أرشيف المقالات

رسالة إلى متعاطي المخدرات وشارب الخمر

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
2رسالة إلى متعاطي المخدِّرات وشارب الخمر   الحمد لله، والصلاة والسلام على رسوله ومصطفاه ونبيِّه ومُجتباه، أرسله المولى رحمةً مُهداة، ونِعْمةً مسداة، فعمَّ فضلُه، وكثرت عطاياه، صلاة وسلامًا عليه إلى يوم أن نلقاه، أما بعد: أيُّها الإخوة الكرام: فإن الأُمَّة اليوم تحتاج إلى دُعاةٍ مُصلحين يُوجِّهُون ويرغبون ويُحذِّرُون، فإن المعاصي كثرت وتنوَّعت، وتعدَّدَت حتى دخلت إلى مجتمعاتنا وبيوتنا وبين شبابنا وأجيالنا، وإن أشدَّ ما ينبغي النظر إليه، والتحذير منه وبال المخدِّرات بشتَّى أنواعها ومسالكها وطرقها.   وقد حذَّرنا ربُّنا عز وجل منها، فقال تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [المائدة: 90 - 92].   وقد وصف ربنا تبارك وتعالى أهل الإيمان بقوله: ﴿ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الأعراف: 157].   فإنهم ينتهون عن الخبائث، ولا شكَّ أن الخبائث كلها إن اجتمعت، فإنك تجدها في الخمر والمخدِّرات وأنواعها ممَّا يتعاطاه اليوم الغافلون هَداهم الله.   وقد أمر الله بالطيبات، ونهى وحذَّرَ من الخبائث المحرَّمات التي تُسبِّب الضرر، وتُهلك الإنسان الذي كرَّمه الله، فما الحاجة لإنسان لا يُميِّز، ولا يعقل، ولا ينفع نفسه، والناس من حوله.   ويقع العبد في عدم القبول لعمله ودعائه بسبب الخبائث؛ قال صلوات ربي وسلامه عليه في الحديث الصحيح: ((أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ؛ فَقَالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ [المؤمنون: 51]، وَقَالَ: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ ﴾ [البقرة: 172]، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ يَا رَبِّ يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِّيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ))؛ أخرجه مسلم.   كيف يُستجابُ لعبدٍ عاش على المحرَّمات، ودنَّسَ جسدَه بها، وامتلأتْ بطنُه بها؟ كيف يصعد عملُه؟ وكيف يُناجي ربَّه؟ وكيف يحيا ويأمن غضب الله عليه؟ كل مسكر وكل مفتر نهانا عنه نبيُّنا صلى الله عليه وسلم؛ لأن المسكر يُذهِب العقلَ الذي فضَّلَنا اللهُ به على الدوابِّ.   عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها أنها قَالَتْ: "نَهَى رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ ومُفترٍ"؛ أخرجه أحمد 6/ 309 و"أبو داود" 3686، وقال الحافظ العراقي: إسناده صحيح، وصحَّحه السيوطي في الجامع الصغير.   وديننا يُحرِّم علينا كل ما فيه ضرر، فلا ضرر في الإسلام ولا ضرار، وهذا من أصول السير على طريق الله عز وجل.   عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((لا ضَرَرَ وَلا ضِرَارَ))؛ أخرجه أحمد 1/ 255(2307) و(ابن ماجه) 2337، (رواه أحمد، والحاكم، وصحَّحه، ووافقه الذهبي).   ويوم القيامة يكون السؤال العظيم أمام ربِّ العالمين عن هذا الجرم وتلك المعصية، وهذه البلية، فكيف يُجيب العبدُ إن قيل له: لمَ شربت الخمرَ، وقد حرَّمْتُها عليكَ؟   كيف يُجيبُ العبدُ على الله إن قال له فيما ضيَّعْتَ رزقي لك؟ كيف يكون حالك؟ وكيف يكون مصيرك إن قابلت ربَّكَ وقد غضب عليك؟ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وابْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ((لا تَزُولُ قَدَمَا ابْنِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مِنْ عِنْدِ رَبِّهِ، حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ خَمْسٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ، وَعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلاهُ، وَمَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكْتَسَبَهُ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ، وَمَاذَا عَمِلَ فِيمَا عَلِمَ))؛ أخرجه الترمذي (2416)، وقال الألباني: حسن؛ الصحيحة (946)، التعليق الرغيب (1 /76).   ولقد أوصى نبيُّنا صلى الله عليه وسلم بعدم شرب الخمر؛ فعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: ((أوصاني خليلي...)) حتى قال: ((ولا تشرب الخمر؛ فإنها مِفْتاحُ كُلِّ شرٍّ))؛ رواه ابن ماجه والبيهقي.   يقول الشيخ سعد الشهاوي: "واعلموا أيها المسلمون أنه ممَّا حرَّم الله في كتابه، وعلى لسان رسوله، وأجمع المسلمون على تحريمه الخمر، التي هي "أم الخبائث" والإدمان والمخدِّرات - بجميع أنواعها - سواء كانت نباتًا، أو حبوبًا، أو مطعومًا، أو مشروبًا، أو استنشاقًا، أو إبرًا، أو الأفيون، والمورفين، والكوكايين، والحشيش...
