجيوب، والدعاءُ بالوَيْل والثُّبور، والسخَطُ على المقدور.
• أن يعلم أنَّ ما يُعقبه الصبرُ والاحتساب من اللَّذة والمسرَّة أضعافُ ما كان يحصُل له ببقاء ما أُصيبَ به لو بقي عليه، ويكفيه من ذلك بيتُ الحمد[24] الذي يُبنى له في الجنَّة على حمده لربِّه واسترجاعه، فلينظرْ: أي المصيبتين أعظمُ؛ مصيبةُ العاجلة، أو مصيبةُ فواتِ بيتِ الحمد في جنَّة الخلد؟ وقال بعضُ السَّلَف: لولا مصائبُ الدنيا لورَدْنا القيامة مفاليس.
• أن يُرَوِّح قلبه برَوْح رجاء الخَلَفِ من الله، فإنه من كُلِّ شيء عِوَض إلا الله، فما مِنه عِوَضٌ.
• أن يعلم أنَّ حظَّه من المصيبة ما تُحدثه له، فمن رضي، فله الرِّضى، ومن سخِط، فله السَّخَط.
• أن يعلم أنه وإن بلغ في الجَزَع غايتَه، فآخِرُ أمره إلى صبر الاضطرار، وهو غيرُ محمود ولا مُثاب، قال بعض الحكماء: العاقلُ يفعل في أوَّل يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام، ومَن لم يصبر صَبْرَ الكِرَام، سلا سُلُوَّ البهائم.
• أن يعلم أنَّ أنفع الأدوية له موافقةُ ربِّه وإلهه فيما أحبَّه ورضيه له، وأن خاصيَّة المحبة وسِرَّها موافقةُ المحبوب، فمَن ادَّعى محبة محبوب، ثم سَخِطَ مَا يُحِبُّه، وأحبَّ ما يُسخطه، فقد شهد على نفسه بكذبه، وتَمقَّتَ إلى محبوبه. قال أبو الدرداء: إنَّ الله إذا قضى قضاءً، أحبَّ أن يُرضَى به.
• أن يُوازِن بين أعظم اللَّذتين والتمتُّعين، وأدْوَمِهما: لذَّةِ تمتُّعه بما أُصيب به، ولَذَّةِ تمتُّعه بثواب الله له، فإن ظهر له الرجحان، فآثر الراجِحَ، فليحمدِ الله على توفيقه، وإن آثر المرجوحَ مِن كل وجه، فليعلم أنَّ مصيبتَه في عقله وقلبه ودينه أعظمُ مِن مصيبته التي أُصيب بها في دنياه.
• أن يعلم أنَّ الذي ابتلاه بها أحكمُ الحاكمين، وأرحمُ الراحمين، وأنه سبحانه لم يُرسِل إليه البلاءَ ليُهلكه به، ولا ليُعذِّبه به، ولا ليَجْتاحَه؛ وإنما افتقده به ليمتحن صبره ورضاه عنه وإيمانه، وليسمع تضرُّعه وابتهالَه، وليراه طريحًا ببابه، لائذًا بجنابه، مكسورَ القلب بين يديه، رافعًا قصصَ الشكوى إليه.
قال الشيخ عبدالقادر: يا بُنَيَّ، إنَّ المصيبةَ ما جاءت لِتُهلِكَكَ؛ وإنَّما جاءت لتمتحِنَ صبرك وإيمانَك، يا بُنَيَّ، القَدَرُ سَبُعٌ، والسَّبُعُ لا يأكل الميتةَ.
• أن يعلم أنه لولا مِحَنُ الدنيا ومصائبُها، لأصاب العبدَ مِن أدْواء الكِبْرِ والعُجب والفرعنة وقسوة القلب ما هو سببُ هلاكه عاجلًا وآجلًا، فمن رحمةِ أرحم الراحمين أن يتفقَّده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب، تكون حِمية له من هذه الأدواء، وحِفظًا لصحَّة عُبوديتهِ، واستفراغًا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة منه، فسبحانَ مَنْ يرحَمُ ببلائه، ويبتلي بنعمائه كما قيل: قَدْ يُنْعِمُ اللهُ بِالْبَلْوَى وَإنْ عَظُمَتْ *** وَيَبْتَلِي اللهُ بعْضَ الْقَوْمِ بِالنِّعَمِ
• أن يعلم أنَّ مرارةَ الدنيا هي بعينها حلاوةُ الآخرة، يَقلِبُها الله سبحانه كذلك، وحلاوة الدنيا بعينها مرارةُ الآخرة، ولأَنْ ينتقل مِن مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة خيرٌ له من عكس ذلك، فإن خفي عليك هذا، فانظر إلى قول الصادق المصدوق: ((حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ، وَحُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ))[25].
