أرشيف المقالات

ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع

مدة قراءة المادة : 12 دقائق .
2﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ ﴾   ضُرِبَ هذا المثل في قوله تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 171]. المثل المضروب: الذي يُنعَقُ به، وهي (البهائم). الفئة المستهدفة من المثل: الذين كفروا. نوع المثل: قياسي تشبيهي.   وهذا المثل ضُرِب للذين كفروا، وكفر؛ يعني: غَطَّى، جاء في كتاب "العين" للخليل بن أحمد الفراهيدي: "والرَّجُلُ يَكْفِرُ دِرْعَهُ بثَوْبٍ كَفْرًا: إذا لَبِسَه فوقَه، فذلك الثَّوبُ كافِر الدِّرْع، والكافر: اللَّيْل، والبَحْرُ، ومَغيبُ الشَّمس، وكلُّ شيء غطَّى شيئًا فقد كَفَرَهُ"[1]، ومن هنا سُمِّيَ الفلاحون كُفَّارًا؛ لأنهم يغطُّون البذْرَ بالتراب، فما الذي يُغطِّيه الكُفَّار؟   إنَّ الذي يُغطِّيه الكُفَّار هو الإيمان، الذي هو مشعل الحياة، وقبس الهداية؛ لأن الله تعالى في الأصل فطر الإنسان على الهداية، فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رضي الله عنه كَانَ يُحَدِّثُ: "قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: ((مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّـرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ))، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه: "﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ﴾ [الروم: 30]"[2].   وأما النَّعْق، فجاء في الزاهر في معاني كلمات الناس للأنباري: "والناعق: الصائح؛ يُقال: قد نعق الراعي بالغنم ينعقُ بها إذا صاح".   وفي المحيط في اللغة؛ للصاحب بن عباد: "نَعَقَ بالغَنَم نَعِيْقًا: صَاحَ، ونَعَقَ الغُرابُ نُعَاقًا ونَعِيْقًا"[3].   شرح الكلمات[4]: مثل: المثل: الصفة والحال. ينعق: يصيح؛ والاسم النعيق، وهو الصياح ورَفْع الصوت. الدُّعاء: طلب القريب؛ كدعاء المؤمن ربِّه: يا رب، يا رب. النِّداء: طلب البعيد؛ كأذان الصلاة. الصُّمُّ: جمع أصم؛ وهو الفاقد لحاسَّة السَّمْع، فهو لا يسمع. البُكْم: جمع أبكم؛ وهو الفاقد لحاسَّة النُّطْق، فهو لا ينطق. لا يعقلون: لا يدركون معنى الكلام، ولا يُميِّزون بين الأشياء؛ لتعطُّل آلة الإدراك عندهم، وهي العقل.   قال ابن كثير[5]رحمه الله في تفسيره: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا ﴾ [البقرة: 171]؛ أي: فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل، كالدَّواب السارحة التي لا تفقه ما يُقال لها؛ بل إذا نعق بها راعيها؛ أي: دعاها إلى ما يُرشدها، لا تفقه ما يقول ولا تفهمه؛ بل إنما تسمع صوته فقط، هكذا روي عن ابن عباس، وأبي العالية، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والحَسَن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس"[6].   والغريب في هذا المثل الصريح في أنَّ الراعي الحاذق يكون قد درَّبَ قطيعَه على هذه الأصوات، فهي تستجيبُ له عندما يصيح عليها، فهي تعرف نداءه عندما يدعوها للأكل، وتعرف نداءه لشـرب الماء، كما تعرف نداءه بالإذن بالرواح، وأهل الريف والبوادي يعرفون ذلك حقَّ المعرفة، ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم مُعلِّمًا من الله تعالى، ومعلِّمًا بارعًا، وله طريقة مُثْلى في الدعوة لربِّه؛ فإنما كان العيب في الناس الذين هم في غفلة ولا يفهمون؛ كما قال تعالى: ﴿ وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179].   "ويتواصل التصوير ضمن هذه المجموعة من الأمثال، بترابط الأمثال فيها، وتفاعُلها، ونموِّها لتكوين صورة مميَّزة للكافرين، فهم أشبه بالبهائم التي لا تعي شيئًا؛ لأنهم لا يدركون الحقائق المعروضة في تصوير الأمثال، فإذا كانوا لم يدركوا عجز آلهتهم، ولم يعرفوا أن الاحتماء بغير الله تعالى لا يفيد، فقد استحقُّوا هذا الوصف بالبهائم، التي لا تعقل الوارد في قوله تعالى: ﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 171].   