أرشيف المقالات

الاجتهاد في العبادة وفوائده

مدة قراءة المادة : 6 دقائق .
2الاجتهاد في العبادة وفوائده
خلق الله جل وعلا الإنسان لعبادته، فسرُّ وجود الإنسان وغاية خلقه هي تحقيق العبودية لله تعالى؛ قال الله جل وعلا: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ [الذاريات: 56]، وحول معنى هـذه الآية الكريمة يقـول ابن كثير رحمه الله: إن الله تعالى خلق العباد؛ ليعبدوه وحده لا شريك له، فمن أطاعه جازاه أتم الجزاء، ومن عصاه عذبه أشد العذاب، وأخبر
أنه غير محتاج إليهم، بل هم الفقراء إليه في جميع أحوالهم، فهو خالقهم ورازقهم [1] .
  ثم أتبع رحمه الله ذلك بالحديث عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَـالَ: "إِنَّ اللّـَهَ تَعَالَى يَقُولُ: يَا بْنَ آدَمَ تَفَـرَّغْ لِعِبَادَتِي أَمْلَأْ صَدْرَكَ غِنًى، وَأَسُدَّ فَقْرَكَ، وَإِلَّا تَفْعَـلْ مَلَأْتُ يَدَيْكَ شُغْلًا، وَلَمْ أَسُدَّ فَقْرَكَ "[2].
وإذا تأملت - أيها المسلم الموفق - حديث رسول صلى الله عليه وسلم عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ، تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ: يَكْرَهُ الْمَوْتَ، وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ[3].
ولا شك أن اتباع فرائض الله تعالى هو المطلوب أولًا وأخيرًا، ولكن الإنسان المسلم إذا عَلِمَ علمَ اليقين أنه مخلوق لعبادة الله تعالى، وأنه مُيسر لما خُلِق له، فعليه حينئذٍ أن يسعى بكل جهده؛ ليجعل عبادة الله تعالى بمفهومها الشامل في الأقوال والأفعال نُصب عينيه، وشغله الشاغل في كل أوقاته، وينبغي ألا يفكِّر لحظة واحدة، في أنه بهذا قد يؤدِّي واجب شكر نعم الله تعالى عليه، وأنَّى له ذلك؟ ورسول الله صلى الله عليه وسلم القدوة الحسنة، كان يقوم في الليل حتى تفطرت قدماه؛ كما ورد في الحديث عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّى قَامَ حَتَّى تَفَطَّرَ رِجْلَاهُ، قَالَتْ عَائِشَةُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَتَصْنَعُ هَذَا، وَقَدْ غُفِرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا[4].
والاجتهاد في العبادة يتحقق من خلاله عدة فوائد عظيمة، من أهمها: 1- حصول محبة الله تعالى للعبد، وهي أعظم مقصود, وأفضل مطلوب.   2- القرب من الله تعالى، ودوام الصلة بين العبد وربه؛ فالصلاة صلة بين العبد وربه، وكذا الذكر، فمن ذكر الله سبحانه ذكره الله تعالى، ومن ذكر ربَّه في ملأ، ذكره الله تعالى في ملأ خير منهم؛ قال تعالى: ﴿ فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ [البقرة: 152]، وحينئذ يكون من الحكمة المداومة على ذلك فرضًا ونفلًا.   3- الأنس والتلذذ والاستمتاع العجيب بعبادة الله تعالى، ومن ذاق عرف، ويقول ابن القيم رحمه الله ما نصه: "وكلما كانت المحبة أكمل، وإدراك المحبوب أتم، والقرب منه أوفر، كانت الحلاوة واللذة والسرور والنعيم أقوى"[5].
4- الخوف والوجل والحياء من الله تعالى من الإقدام على معاصيه ومخالفة أمره.   5- حصول طيب النفس، وسرور القلب وفرحه ولذته، وابتهاجه وطُمأنينته وانشراحه، ونوره وسعته وعافيته.   6- الهداية والتوفيق في كل أمر يتم الإقدام عليه؛ قال تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ ﴾ [العنكبوت: 69].   أسأل الله تعالى بمنِّه وكرمه أن يُعيننا على ذكره وشكره وحُسن عبادته، والحمد لله رب العالمين.


[1] (ابن كثير، تفسير القرآن العظيم، ج 7، ص 425). [2] (الترمذي، سنن الترمذي، حديث رقم: 2466). [3] (البخاري، صحيح البخاري، حديث رقم: 6502). [4] (مسلم، صحيح مسلم، حديث رقم: 7126). [5] (ابن القيم، إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان، ج 2، ص 197).



شارك الخبر

ساهم - قرآن ١