وقبل أن أختم موضوعي هذا، هذه نصيحة لمن أصيب بمسٍّ، أو سحر، أو عين، أو حسد وتأخَّر عنه الشِّفاء رغم أخذه بالأسباب: أوَّلًا: اعلم رحمني الله تعالى وإيَّاك أنَّ الشِّفاء بيد الله تعالى، والرُّقية الشَّرعية والذَّهاب للرُّقاة إنَّما هو سبب من الأسباب، والأخذ به واجب شرعًا، وأفضل الرُّقية رقية الإنسان لنفسه.   ثانيًا: حاول أن تتغلَّب على المرض والابتلاء بكثرة الذِّكر، والاستغفار، وقراءة القرآن، والصَّلاة، وقيام اللَّيل، وشغل الأوقات بمختلف العبادات والطَّاعات.   ثالثًا: عِشْ حياتك طبيعيَّة، ولا تحسب للمرض حسابًا، وأقنع نفسك أنك غير مصابٍ بشيء.   رابعًا: لا تستعجل الشِّفاء أبدًا، فنحن مطالبون بالأخذ بالأسباب، ولسنا مطالبين بالشِّفاء.   خامسًا: الشِّفاء من عند الله تعالى، فلو اجتمع رُقاة الأرض على شفاء حالة ما، ما استطاعوا لذلك إلا أن يشاء الله تعالى، فنحن مطالبون بالأخذ بالأسباب، ولا نطالب بالشِّفاء، والرُّقية عبارة عن سبب، فأنت عليك بممارسة الرُّقية الشَّرعية، ودعاء الله تعالى أن ينزل شفاءه.   سادسًا: اصبر واحتسب، وإياك أن تملَّ، أو تكلَّ، مهما طال الشِّفاء، وكَثُر الألم واشتدَّ، ولا شك أنَّه سيأتي يوم ويزول كلُّ شيء بإذن الله تعالى، وإن تأخَّر هذا اليوم، فإن الدنيا دار ابتلاء وتمحيص، واعلم أن: عظَم الجزاء مع عِظَم البلاء، وقد قيل قديمًا[26]: اصبر لكلِّ مصيبةٍ وتجلَّد واعلم بأنَّ المرء غير مخلَّد وإذا ذكرت محمَّدًا ومصابه فاذكر مصابك بالنبي محمَّد   اللَّهُمَّ اشْفِ مَرْضانا وَمَرْضَى الْمُسْلِمِينَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنْهَمْ ما هُمْ فِيهِ، وَأَفْرِغْ عَلَيْهِمْ وَعَلَى أَهْلِيهِمْ صَبْرًا، وَارْزُقْهُمْ الرِّضَى بِالقَضَاءِ، وَعَاجِلَ الشِّفاءِ، شِفَاءً لاَ يُغَادِرُ سَقَمًا، وَارْفَعْ عَنَّا البَلاءَ وَالغَلاءَ وَالوَبَاءَ بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ، اللَّهُمَ آمِينْ.
هذا فما كان فيه من صوابٍ فمن الله وحده، وما كان فيه من خطأ فمن نفسي والشيطان، وعذري فيه أنَّ بضاعتي مزجاة، والعذر عند كرام النَّاس مقبولُ، والحمد لله رب العالمين.  

  [1] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان؛ عبدالرحمن بن ناصر بن السعدي، تحقيق: عبدالرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط1، 1420هـ -2000 م، ص626. [2] رواه الترمذي في جامعه، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي، بيروت، كتاب: الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب: ما جاء في الصبر على البلاء، برقم: 2398، ج4، ص601، وقال عقبه: حديث حسن صحيح، والحديث قال عنه الشيخ الألباني في كتابه صحيح الترغيب والترهيب: صحيح، مكتبة المعارف – الرياض، ط 5، د.
ط، د.ت، ج3، ص 173، برقم: 3402.
[3] ينظر: مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة، دار الكتب العلمية، بيروت، د.
ط، د.ت، ج1ص299–301، باختصار.
[4] طريق الهجرتين وباب السعادتين؛ ابن القيم محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبدالله، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، دار ابن القيم، الدمام، ط2، 1414 ه-1994م، ص400. [5] رواه: - الإمام البخاري؛ الجامع الصحيح المختصر، تحقيق: مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير، اليمامة، بيروت، ط3، 1407ه - 1987م، كتاب: الأحكام، باب: ما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن له بواب، ج5، ص2615، رقم: 6735.
- والإمام مسلم؛ الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم، دار الجيل بيروت، دار الآفاق الجديدة، بيروت، د.
ط، د.ت، كتاب: الجنائز، باب: فِي الصَّبْرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى، رقم 2179، ج3، ص40. [6] رواه الترمذي في جامعه، كتاب: الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب: ما جاء في الصبر على البلاء، برقم: 2399، ج4، ص602، وقال عقبه: حديث حسن صحيح، والحديث قال عنه الشيخ الألباني في كتابه صحيح الترغيب والترهيب: حسن صحيح، ج3، ص 183، برقم: 3414. [7] رواه الإمام أبو داود، السنن، تحقيق: محمد محيي الدين عبدالحميد، دار الفكر، بيروت، د.