فهذه الصورة تليق بالكافرين، الذين يسمعون الهُدَى، ولا يفهمونه، ولا ينتفعون به، فمثلهم كمثل البهائم التي تسمع صوت المنادي دون أن تعرف مُراده، أو تُدرك غاية النداء، والمنادي يشعُر بالمرارة والخيبة؛ لأن هذا القطيع لا يعي ولا يستجيب له، وكيف يستجيب الكافرون لنداء الحقِّ، وقد عطَّلوا حواسَّهم جميعًا، فأصبحوا صُمًّا بُكْمًا عُمْيًا، لا يعقلون، ولا يُرجى منهم خيرٌ، وبعد استكمال تصوير المثل، عَقَّب عليه بحكم قوي على الممثل له؛ وهم الكافرون، وصوَّرهم بقوله: ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾، وجاء في نهاية التعقيب قوله: ﴿ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾، وهذا التعقيب الصريح هو المغزى من تصوير هذا المثل، والمغزى أيضًا من التصوير في ﴿ صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ ﴾، وهكذا يتناسق التعقيب مع تصوير المثل المضروب، ويتفاعل معه في توضيح حقيقة الكافرين الذين عطَّلُوا حواسَّهم، التي هي وسائل المعرفة والإدراك، فاستحقُّوا بذلك هذا التصوير في المثل المضروب لهم"[7].   فالمثل هنا يُشبِّه القوم الذين كفروا بالأنعام التي لا تفقه من أصوات راعيها إلَّا دُعاءً أو نداءً، والأنعام كما هو معلوم لها أعين تُبصِـر بها، ولها آذانٌ تسمَع بها؛ ولكنها لا تمتلك قلوبًا كقلوب بني البشـر، فقلوب المؤمنين جعلها الله تعالى تفقه، وتعقل بنصوص قرآنية صريحة، وأما أولئك الذين لم يؤمنوا بالله جل جلاله، فهم صُمٌّ وبُكْمٌ وعُمْيٌ، ليس بسبب أنهم فقدوا حاسَّة السَّمْع أو البصـر أو النطق؛ ولكن لأنَّ قلوبهم مرضت، أو غفلت، وربما ماتَتْ، فلم تؤمن بالله جل جلاله، فتعطَّلت تلك الجوارح بسبب عطب القلب، ثم تبعتها كُلُّ الحواسِّ الأخرى؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ))[8].   وحتى تلك الأنعام في المثل المضروب، فهي سيئة أيضًا؛ لأنها في حقيقتها ينبغي أن تتعلم مع الوقت مُراد الراعي منها من جرَّاء ندائه لها؛ لأن الله تعالى قد هداها أيضًا؛ قال تعالى: ﴿ قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ [طه: 50]، فالكُفَّار مثل تلك الأنعام غطوا الهداية بالعمى.   والمثل الصريح هنا يُوجِّه المؤمنين بإرشادهم بأن يحرصوا على ألَّا يكونوا كأولئك الذين هم كالأنعام، وهم الكُفَّار، فالمؤمن يتخلَّص من كل ذلك بالاهتمام بقلبه، فيسعى جاهدًا؛ لأن يكون قلبُه سليمًا وصحيحًا ونقيًّا من الأمراض، عند ذاك تتحرَّك الحواسُّ من نُطْقٍ وسَمْعٍ وبَصَرٍ، وتعمل عملًا إيجابيًّا صالحًا بهداية وتوفيق من الله جلَّ جلاله.   وفي تفسير البيضاوي: "﴿ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً ﴾ [البقرة: 171] على حذف مضاف، تقديره: ومثل داعي الذين كفروا كمثل الذي ينعق أو مثل الذين كفروا كمثل بهائم الذي ينعق، والمعنى: أن الكفرة لانهماكهم في التقليد لا يلقون أذهانهم إلى ما يُتلى عليهم، ولا يتأمَّلون فيما يقرر معهم، فهم في ذلك كالبهائم التي ينعق عليها فتسمع الصوت، ولا تعرف مغزاه، وتحسُّ بالنداء ولا تفهم معناه، وقيل: هو تمثيلهم في اتِّباع آبائهم على ظاهر حالهم، جاهلين بحقيقتها بالبهائم التي تسمع الصوت، ولا تفهم ما تحته أو تمثيلهم في دعائهم الأصنام بالناعق في نعقه، وهو التصويت على البهائم"[9].   فمن أجل ذلك ختمت آية المثل بقوله تعالى: ﴿ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ ﴾، فإن العقل في الأصل هو الربط، أو الحبس، ولقد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أحد أصحابه بأن يعقل دابته "يربطها" ويتوكَّل على الله تعالى حتى لا تنفلت، فقد "قال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: أرسل ناقتي وأتوكَّل؟ قال صلى الله عليه وسلم: ((اعقِلْها وتوكَّل))[10].

فالدَّابة التي لا تفهم نداءات مَنْ يَرْعاها، ستنفلت وتتصرَّف كما تشاء، وكما يحلو لها، وستجنح بعيدًا، وكذلك الإنسان صاحب القلب الميت أو المريض، فإنه لن يستطيع أن يضبط تصرُّفاته نحو الخير؛ لأن جوارحه ستنفلت؛ لأنها مرتبطةٌ بقلبه، والقلب هو محل العقل؛ قال تعالى: ﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ ﴾ [الحج: 46].


[1] العين؛ الخليل بن أحمد الفراهيدي، ج5، ص356. [2] صحيح البخاري، باب: إذا أسلم الصبي فمات، هل يُصلَّى عليه، ج1، ص456، حديث: 1292. [3] المحيط في اللغة، الصاحب بن عباد الطالقاني، ج1، ص185. [4] أيسـر التفاسير لكلام العلي الكبير؛ أبو بكر الجزائري، ج1، ص146. [5] هو الإمام الحافظ، المحدِّث، المؤرخ، عماد الدين، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير بن ضوء بن كثير بن ذرع القرشي الدمشقي الشافعي [ 701 هـ - 774 هـ]، ولد بمجدل القرية من أعمال مدينة بُصـرى، نشأ الحافظ ابن كثير في بيت علم ودين، فأبوه عمر بن حفص بن كثير، أخذ عن النواوي والفزاري، من شيوخه: ابن تيمية والذهبي وابن عساكر، لابن كثير مؤلفات في علوم القرآن، وأشهرها تفسيره، وفي السنة وعلومها، ومنها شـرح صحيح البخاري، وفي الفقه وأصول الفقه، ومنها الأحكام الكبرى، والمقدمات في أصول الفقه، وفي التاريخ، وأشهرها البداية والنهاية، وله كتاب طبقات الشافعية، قال عنه الإمام الذهبي في المعجم المختص: "الإمام المفتي المحدِّث البارع، فقيه مُتفنِّن، محدث متقن، مُفَسِّـر نقَّال"، تُوفِّي في دمشق عام 774هـ. [6] تفسير القرآن العظيم؛ ابن كثير الدمشقي، ج1، ص480. [7] وظيفة الصورة الفنية في القرآن؛ عبدالسلام أحمد الراغب، ص166-167. [8] صحيح البخاري، باب: فضل من استبرأ لدينه، ج1، ص28، حديث: 52. [9] تفسير البيضاوي، ج1، ص448.
[10] صحيح ابن حِبَّان، محمد بن حِبَّان، ج 2، ص510، حديث: 731.



شارك الخبر

المرئيات-١