أرشيف المقالات

فضل عشر ذي الحجة

مدة قراءة المادة : 14 دقائق .
2فضل عشر ذي الحجة   الحمد لله الذي أقسم بالعشر، فقال: ﴿ وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ ﴾ [الفجر: 1، 2]، أحمده سبحانه وتعالى وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وصفيه من خلقه صلى الله عليه وعلى آل بيته الطاهرين، وعلى صحابته الغُرِّ الميامين، ومن تَبِعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:
فإنَّ من فضل الله تعالى ونِعَمِه الجليلة على عباده أن هيَّأ لهم المواسمَ العظيمة، والأيامَ الفاضلة؛ لتكون مغنمًا للطائعين، وميدانًا لتنافس المتنافسين، ومن أعظم هذه المواسمِ وأجلِّها ما شهد النبيُّ صلى الله عليه وسلم بأنها أفضلُ أيام الدنيا على الإطلاق، ألا وهي أيامُ عشر ذي الحجة، ففي هذه الأيام تتضاعف الحسنات إلى ثواب المجاهدين؛ بل ويزيد عليه؛ فقد روى ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من أيام العمل الصالح فيها أحبُّ إلى الله عز وجل من هذه الأيام)) - يعني: أيام العشر- قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله، ثم لم يرجع من ذلك بشيء))؛ رواه البخاري.
هذا الموسم تعتبر أيامه أفضل أيام الدنيا؛ حيث روى جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أفضل أيام الدنيا العشر)) - يعني: عشر ذي الحجة - قيل: ولا مثلهن في سبيل الله؟ قال: ((ولا مثلهن في سبيل الله، إلا رجل عفَّر وجهه بالتراب))؛ رواه البزار وأبو يعلى.
وعلَّل بعض أهل العلم الحكمة في كون عشر ذي الحجة أفضل أيام الدنيا بأن أمهات الأعمال الصالحة والعبادات تجتمع فيها، ولا تجتمع في غيرها، فهي أيام الكمال، ففيها الصلوات كما في غيرها، وفيها الصدقة لمن حال عليه الحول فيها، وفيها الصوم لمن أراد التطوع، أو لم يجد الهدي، وفيها الحج إلى البيت الحرام، ولا يكون في غيرها، وفيها الذكر والتلبية والدعاء الذي يدل على التوحيد، واجتماع العبادات فيها شرف لها لا يضاهيها فيه غيرُها، ولا يساويها سواها.
وقد سُئل شيخُ الإسلام ابنُ تيمية رحمه الله عن عشر ذي الحجة والعشر الأواخر من رمضان: أيُّهُما أفضلُ؟ فأجاب: ((أيام عشر ذي الحجة أفضل من أيام العشر في رمضان، وليالي العشر الأواخر من رمضان أفضل من ليالي عشر ذي الحجة))؛ ا هـ.
فلا غرابة إذًا أن يحرص السلف الصالح على اغتنام عشر ذي الحجة والاجتهاد فيها، فقد كان سعيدُ بن جبير رحمه الله - وهو الذي روى حديث ابن عباس السابق - إذا دخلت العشرُ من ذي الحجة اجتهدَ اجتهادًا حتى ما يكاد يُقدر عليه.
فماذا ينبغي لغير الحاج عملُه في هذا الموسم العظيم الذي يستغرق عشرة أيام، وعدد ساعاته مائتان وأربعون ساعة؟ ينبغي علينا: أولًا: أن نصرف معظم وقتنا في هذه الأيام المعظَّمة في ذكر الله عز وجل خصوصًا التهليل والتكبير والتحميد والتسبيح، فإنها أفضل عبادة نتقرَّب بها إلى الله عز وجل في مثل هذه الأيام، وقد أشاد الله بها في قوله تعالى: ﴿ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ ﴾ [الحج: 28]، وقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((ما من أيام أعظم عند الله، ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير))؛ رواه الإمام أحمد، والطبراني.
