أرشيف المقالات

فضائل صلاة الجمعة

2فضائل صلاة الجمعة   بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام عل رسول الله وعلى آله وصحبه، ومن والاه. اللهم إنَّا نسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علِمنا منه وما لم نعلم، ونعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله، ما علمنا منه وما لم نعلم.   كان يوم الجمعة يسمى قبل الإسلام العروبة (بفتح العين)، وسُمي بعد الإسلام يوم الجمعة لاجتماع الناس لصلاة الجمعة.   وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة: (لقد هممتُ أن آمُر رجلًا يصلي بالناس، ثم أُحرِّق على رجالٍ يتخلفون عن الجمعة بيوتهم)؛ رواه مسلم والحاكم بإسناد على شرطهما.   وعن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم أنَّهما سمعا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول على أعواد منبره: (لينتهينَّ أقوام عن ودعهم (وتركهم) الجمعات، أو ليختمنَّ الله على قلوبهم، ثم ليكوننَّ من الغافلين)؛ رواه مسلم وابن ماجه وغيرهما.   وعن أبي الجعد الضمري وكانت له صحبة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن ترك ثلاث جمع تهاونًا بها؛ (أي: من غير عذر)، طبع الله على قلبه)؛ رواه أحمد وأبو داود، والنسائي والترمذي وحسَّنه، وابن ماجه، وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، وقال: صحيح على شرط مسلم.
وقوله صلى الله عليه وسلم: (طبَع الله على قلبه): يعني قسَّاه وختَم عليه فلا ينفذ إليه خيرٌ.   وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم - (أي واجب على كل رجل بالغ) - وسواك، ويمس من الطيب ما قدر عليه)؛ رواه مسلم وغيره.   هذا الحديث دليل للقائلين بوجوب الغسل يوم الجمعة؛ لأنَّه صرح فيه بلفظ الوجوب وحمل الجمهور الوجوب هنا على تأكيد سنيته أو ثبوت حقيقته وهو بعيد.   والمراد بذلك غسل الجمعة، وإن لم يكن مجنبًا، ومن أجنب يوم الجمعة واغتسل، فالراجح أن هذا الغسل يعوض عن غسل يوم الجمعة؛ أي: يجوز أن يجعل كلاهما في غسل واحد.   ومن دخل الجامع والخطيب يخطب يصلي ركعتين خفيفتين تحية المسجد، فقد دخل سليك الغطفاني والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب فجلس، فقطع النبي صلى الله عليه وسلم الخطبة والتفت إليه وقال: أصليت يا سليك؟ قال: لا، قال: قمْ فصلِّ ركعتين.   وفي الحديث الآخر: إذا أتى أحدكم المسجد والإمام يخطب، فليركع ركعتين وليتجوَّز فيهما. وعن عبدالله بن عمر رضي الله عنهم قال: جاء رجل يتخطَّى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (اجلِس فقد آذيتَ وآنيتَ)؛ رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، ورواه ابن ماجه من حديث جابر بن عبدالله.
وآنيت (بمد الهمزة)؛ أي: جئت متأخرًا وآذيت بتخطيك رقاب الناس.   وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا قلتَ لصاحبك (الجالس بجوارك) يوم الجمعة أنصتْ والإمام يخطب فقد لغوتَ؛ رواه البخاري ومسلم وأبو داود، والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة.   وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن توضَّأ فأحسن الوضوء، ثم أتى الجمعة فاستمع وأنصت، غُفر له ما بينه وبين الجمعة، وزيادة ثلاثة أيام، ومن مس الحصى فقد لغا؛ رواه مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجه.   وعن يزيد بن أبي مريم رضي الله عنه قال: لحقني عباية بن رفاعة بن رافع رضي الله عنه، وأنا أمشي إلى الجمعة، فقال: أبشِر فإن خطاك هذه في سبيل الله: سمعت أبا عبس يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن اغبرَّت قدماه في سبيل الله، فهما حرام على النار؛ رواه الترمذي، حديث حسن صحيح.
ومن حرمت قدماه على النار فقد حرم جسمه جميعه على النار؛ إذ لا يعقل أن يدخل أحد النار، فيضرب بعضه ويسلم بعضه، ويدلُّ على ذلك الحديث الذي رواه البخاري وعنده؛ قال: عباية: أدركني أبو عبس وأنا ذاهب إلى الجمعة، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: مَن اغبرَّت قدماه في الله حرَّمه الله على النار، وفي رواية: ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار.   وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا تطلع الشمس ولا تغرب على أفضل من يوم الجمعة، وما من دابة إلا وهي تفزع يوم الجمعة؛ (لأن الساعة ستقوم فيها)، إلا هذين الثقلين، إلا الجن والإنس؛ رواه ابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما، ورواه أبو داود وغيره أطول من هذا، وقال في آخره: وما من دابَّة إلا، وهي مصيخة (مستمعة) يوم الجمعة من حين تصبح حتى تطلع الشمس شفقًا (حذرًا وخوفًا) من الساعة إلا الإنس والجن.   وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلق آدم وفيه أُدخل الجنة، وفيه أُخرج منها؛ رواه مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي.   هذا الحديث يدل على أن يوم الجمعة أفضل من سائر الأيام بدون استثناء، وإذا وردت أحاديث ذكرت أن أفضل أيام الدنيا وأحبَّها إلى الله، يوم النحر أو يوم عرفة، فالمراد أنهما أفضل من سائر أيام السنة باستثناء أيام الجمع.   أما الساعة التي يستجاب فيها الدعاء، فقد اختُلف فيها على أقوال، وأرجح هذه الأقوال قولان تضمنتهما الأحاديث الثابتة، وأحدهما أرجح من الآخر، الأول: أنها من جلوس الخطيب على المنبر حتى انقضاء صلاة الجمعة، والقول الثاني: أنها بعد العصر، وهذا أرجح القولين، وهو قول عبدالله بن سلام، وأبي هريرة، والإمام أحمد.   وعن أوس بن أوس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من أفضل أيَّامكم يوم الجمعة، فيه خلَق الله آدم، وفيه قُبض، وفيه النفخة وفيه الصعقة؛ (أي: في هذا اليوم ينفخ إسرافيل لقيام الساعة)، فأكثروا من الصلاة عليَّ فيه، فإن صلاتكم يوم الجمعة معروضة عليَّ، قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك، وقد أرِمْتَ (أي: بليت)؟ فقال: إن الله جل وعلا حرَّم على الأرض أن تأكل أجسامنا؛ رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه.
وأرمت (بفتح الراء وسكون الميم): أصبحت رميمًا باليًا.   وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، (والمراد الجنابة حقيقةً، أو اغتسل كما يغتسل من الجنابة حتى لو لم يجنب)، ثم راح في الساعة الأولى، فكأنما قرَّب بدنة؛ (أي: كأنما تصدق بناقة)، ومن راح في الساعة الثانية، فكأنما قرَّب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرَّب كبشًا أقرن؛ (أي: كبشًا له قرنان، وهذا دليل كماله وحُسن صورته، ولأنه يجوز في الأضحية)، ومن راح في الساعة الرابعة فكأنَّما قرَّب دجاجة، ومَن راح في الساعة الخامسة فكأنما قرَّب بيضة، فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر؛ رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود.   قال النووي: وهؤلاء الملائكة هم غير الحفظة، وظيفتهم أنهم يقفون على أبواب المساجد يكتبون أسماء من يحضرون صلاة الجمعة، فإذا صعد الخطيب على المنبر طووا الصحف وحضروا الصلاة، يستمعون كلام الخطيب.   وفي رواية للبخاري ومسلم وابن ماجه: إذا كان يوم الجمعة وقفت الملائكة على باب المسجد يكتبون الأول فالأول؛ مثل المهجِّر (أي: المبكر في المجيء إلى الجمعة)؛ كمثل الذي يهدي بدنه ثم كالذي يهدي بقرة، ثم كبشًا، ثم دجاجة، ثم بيضة، فإذا خرج الإمام، (وصعد المنبر ليخطب)، طووا صحفهم يستمعون الذكر؛ رواه ابن خزيمة في صحيحه بنحو هذه.   وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان يوم الجمعة قعدت الملائكة على أبواب المساجد، فيكتبون من جاء من الناس على منازلهم، (فيكتبون درجاتهم في التبكير والغدو إلى المسجد)، فرجل قدَّم جزورًا، ورجل قدَّم بقرة، ورجل قدَّم دجاجة، ورجل قدَّم بيضة، قال: فإذا أذَّن المؤذن وجلس الإمام على المنبر، طويت الصحف ودخلوا المسجد يستمعون الذكر؛ رواه أحمد بإسناد حسن، ورواه النسائي بنحوه من حديث أبي هريرة.   فالحديث يعني أن الملائكة بعد أن ينتهوا من تسجيل الساعين إلى الجمعة، يطوون صحفهم ويدخلون المسجد؛ ليشاركوا المؤمنين في الاستماع للخطبة في الصلاة.   اللهم انفعنا بما علَّمتنا، وزدنا علمًا اللهم آمين



شارك الخبر