أرشيف المقالات

العقل في القرآن الكريم

مدة قراءة المادة : 11 دقائق .
2العقل في القرآن الكريم
إن المتأمل للشريعة الإسلامية بمصادرها الراسخة، يعلم أنه ما من دين كرم العقل واحترمه، وفتح له الآفاق، ودلَّه وأرشده للغايات العظمى في الوجود مثل الإسلام، ويظهر ذلك جليًّا في نصوص الوحيين.   فالقرآن الكريم كما أنه كتاب هداية للبشرية من ظلمات الغي والضلال، فهو كتاب خاطب العقل في كثير من آياته، وحثَّه واستثاره على التأمل والتفكر في دلائل الوجود، وفي الآفاق وغيرها، إنه كتابٌ فيه مرتعٌ خصب للعقل الراجح وبناء لملكاته، وتقويم لاعوجاجه، وقد تنوع الخطاب القرآني للعقل، فالمتتبع لآيات القرآن يتَّضح له أن القرآن لم يكتف بذكر لفظ العقل، بل استحثه وخاطبه بمرادفاته؛ كالألباب والحجى والنُّهى، وغيرها.   وإن أعظم معجزات النبي صلى الله عليه وسلم هو هذا القرآن الذي خاطب العقل بالحجة والبرهان.
ولنقرأ هذه الآيات التي توضح الموقف الجاهلي لمّا أرد أن يأتيه النبي صلى الله عليه وسلم بمعجزات حسية تفهمه هذه العقلية الجاهلية؛ يقول تعالى: ﴿ وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ ﴾ [الإسراء: 90 - 93].   عجبًا لتعنُّت هذا العقل الجاهلي يأتيه الخطاب القرآني بأدلة توافق منطقه، فيقابلها بهذا الخطاب الجاهلي، فكان رد القرآن على هذا الخطاب منطقيًّا يصادق العقل ويصافحه: ﴿ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا ﴾ [الإسراء: 93].   إن في القرآن الكريم نماذجَ ركز فيها النص على إثارة التفكير والتعقل والتدبر، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿ وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 73]، وقوله تعالى: ﴿ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ ﴾ [البقرة: 219]، وقوله تعالى: ﴿ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنعام: 65]، وقوله تعالى:﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [ص: 29].   فهذه الآيات تكشف لنا أن من مقاصد الخطاب القرآني إيقاظَ العقل الكامن في النفوس من سباته، وتخليصه مِن تبعة التقليد وتعمية العقول، وتعطيل الأذهان[1].   لقد أعلنها الإسلام صريحة: ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ ﴾ [المائدة: 104]. لقد منح الله الإنسان العقل، وبعث إليه وحيًا يستنهض مكنونه الفطري الذي يتوافق مع هذا الوحي، فإذا كانت التبعية تحول بين الوحي والعقل، فلا تبعية مقبولة في الإسلام.   ولقد استحث القرآن العقل وخاطبه بخطابات مباشرة لإدراك الغاية العظمى من الوجود، ودعاه للتأمل في خلق الله الدال على وجوده، فقال تعالى: ﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ ﴾ [البقرة: 164].   يقول ابن عاشور[2] رحمه الله في تفسير هذه الآية: "فوجه دلالة هذه الآيات على الوحدانية أن هذا النظام البديع في الأشياء المذكورة، وذلك التدبير في تكوينها وتفاعلها، وذهابها وعودها ومواقيتها، كل ذلك دليل على أن لها صانعًا حكيمًا متصفًا بتمام العلم والقدرة والحكمة، وهي الصفات التي تقتضيها الألوهية"[3].   ولا يمكن إدراك دلالة هذه الآيات على المقصد المنشود من الآية بإثبات الوحدانية والوجود للخالق جل وعلا، إلا بإعمال عقل الإنسان؛ فإنه ختم الآية بأن هذه الآيات المبثوثة في الكون، لا يمكن إدراكها إلا لأصحاب العقول الراجحة.   ومن الآيات التي تخاطب العقل قوله تعالى: ﴿ أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ ﴾ [الطور: 35]. ففي هذه الآية خاطب الله المنكرين لوجوده بدليل قاطع لكل ذي لب بإعمال هذا العقل بهذا الدليل؛ قال ابن جرير الطبري[4] رحمه الله: "أخُلِق هؤلاء المشركون من غير شيء؛ أي: من غير آباء ولا أمَّهات، فهم كالجماد، لا يعقلون ولا يفهمون لله حجة، ولا يعتبرون له بعبرة، ولا يتعظون بموعظة"[5].   وخاطب الله عباده في آية أخرى؛ ليبيِّن لهم وحدانيته القاطعة بدليل عقلي آخر، فقال جل وعلا: ﴿ مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ ﴾ [المؤمنون: 91]، وقال جل وعلا: ﴿ قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا ﴾ [الإسراء: 42].
فليتأمل الإنسان هذا الخطاب ويكفيه بعدها عن كل حجة، وإن من الدلائل التي نوَّه بها القرآن بيان صدق النبي صلى الله عليه وسلم مما علَّمته عقولهم من حاله قبل البعثة من الصدق واتزان الشخصية[6]، فقال: ﴿ أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ ﴾ [الأعراف: 184].   قال ابن جرير الطبري رحمه الله: "أو لم يتفكَّر هؤلاء الذين كذبوا بآياتنا، فيتدبروا بعقولهم، ويعلموا أن رسولَنا الذي أرسلناه إليهم، لا جنَّة به ولا خَبَل، وأن الذي دعاهم إليه هو الرأي الصحيح، والدين القويم، والحق المبين؟"[7].   يا لله العجب من عقول باتت ترى في كمال الصفات البشرية التي تجلَّت في شخص محمد صلى الله عليه وسلم نقصًا وعيبًا، حتى يُرد الحق الذي معه، إنه الران الذي تجلَّى على تلك العقول حتى مُسخت غريزتها!   وقد بيَّن القرآن منهجًا عظيمًا لجعل هذا العقل يسير وَفق ما رسمه الله له، فيقبل الحق من غير تشويش ولا زعزعة لفطرته وفكره، فقال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ ﴾ [سبأ: 46].   أي: أعظكم أيها القوم بواحدة، وهي أن تقوموا لله اثنين اثنين، وفُرادَى فرادى، رجلًا أو رجلين، فيقوم الرجل منكم مع آخر يتصادقان على المناظرة: هل علمتُم بمحمد صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم جنونًا قطُّ؟ ثم ينفرد كل واحد منكم، فيتفكر ويُعمل عقله، ويعتبر فردًا: هل كان ذلك به؟ فتعلموا حينئذٍ أنه نذير لكم[8].   منهج قرآني عظيم يتخلص منه العقل من غبش الرؤية وكثرة اللغط، وتداخل العقول الفاسدة على عقله؛ حتى لا يرى النور نورًا ولا الحق حقًّا! قُم بمفردك أو مع صاحب واحد تأملوا هذا بعقلٍ، ثم احكموا، وقد بيَّن القرآن آثارًا عظيمة لأصحاب العقول، وإن من أعظم تلك الآثار التي ذكرها الله في كتابه قوله تعالى: ﴿ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ ﴾ [الزمر: 18].   الهداية هي مطلب الوجود البشري في الكون مع الصراع الهائل الذي تشهده البشرية، يجعل العقل يتحيَّر، ويتمنى أن يخرج من تلك الصراعات بمسلمات سالمة من المعارضة.   وإن الشريعة الربانية قد أوجبت على البشرية تكرار سؤال الله الهداية: ﴿ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ﴾ [الفاتحة: 6]، مرارًا عدة مع كل اتصالٍ للعبد مع ربِّه في صلاته؛ ليهتدي بها العقل من غياهب الضلال.