والتكبير في هذه الأيام المباركة على نوعين: مطلق، ومقيد، أما التكبير المطلق فيقصد به التكبير في هذه الأيام العشر في كل وقت وحين: في البيت، والسيارة، والعمل، والسوق، ولقد كان أبو هريرة وابن عمر رضي الله عنهما إذادخلت عشر ذي الحجة يخرجان إلى السوق يُكبِّران كلٌّ على حدته، فإذا سمِعَهم الناس تذكروا التكبير، فكبروا كلُّ واحدٍ على حدته، وأما التكبير المقيد فيقصد به التكبير بعد الفرائض ابتداءً من بعد صلاة الفجر من يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق؛ أي: إلى رابع أيام العيد، فلنرطب ألسنتنا بأحب الكلام إلى الله إذا دخلت علينا أفضلُ أيام الدنيا.
ثانيًا: علينا صيام هذه الأيام الفاضلة قدر المستطاع، فإن الصيام فيها من أفضل العبادات التي يمكن أن نتقرَّب بها إلى الله عز وجل، وقد ورد ما يدل على صيامها من حديث هُنَيدَة بنِ خالدٍ عن امرأته قالت: "حدثتني بعضُ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصومُ عاشوراءَ وتسعًا من ذي الحجة وثلاثةَ أيام من كل شهر"؛ رواه النسائي وصحَّحه الألباني؛ ولذا قال النووي رحمه الله: "صيامُها مستحبٌّ استحبابًا شديدًا"؛ ا هـ.
ومن لم يستطع صيام تسعة الأيام، فلا يفوت عليه صيام يوم عرفة الذي يُكفِّر ذنوب سنتين كاملتين حيث روى أبو قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((صوم يوم عرفة يُكفِّر سنتين: ماضية، ومستقبلة، وصوم عاشوراء يُكفِّر سنة ماضية))؛ رواه الإمام مسلم.
تخيَّلوا يا عباد الله ذنوب سنتين كاملتين كلها تختفي وتُمحى من صحيفتك إذا صمت يوم عرفة، فلا تحرموا أنفسكم من هذا الفضل الجزيل.
ثالثًا: علينا التقرُّب إلى الله تعالى بذبح الأضاحي، وألَّا تحرم نفسك من تقديم أضحية لله عز وجل يوم العيد، فهي من أفضل الأعمال يوم العيد؛ فقد روى أبو بكر الصديق رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سُئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: ((العج والثَّج))؛ رواه ابن ماجه والترمذي، ومعنى العج؛ أي: التلبية، ومعنى الثج؛ أي: النحر؛ أي: تقديم الأضاحي.
والأضحية سنة مؤكدة جدًّا؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم داومَ عليها، وضحَّى عشر سنوات، وحثَّ على ذلك حتى قال صلى الله عليه وسلم: ((من كان له سعة ولم يُضَحِّ، فلا يقربنَّ مصلانا))، وكانصلى الله عليه وسلم يخرج بأضحيته إلى المصلى، ويذبحها بالمصلى أمام الناس؛ لتكون شعيرة بارزة في عيد المسلمين؛ ولذلك اختلف العلماء: هل الأضحية واجبة أم سنة؟ فذهب الجمهور إلى سُنِّيَّتِها، أما الأحناف فمالوا إلى وجوبها، وكذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ﴾ [الكوثر: 2] كما قال تعالى: ﴿ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [الأنعام: 162]، فذكر النُّسُك، وينبغي أن نعلم بأن الأضحية أفضل من التصدُّق بثمنها، فلو قال قائل: عندي مبلغ من المال، فأيهما أفضل أتصدَّق به أم أشتري به أضحية؟ قال العلماء: إن شراء الأضحية به أفضل من التصدُّق به على فقير، والأضحية سنة للأحياء؛ وليس للأموات استقلال، فلا يستحب للمسلم أن يُخصِّص أضحية، يتبرَّع بها لأحد أقاربه الأموات؛ وإنما يفضل أن يُضحِّي عن نفسه، ويشرك الميت معه في ثواب الأضحية.