حرَّمه اللهُ، وحرَّمَه رسولُه صلى الله عليه وسلم؛ لما فيه من الأضرار والتدمير، ولما فيها من الشرِّ، ولما تُسبِّب لمتعاطيها من تحوُّلِه إلى إنسان شرير يُتوقَّع منه الإفسادُ والجريمة، ولا يُرْجى منه خيرٌ، وقد نادى عقلاء العالم بإنقاذ المجتمعات من وَيْلات المخدِّرات؛ لما شاهدوا من الكوارث.   وقليلُ الخمر وكثيرُه حرامٌ ولو حسوة أو جرعة؛ فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ))؛ سنن أبي داود.   وعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ، مَا أَسْكَرَ الْفَرَقُ مِنْهُ، فَمِلْءُ الْكَفِّ مِنْهُ حَرَامٌ))؛ الترمذي وفي رواية: ((الْحَسْوَةُ مِنْهُ حَرَامٌ))؛ الترمذي.   ومن أدلة الحرمة للخمر ما رُوي عن أَبي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: ((لَيَشْرَبَنَّ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ يُسَمُّونَهَا بِغَيْرِ اسْمِهَا))؛ سنن أبي داود، وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَيَسْتَحِلَّنَّ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي الْخَمْرَ بِاسْمٍ يُسَمُّونَهَا إِيَّاهُ))؛ صحيح الجامع.   وهذا قد حدث اليوم، فتارة تسمع مشروبات روحية، وتارة تسمع كبسولات مُنشِّطة، وتارة تسمع مشروب الراحة والمزاج!   لكن ليحذر المسلم من غضب الملك الجبَّار؛ فإن الخمرَ والمخدِّراتِ ملعونةٌ، ملعونٌ فيها تسعة كما في حديث النبي صلى الله عليه وسلم عن ابْن عُمَرَ رضي الله عنهما قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ((لَعَنَ اللَّهُ الْخَمْرَ، وَشَارِبَهَا، وَسَاقِيَهَا، وَبَائِعَهَا، وَمُبْتَاعَهَا، وَعَاصِرَهَا، وَمُعْتَصِرَهَا، وَحَامِلَهَا، وَالْمَحْمُولَةَ إِلَيْهِ، وآكل ثمنها))؛ [أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد، وابن ماجه، وصحَّحَه الألباني في صحيح الجامع برقم 5091].   وحرَّمَ نبيُّنا صلى الله عليه وسلم تجارتها وثمنَها؛ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها قَالَتْ: "حَرَّمَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم تِجَارَةَ الْخَمْرِ"؛ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فهي حرامٌ بكلام الصادق الذي لا ينطق عن الهوى.   وعن ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ((ثَمَنُ الخَمْرِ حَرَامٌ))؛ رَوَاهُ أَحْمَد.   وعن ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ: "نَهَى رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَثَمَنِ الْخَمْرِ"؛ رَوَاهُ أَحْمَد وَأَبُو دَاوُد.   يقول الشاعر: يا مَنْ سألتُم عن الإدمان قصَّتُه تُدمي القلوبَ وفيها الخوف والرَّهَبُ لا تسألوني! فحَدُّ السيفِ منصلتٌ والخَمْرُ تُحدِث ما لا يُحدث العنب لا تسألوني! فإن النار موقدةٌ وإن عقلي ووجداني لها حطَب أُمِّي تُخاطب في قلبي أمومَتَها فما ترى غير جفن ماله سبب يدور في القلب طاحون الشقاء فما للنوم حينئذٍ في مقلتي أَرَب وتشتكي كلُّ أعضائي وأوردتي فالرُّوح مخنوقةٌ والعقلُ مضطرب يا رحلةَ البؤس لا سيارتي وصلَتْ ولا تورَّعَ عن إرهاقيَ التعب أرى لباسي عبئًا حين ألبسُهُ وأبذل العهد محتارًا وأنقلب أبيع نفسي لأشري حَبَّةً سكنت بالموت فالقلب منها منزل خرب أرى الحياة ظلامًا لا يُخالطه نورٌ فلا فرحٌ عندي ولا طرب ويأكل الخدَرُ المشؤوم أوردتي وفي خيالي رؤى تنأى وتقترب أحبو على الأرض أحيانًا وأحسِبني أجري وأكبو وظني أنني أثب طورًا أثرثر حتى تشتكي شفتي وتارة في مَجال القول أقتضب أبي يُراقبني والطرف منكسِرٌ أُمِّي تُراقبني والدمع ينسكب ما عدتُّ كالأمس إشراقًا ولا أملًا وكيف يشرق مَن في قلبه لهب؟ أبي يسائلني عمَّا بُليتُ به وقد تمكَّن من وجدانه الغضب متى؟ وكيف جرى هذا؟ أما نفَعَتْ فيك النصائح والتهذيب والأدب؟   ومن أضرارها الدينية: كونها معصية تحقق سخط الله وعقابه وغضبه، ومن أضرارها تفكيك الأُسَر، وفساد الخلق، وضيق الصدر، وفساد العشرة، وقطع العلاقات، والبعد عن الطاعات والانغماس في المحرَّمات، فهي رأس وبداية كل خزي.   نسأل الله السلامة والستر والحفظ والعون، والله تعالى أعلى وأعلم.



شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