أرشيف المقالات

التعزية المشروعة وآدابها النبوية

مدة قراءة المادة : 10 دقائق .
2التعزية المشروعة وآدابها النبوية
الحمد لله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمدًا يوافي نعم الله علينا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: هناك خلط كثير وعادات وبدع، يفعلها البعض في التعزية عند موت من يحبُّه، ويظنُّ أنه ينفعه جهلًا منه بأحكام الشرع، وبادئ ذي بدء نقول: إن الموت حقٌّ على كل إنسان كما قال جل شأنه: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ﴾ [العنكبوت: 57]، وقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾ [الجمعة: 8].   مشروعية التعزية: وليكن معلومًا أن تعزية المسلم لأخيه المسلم مشروعة، ومن حقوق الأخوَّة في الله؛ لما فيها من المواساة وجبر الخواطر والتواصي بالحقِّ، والتواصي بالصبر، وهي ثابتة في السنة، فقد عزَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم أصحابه، وعزَّى الصحابة بعضهم بعضًا، وهكذا فعل التابعون وتابعو التابعين، وجمهور أهل العلم يرى مشروعيتها بلا خلافٍ.   قال النووي رحمه الله: "واعلم أن التعزية هي التصبير، وذكر ما يُسلِّي صاحب الميت، ويُخفِّف حزنه، ويُهوِّن مصيبته، وهي مستحبةٌ؛ فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهي داخلة أيضًا في قول الله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ﴾ [المائدة: 2]، وهذا أحسن ما يستدلُّ به في التعزية، وثبت في الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه))، انتهى؛الأذكار" (ص/ 148-149).   صيغة التعزية:
تحصل التعزية بكل لفظ يُصبِّر المصاب على مصيبته، مثلما نقول نحن: "البقاء لله" أو "أعظم الله أجرك" أو "اصبر واحتسب" أو غير ذلك مما تعارَفَ عليه الناس، فالأمر واسع؛ ولكن نبعد عن الألفاظ المخالفة للشرع؛ كقولنا: "البقية في حياتك"؛ فهي لا تصحُّ شرعًا؛ فعمر كل إنسان معلوم لا يزيد ولا ينقُص، وقطعًا أحسن ما يُعزَّى به ما روي في الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: أرسلت إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم إليه تدعوه، وتُخبِره أن صبيًّا لها أو ابنًا في الموت، فقال للرسول: ((ارجع إليها، فأخبرها أن لله تعالى ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجلٍ مُسمًّى، فمُرْها فلتصبِر ولتحتسب...))، هذا أفضل؛ ولكن كما قلنا الأمر واسع.   وقال الشيخ الألباني رحمه الله: "ويُعزِّيهم بما يظنُّ أنه يُسلِّيهم، ويكفُّ من حزنهم، ويحملهم على الرضا والصبر، مما يثبت عنه صلى الله عليه وسلم، إن كان يعلمه ويستحضره، وإلا فبما تيسَّر له من الكلام الحسن الذي يُحقِّق الغرض، ولا يخالف الشرع..."؛ انتهى من "أحكام الجنائز" (1/ 163).   ويجوز التعزية بأي وسيلة سواء في الطريق أو المسجد أو حتى بالهاتف أو بغير ذلك من الوسائل العصرية يحدث المقصود من التعزية لأهل الميت.   مدة التعزية وما قيل إنها ثلاثة أيام: أعلم أنها ليست مُخصصة بثلاثة أيام كما يُشاع بين الناس، فهذا لا دليل عليه، فالتعزية غير مرتبطة بوقتٍ معين أو أيام محددة، فإن رأيت أخيك بعد مصيبته، فلك أن تُعزِّيه، وأما الدليل الذي يستشهد به على الثلاثة، فقد جاء خاصًّا بحداد الزوجة، والنهي أن تحد عن أي إنسان أكثر من ثلاثة عدا زوجها أربعة أشهر وعشرًا، والحداد غير العزاء كما لا يخفى.   قال الشيخ ابن باز رحمه الله: " وليس لها وقت مُخصَّص، ولا أيام مخصوصة؛ بل هي مشروعة من حين الدفن وبعده، والمبادرة بها أفضل في حال شدة المصيبة، وتجوز بعد ثلاثة من موت الميت؛ لعدم الدليل على التحديد"؛ فتاوى إسلامية (2/ 43).   الأماكن المخصصة للتعزية الشرعية: أما مكان التعزية فليس في ذلك شيء محدَّد، فتجوز التعزية في بيته أو في المسجد أو الشارع أو مكان عمله فأينما وجد من أصابته مصيبة، فلك أن تُعزيه فيه.   