والمتتبِّع لسُنَّة المصطفى صلى الله عليه وسلم يجد أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يُضَحِّ عن أحد ممَّن مات له، لا عن زوجته خديجة، وهي أحبُّ نسائه، ولا عن أحد من أولاده أو أعمامه؛ مثل: حمزة؛ وإنما ضحَّى عن نفسه وعن أهل بيته، فمن أراد أن يُدْخِل الأموات في العموم فهو جائز؛ ولكن لا تكن الأضحية للأموات استقلالًا؛ وإنما هم تبع.

أما الوصايا، فالأمر يختلف فيجب تنفيذها؛ لأنها كلها للميت، وخرجت بأمر الميت قبل وفاته.
رابعًا: جاءت السنة لمن أراد أن يُضحِّي بأن يمسك عن أظفاره وشعره وبَشَرته من بداية دخول عشر ذي الحجة أو متى نوى ذلك خلال عشر ذي الحجة، فقد رَوَتْ أمُّ سلمة رضي الله عنها قالت: قال رسول صلى الله عليه وسلم: ((إذا دخل العشر، وأراد أحدكم أن يُضحِّي، فلا يأخذ من شعره، ولا من بَشَرته، ولا من ظفره شيئًا))؛ رواه الإمام مسلم، وقال في حديث آخر: ((إذا رأيتم هلال ذي الحجة، وأراد أحدكم أن يُضحِّيَ، فليمسك عن شعره وأظفاره))، وقال أيضًا صلى الله عليه وسلم: ((من كان له ذبح يذبحه، فإذا أهل هلال ذي الحجة، فلا يأخذن من شعره وأظفاره حتى يُضحِّي))، قال أهل العلم: إن الحكمة في ذلك هو التشبُّه بالحاج المحرم، وهذا الحكم متعلق بالمضحِّي، وليس بأهل البيت من الأولاد والزوجة، أما المُضحِّي عن غيره، أو الوصي أو الوكيل، فلا يَحرمُ عليه أخذ شيء من شعره؛ لأن الأضحية لا تخصُّه.

ومن أخطاء الناس أن بعضهم يظن أنه يحرم على المضحِّي ما يحرم على المُحرم من طِيبٍ ونحوه، وهذا خطأ؛ وإنما المحظور على المضحِّي قصُّ الشعر أو الظفر، أو الأخذ من البَشَرة فقط، وبعض الناس قد يمتنع عن شراء أضحية بحجة أنها لا تقبل منه؛ لأنه قص شعره أو أظفاره في أيام العشر ناسيًا أو متعمِّدًا، والصواب: أنه لا تبطل أضحية المضحِّي بمجرد أخذه من شعره أو ظفره؛ وإنما عليه التوبة، ولا كفَّارة عليه، وأضحيته صحيحة؛ وإنما يُحرمُ ثواب الاستجابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم في عدم الأخذ من أظفاره وشعره وبَشَرته شيئًا.