[1] ينظر: ظاهرة التأويل الحديثة في الفكر العربي المعاصر؛ د.
خالد السيف. [2] هو: محمد الطاهر بن عاشور: رئيس المفتين المالكيين بتونس، وشيخ جامع الزيتونة وفروعه بتونس، ولد سنة 1296هـ، له مصنفات كثيرة؛ منها: (مقاصد الشريعة الإسلامية)، و(أصول النظام الاجتماعي في الإسلام)، و(التحرير والتنوير)، توفي سنة 1393هـ؛ يُنظر: الأعلام للزركلي (6/ 174). [3] التحرير والتنوير (2/ 88). [4] هو: جعفر بن جرير الطبري محمد بن جرير بن يزيد بن كثير الإمام أبو جعفر الطبري، ولد سنة 224هـ، كان فصيح اللسان، روى الكثير عن الجم الغفير، ورحل إلى الآفاق في طلب الحديث، وصنف التاريخ الحافل، وله التفسير الكامل الذي لا يوجد له نظير، وغيرهما من المصنفات النافعة، توفي سنة 310هـ، وقد جاوز الثمانين بخمس سنين أو ست سنين؛ يُنظر: البداية والنهاية (11/ 165). [5] تفسير الطبري (22/ 481). [6] ينظر: العقل في القرآن؛ ماجد الشاعر، الفصل الرابع، (ص 139). [7] تفسير الطبري (13/ 289). [8] ينظر: تفسير الطبري (20/ 417).



شارك الخبر

المرئيات-١