فإن جلسوا في عزاء بدون تكلُّف ولا إسراف في مكان محدَّد، ودون مخالفات شرعية أو تكلفة وإسراف فلا بأس أيضًا، وهناك اختلاف بين العلماء في ذلك؛ ولكننا مع الرأي الذي يرى صحَّته ومنفعته في زماننا هذا، فهو من باب التيسير على الناس، وهو في وقتنا هذا من الضروريَّات الميسَّرة لتأدية التعزية.   وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله حينما سُئِل عن حكم الجلوس للتعزية، فأجاب بالجواز قائلًا: "إذا جلسوا حتى يعزيهم الناس فلا حرج إن شاء الله؛ حتى لا يتعبوا الناس؛ لكن من دون أن يصنعوا للناس وليمة"؛ انتهى من "مجموع الفتاوى" (13/ 382).   وهذا ما نستريح إليه في زماننا هذا، ونُكرِّر أن تحريم ذلك من العلماء المعتبرين من أهل السنة إنما لما يحدث فيه من البدع والمنكرات والتباهي التي يرتكبها أهل الغفلة إلا مَنْ رحم ربِّي، فإن خَلَتْ من ذلك فلا بأس إن شاء الله.   وتجديد الأحزان يومي الخميس والأربعين والذكري السنوية...إلخ كلها لا أصل لها؛ فالتعزية إن تمَّت انتهى الأمر.   صنع الطعام من أهل الميت: نقطة أخيرة في مسألة التعزية وهي أن المشروع والسنة لأهل الميت هو عدم الإثقال عليهم بمن يحضر وإطعامهم فضلًا عمَّن يطلب ذلك منهم كعادة؛ جهلًا منه بالسنة، فهذا لا يجوز والصواب أن يصنع أهل الخير من الجيران والأصحاب لأهل الميت طعامًا؛ لانشغالهم بمصيبتهم لحديث عبدالله بن جعفر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اصْنَعُوا لآلِ جَعْفَرٍ طَعَامًا؛ فَإِنَّهُ قَدْ أَتَاهُمْ أَمْرٌ شَغَلَهُمْ))؛ حسَّنه الألباني في أحكام الجنائز (ص:211)،   وقال الصنعاني في سبل السلام (2/ 237) رحمه الله تعالى: "فيه دليل على شرعية إيناس أهل الميت بصنع الطعام لهم؛ لما هم فيه من الشغل بالموت"؛ انتهى.
فإن صنع أهل الميت طعامًا ودعوا الناس من أجل الاحتفاء بالميت أو كما يقال رحمة له، فهذا لا يجوز، وليس له أصل في السنة؛ بل السنة خلاف ذلك، ولا يجوز مشاركتهم فيه ممَّن يحضر للتعزية والله أعلم.
ولكن هذا بصفة عامة ولكن يستثنى مَنْ جاء من بلدٍ بعيدٍ وسفرٍ، وديننا يُسْرٌ ورحمة، فالنهي عمَّا يصنع من أجل الميت دون طلب أو عذر من سفر وبُعْد مكان، وهو مخالف للسُّنَّة قطعًا؛ وإنما يجوز لمن جاء من سفر أو بلد بعيد، فصنع له أهل الميت أو غيرهم من الجيران والأهل طعامًا؛ لحاجتهم الشديدة إليه بعد طول سفر وتعب ومعاناة، ولما أصابهم من المشقَّة كما لا يخفى، فليس بمحرَّمٍ؛ بل هو من كرم الضيافة كما لا يخفى، وإلى هذا القول ذهب بعض أهل العلم، من ذلك: ما ذكره ابن قدامة رحمه الله، قال: "وَإِنْ دَعَتِ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ جَازَ؛ فَإِنَّهُ رُبَّمَا جَاءَهُمْ مَنْ يَحْضُرُ مَيِّتَهُمْ مِنْ الْقُرَى وَالْأَمَاكِنِ الْبَعِيدَةِ، وَيَبِيتُ عِنْدَهُمْ، وَلَا يُمْكِنُهُمْ إلَّا أَنْ يُضَيِّفُوهُ"؛ انتهى من "المغني" (3/ 497).   ومن ذلك فتوى للشيخ ابن باز رحمه الله قال فيها: "أما إن نزل بأهل الميت ضيوف زمن العزاء، فلا بأس أن يصنعوا لهم الطعام من أجل الضيافة، كما أنه لا حرج على أهل الميت أن يدعوا مَنْ شاؤوا من الجيران والأقارب؛ ليتناولوا معهم ما أُهدي لهم من الطعام"؛ انتهى من "فتاوى الشيخ عبدالعزيز بن باز" (9/ 325).
• وفي "فتاوى اللجنة الدائمة" (8/ 378): "وأما صنع الطعام من أهل الميت للناس، فهو خلاف السنة؛ بل هو منكر...
إلا إذا نزل بهم ضيف، فلا بأس"؛ انتهى.
والخلاصة النهي خاصٌّ في عمل طعام من أجل الميت والمباهاة في ذلك، أما لو جاء بعض الأهل كأبناء عمٍّ أو إخوانٍ من سفرٍ، ونزلوا على أهل الميت لتعزيتهم وتسليتهم في مصيبتهم، فهم ضيوف لهم حق الضيافة، وجاز تقديم الطعام لهم، لا من أجل الموت ولا رحمة أو صَدَقة على الميت؛ بل إكرامًا للضيف لرفع ما أصابه من مشقَّة السفر، فلا حرج في ذلك إن شاء الله.   هذا ما وفَّقَنا الله إليه في بيان التعزية المشروعة، والله من وراء القَصْد، وهو يهدي السبيل.



شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير