أرشيف المقالات

حديث: دخل رسول الله البيت وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة

2حديث: دخل رسول الله البيت وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة   عن عبدالله بن عمر رضي الله عنهما قال: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة، فأغلقوا عليهم الباب، فلما فتحوا الباب كنت أول داخل، فلقيت بلالًا، فسألته: هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: نعم، بين العمودين اليمانيين.   قوله: (دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت)، في رواية: أقبل النبي صلى الله عليه وسلم يوم الفتح من أعلى مكة على راحلته، ومعه بلال وعثمان بن طلحة حتى أناخ في المسجد، وفي رواية: عند البيت وقال لعثمان: ائتنا بالمفتاح، ففتح له الباب، فدخل، ولمسلم: ثم دعا عثمان بن طلحة، فقال: "ائتني بالمفتاح"، فذهب إلى أمِّه، فأبت أن تعطيَه، فقال: والله لتعطينيه أو ليخرجنَّ هذا السيف من صلبي، قال: فأعطته إياه، فجاء به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فدفعه إليه ففتح الباب.   ♦ قال الحافظ: (وعثمان المذكور هو عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن عبدالعزى بن عبدالدار بن قصي بن كلاب، ويقال له: الحجبي، ولآل بيته: الحجبة لحجبهم الكعبة، ويعرفون الآن بالشيبيين، نسبةً إلى شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، وهو ابن عم عثمان هذا لا ولده، وله أيضًا صحبة ورواية)[1].   ♦ قوله: (فأغلقوا عليهم الباب)، وعند أبي عوانة من داخل قوله: فلما فتحو الباب، في رواية: فلبث فيه ساعة ثم خرجوا.   ♦ قوله: (فلما فتحوا الباب كنت أول داخل)، في رواية: ثم خرج فابتدر الناس الدخول فسبقتهم، وفي رواية: فرقيت الدرجة فدخلت البيت.   ♦ قوله: (فلقيت بلالًا)، في رواية: فأقبلت والنبي صلى الله عليه وسلم قد خرج، وأجد بلالًا قائمًا بين البابين، فسألت بلالًا، فقلت: أصلَّى النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة؟ قال: نعم، ركعتين بين الساريتين اللتين على يساره إذا دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين.   ♦ قوله: (بين العمودين اليمانيين)، في رواية: جعل عمودًا عن يمينه وعمودًا عن يساره، وفي رواية: بين ذينك العمودين المقدمين، وكان البيت على ستة أعمدة سطرين، صلى بين العمودين من السطر المقدم، وجعل باب البيت خلف ظهره، وفي رواية عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان إذا دخل الكعبة مشى قبل الوجه حين يدخل، ويجعل الباب قبل الظهر، يمشي حتى يكون بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبًا من ثلاث أذرع فيصلي، يتوخى المكان الذي أخبره بلال أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى فيه، وليس على أحد بأس أن يصلي في أي نواحي البيت شاء.   وعن عائشة رضي الله عنها قالت: كنت أحبُّ أن أدخل البيت أُصلي فيه، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي، فأدخلني الحجر، فقال لي: "صلي في الحجر إذا أردتِ دخول البيت، فإنما هو قطعة من البيت، ولكن قومك استنصروا حين بنوا الكعبة، فأخرجوه من البيت"؛ رواه الخمسة إلا ابن ماجه، وصحَّحه الترمذي.   ♦ واستدل البخاري بحديث ابن عمر على جواز الصلاة بين السواري في غير الجماعة.   ♦ قال المحب الطبري: كره قوم الصف بين السواري للنهي الوارد عن ذلك، ومحل الكراهة عند عدم الضيق. وفي الحديث استحباب دخول الكعبة والصلاة فيها، وليس ذلك بواجب.   ♦ قال البخاري: وكان ابن عمر يحج كثيرًا ولا يدخل البيت.   ♦ وقال النووي: لا خلاف أنه صلى الله عليه وسلم دخل في يوم الفتح لا في حجة الوداع[2].   ♦ قال الحافظ: (وفي هذا الحديث من الفوائد رواية الصاحب عن الصاحب، وسؤال المفضول مع وجود الأفضل، والاكتفاء به، قال: وفيه اختصاص السابق بالبقعة الفاضلة، وفيه السؤال عن العلم والحرص فيما، وفضيلة ابن عمر؛ لشدة حرصه على تتبُّع آثار النبي صلى الله عليه وسلم؛ ليعمل بها، وفيه أن الفاضل من الصحابة قد كان يغيب عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض المشاهد الفاضلة، ويحضره مَن هو دونه، فيطلع على ما لم يطلع عليه؛ لأن أبا بكر وعمر وغيرهما ممن هو أفضل من بلال ومَن ذُكِر معه، لم يشاركوهم في ذلك، وفيه أن السترة إنما تشرع حيث يُخشَى المرور، فإنه صلى الله عليه وسلم صلى بين العمودين، ولم يُصلِّ إلى أحدهما، والذي يظهر أنه ترك ذلك للقرب من الجدار، ويستفاد منه أن قول العلماء تحية المسجد الحرام الطواف مخصوص بغير داخل الكعبة؛ لكونه صلى الله عليه وسلم جاء فأناخ عند البيت، فدخله فصلى فيه ركعتين، فكانت تلك الصلاة إما لكون الكعبة كالمسجد المستقل، أو هو تحية المسجد العام، والله أعلم، وفيه استحباب دخول الكعبة ومحل استحبابه، ما لم يؤذ أحدًا بدخوله، وفيه استحباب الصلاة في الكعبة، وهو ظاهر في النفل، ويلتحق به الفرض؛ إذ لا فرق بينهما في مسألة الاستقبال للمقيم، وهو قول الجمهور، وعن ابن عباس: لا تصح الصلاة داخلها مطلقًا، وعلله بأنه يلزم من ذلك استدبار بعضها، وقد ورد الأمر باستقبالها، فيُحمل على استقبال جميعها، وقال به بعض المالكية والظاهرية والطبري، وقال المازري: المشهور في المذهب منع صلاة الفرض داخلها ووجوب الإعادة، وعن ابن عبدالحكم الإجزاء، وصحَّحه ابن عبدالبر وابن العربي، وعن ابن حبيب يعيد أبدًا، وعن أصبغ إن كان متعمدًا، وأطلق الترمذي عن مالك جواز النوافل، وقيَّده بعض أصحابه بغير الرواتب، وما تُشرَع فيه الجماعة، وفي شرح العمدة لابن دقيق العيد: كرِه مالك الفرض أو منعَه، فكأنه أشار إلى اختلاف النقل عنه في ذلك، ويلتحق بهذه المسألة الصلاة في الحجر)[3]؛ انتهى، والله أعلم.   ♦ وقال في "الشرح الكبير" لابن قدامة[4]: مسألة: ولا تصح الفريضة في الكعبة ولا على ظهرها، وقال الشافعي وأبو حنيفة: تصح؛ لأنه مسجد، ولأنه محل لصلاة النفل، فكان محلًّا للفرض كخارجها، ولنا قوله تعالى: ﴿ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ ﴾ [البقرة: 144]، والمصلي فيها أو على سطحها غير مستقبل لجِهتها، فأما النافلة فمبناها على التخفيف والمسامحة بدليل صحتها قاعدًا، وإلى غير القبلة في السفر على الراحلة؛ انتهى والله أعلم.


[1] فتح الباري: (3/ 464). [2] يطلع فتح الباري: (3/ 469). [3] فتح الباري: (3/ 467). [4] الشرح الكبير: (1 /482).



شارك الخبر