ومن حلق أو قلَّم أظافره ناسيًا، فلا إثم عليه؛ لأن الله تعالى تجاوز عن الناسي، أما ما يفعله بعض الناس من الامتناع عن الوطء أو الاستحمام والنظافة والتطيِّب أيام العشر، فلا دليل عليه، وإذا نوى المضحِّي أن يُضحِّيَ أثناء أيام العشر، فإنه يمسك عن شعره وظفره من وقت نيَّتِه كما أسلفت.
خامسًا: علينا تجنُّب المعاصي ما ظهر منها وما بطن أيام عشر ذي الحجة؛ لأنها أيام فاضلة ولها حرمة؛ بل هي من الأشهر الحرم التي تعظم فيها السيئات، فلا تظلموا فيهن أنفسكم، ولنستقبل هذا الموسم بالتوبة الصادقة، والعزم على عدم العودة إلى الذنوب، فلنكفَّ ألسنتنا عن القيل والقال، ولنكفَّ أسماعَنا عن سماع الحرام؛ من غيبة، ونميمة، وغناء، وموسيقى، ولنكفَّ أبصارنا عن مشاهدة النساء عبر التلفاز أو القنوات الفضائية والشبكة العنكبوتية استجابة لأمر ربنا عز وجل القائل: ﴿ قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ ﴾ [النور: 30]، فإن هذه المعصية أصبحت مستهجنة، واعتادها الكثير من الناس، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
فلا تدعوا ساعات هذا الموسم تمر عليكم وأنتم في غفلة عن ربكم؛ لأنها أفضل أيام الدنيا، فقد لا تعود إليكم أبدًا؛ فتعضوا على أصابع الندم، فاعمروا أوقاتكم فيها بشتى الطاعات؛ كقراءة القرآن، وترطيب اللسان بأحبِّ الكلام إلى الله: ((سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر))، وبالدعاء، والصدقة، وبِرِّ الوالدين، وصلة الأرحام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وغير ذلك من طرق الخير وسبل الطاعة؛ لأنها ستضاعف إلى ثواب الجهاد، قال فيها صلى الله عليه وسلم: ((ما من عمل أزكى عند الله، ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر الأضحى))، قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء))؛ رواه البيهقي.
ولذلك قال ابن رجب رحمه الله تعالى استنادًا للحديث السابق أن جميع الأعمال الصالحة في العشر مضاعفة بغير استثناء؛ فهنيئًا لمن سابق غيره فيها بكل عمل صالح، وتعسًا لمن فرَّط فيها ولم يغنم منها شيئًا.
إن بعض الناس يفرحون بقدوم عشر ذي الحجة؛ لأنها أيامُ إجازة، فيستغلونها في سفر ومرح ولهو، مُفوِّتين على أنفسهم فرصة اغتنام الأجور المضاعفة التي يعرضها الله عز وجل في هذه الأيام المباركة، وأما الصالحون فهم يفرحون بقدوم عشر ذي الحجة؛ لأنها أفضل أيام الدنيا؛ فهي أيام تشمير واجتهاد، وليست أيامَ لهْوٍ ورُقادٍ.
وهناك فرق كبير بين من يقول: بقي على إجازة الحج كذا يوم، وبين من يقول: بقي على عشر ذي الحجة كذا يوم، فالأول همُّه الإجازة، والثاني همُّه أن يُبلِّغه الله هذه العشر؛ ليشمر في طاعة الله.
إن مما ينبغي أن يُعلم أن كل امرئ منا يحتاج إلى مزيد من المقاومة والمجاهدة للنفس والهوى والشيطان في أيام عشر ذي الحجة لاستغلالها في العمل الصالح إن كان جادًّا في ذلك، إننا لا نستغرب أن نرى معظم الناس يستثمرون أوقاتهم بقراءة القرآن، والبعد عن مواطن المعصية في شهر رمضان؛ لأن الشياطين فيه مسلسلة، وأما في أيام عشر ذي الحجة، فيجب أن نعلم بأن الشياطين فيه لا تُسَلْسَل؛ لذلك نحتاج إلى مزيد من المجاهدة والمقاومة للهوى والشيطان.
إن وسائل الإعلام المختلفة إن كانوا يحبون نشر الخير، فعليهم توعية الناس وتسليط الأضواء الكاشفة على مكانة عشر ذي الحجة؛ لغفلة كثير من المسلمين عنها، وجهلهم قدرها، وعظيم ثوابها عند الله؛ لذلك استحضر أخي المسلم كُلَّ الأعمال الصالحة التي كنت تعملها في رمضان، وقم بمثلها في هذه الأيام المباركة، فأكثر من قراءة القرآن، واختمه إن استطعت عدة مرات.
نسأل الله عز وجل أن يُعيننا على فعل الخير، ويُسهله علينا، ويُزينه في نفوسنا، ويتقبله منا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه أجمعين.



شارك الخبر

المرئيات-١