ط، د.ت، كتاب: الجنائز، باب: الأمراض المكفرة للذنوب، ج2، ص200، رقم: 3090، والحديث قال عنه الشيخ الألباني في كتابه صحيح الترغيب والترهيب: حديث صحيح لغيره، ج3، ص 181، برقم: 3409. [8] رواه الإمام البخاري؛ الجامع الصحيح المختصر، كتاب: المرضى، باب: ما جاء في كفارة المرضى، ج5، ص2137، برقم: 5318. [9] رواه الإمام مسلم؛ الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم، كتاب: البر والصلة والأدب، باب: ثَوَابِ الْمُؤْمِنِ فِيمَا يُصِيبُهُ مِنْ مَرَضٍ أَوْ حُزْنٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، ج8، ص14، برقم 6726. [10] رواه: - الإمام البخاري، الجامع الصحيح المختصر، كتاب: الزكاة، باب: الاستعفاف عن المسألة، ج2ص534، برقم: 1400.
- والإمام مسلم، الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم، كتاب الزكاة، باب: فَضْلِ التَّعَفُّفِ وَالصَّبْرِ، ج3 ص102، برقم 2471 [11] رواه الإمام مسلم؛ الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم، كتاب: الجنائز، باب: مَا يُقَالُ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، ج3، ص37، برقم 2166. [12] رواه الإمام الترمذي في جامعه،كتاب: الزهد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب: 58 -لم يذكر له عنوانًا -ج4، ص603، برقم: 2401، وقال عقبه: وهذا حديث غريب، لا نعرفه بهذا الإسناد إلا من هذا الوجه، وقد روى بعضهم هذا الحديث عن الأعمش عن طلحة بن مصرف عن مسروق قوله: شيئًا من هذا، والحديث قال عنه الشيخ الألباني في كتابه صحيح الترغيب والترهيب: حديث حسن، ج3، ص 180، برقم: 3404.
[13] رواه الإمام مالك مرسلًا؛ الموطأ، تحقيق: محمد مصطفى الأعظمي، ط1، 1425هـ -2004م، كِتَاب: الْجَامِعِ، بَاب: مَا جَاءَ فِي أَجْرِ الْمَرِيضِ، ج5، ص1375، رقم: 3465، والحديث قال عنه الشيخ الألباني في كتابه صحيح الترغيب والترهيب: حديث حسن لغيره، ج3، ص 187، برقم: 3431.
[14] الصبر والثواب عليه: أبو بكر عبدالله بن محمد بن عبيد بن سفيان بن قيس البغدادي الأموي القرشي المعروف بابن أبي الدنيا، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، دار ابن حزم، بيروت، لبنان، ط1، 1418 هـ -1997م، ص23. [15] المصدر نفسه؛ ابن أبي الدنيا، ص24. [16] المصدر نفسه؛ ابن أبي الدنيا، ص27. [17] المصدر نفسه؛ ابن أبي الدنيا، ص28. [18] سير أعلام النبلاء؛ شمس الدين أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان بن قَايْماز الذهبي، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1413ه -1993م، ج4، ص105.
[19] المصدر السابق؛ ابن أبي الدنيا، ص52. [20] المصدر نفسه؛ ابن أبي الدنيا، ص44. [21] المصدر نفسه؛ ابن أبي الدنيا، ص80. [22] المصدر السابق؛ ابن أبي الدنيا، ص86. [23] طبعة مؤسسة الرسالة، بيروت - ومكتبة المنار الإسلامية، الكويت، ط7، 1415هـ - 1994م، ج4ص189-195، باختصار.
[24] الحديث رواه الإمام الترمذي في جامعه، كتاب: الجنائز، باب: فضل المصيبة إذا احتسب، ج3، ص341، برقم: 1021، عَنْ أَبِي سِنَانٍ قَالَ: «دَفَنْتُ ابْنِي سِنَانًا وَأَبُو طَلْحَةَ الْخَوْلانِيُّ جَالِسٌ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، فَلَمَّا أَرَدْتُ الْخُرُوجَ أَخَذَ بِيَدِي، فَقَالَ: أَلا أُبَشِّرُكَ يَا أَبَا سِنَانٍ، قُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِالرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَبٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: ((إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ))، ثم قال عقبه: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، والحديث قال عنه الشيخ الألباني في كتابه صحيح الترغيب والترهيب: حديث حسن لغيره، ج2، ص 214، برقم: 2012. [25] رواه الإمام مسلم في جامعه الصحيح عن أنس بن مالك، كتاب: الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب: رقم: 1- لم يذكر له عنوان-، ج8، ص148، برقم: 7308. [26] ينظر: روضة العقلاء ونزهة الفضلاء: محمد بن حبان البستي أبو حاتم، تحقيق: محمد محي الدين عبدالحميد، دار الكتب العلمية، بيروت، 1397ه - 1977م، ص163.



شارك الخبر

المرئيات-١