أرشيف المقالات

فوائد من حديث عقبة بن عامر في الوضوء

2فوائد من حديث عقبة بن عامر في الوضوء   عن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: كانت علينا رِعاية الإبل فجاءت نَوْبَتي فَرَوَّحْتُها بِعَشِيٍّ، فأدركتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قائمًا يُحَدِّث الناس فأدركتُ من قوله: ((ما من مسلم يتوضَّأ فيُحسِن وضوءَه، ثم يقوم فيُصلِّي ركعتين، مُقبِلٌ عليهما بقلبه ووجهه، إلا وجَبَتْ له الجنَّة))، قال فقلت: ما أجود هذه! فإذا قائل بين يدي يقول: التي قبلها أجْوَد؛ فنظرتُ، فإذا عمر قال: إني قد رأيتُكَ جئتَ آنفًا، قال: ((ما منكم من أحد يتوضَّأ فيُبلِغ - أو فيُسبِغ - الوضوء ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبد الله ورسوله، إلا فُتِحَتْ له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء))[1].   من فوائد الحديث: 1- إسباغ الوضوء، والكمال فيه ثلاث مرات في كل عضو ما عدا الرأس.
2- الإسباغ في اللغة: أنْ يَشتملَ العضو الغَسْل ويستوعبه، والثوب السابغ: الفاضل عن مقدار طول صاحبه، وقوله: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ﴾ [لقمان: 20]؛ أي: عَمَّكم بها[2].
3- الفقهاء مجمعون على أن من خطر في قلبه وهو يصلي في فرض، أو نفل خاطر من أمور الدنيا: المعاش أو غيره، فإن صلاته مجزئة عنه[3].
4- يُسْتحبُّ للعبد أنه كلما جَدَّد وضوءًا لصلاته، فكذلك يُجدِّد الشهادتين لله عز وجل بأنه: لا إله إلا هو، ولرسوله صلى الله عليه وسلم لصِدْقِه في رسالته؛ احترازًا من غَفلة قد كانت طَرقت عليه أمرًا، أو شكًّا، أو رِيبة، أو غير ذلك مما يُبطل الصلاة، فإذا جَدَّد الشهادة كان مُجدِّدًا لإسلامه قبل دخوله في الصلاة، فتصحُّ صلاته ظاهرًا وباطنًا بيقين[4].
5- وفيه من الفقه أن أبواب الجنة ثمانية يدخل من أيها شاء؛ أي: إن كل باب منها له أهل، فإن باب الصدقة يدخل منه المتصدِّقون، وباب الجهاد يدخل منه المجاهدون، والريَّان يدخل من الصائمون؛ فبيَّن رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تلك الأعمال قرَّرها النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك الأصل من إقامة الشهادتين، فإذا أتى بهما كان مُخيَّرًا في الفروع من أي أبواب الجنة شاء أن يدخل؛ من باب الصدقة، أو من باب الجهاد، أو غير ذلك[5].
6- قوله: "فرَوَّحْتُها بعَشِيٍّ"؛ أي: جئتُ بالإبلِ للمبيت، والـمراح: موضع مبيت الماشية[6].
7- قوله: "كانت علينا رعاية الإبل فجاءت نوبتي": هذا الكلام يدلُّ على أنهم كانوا يتناوبون رعي إبلهم، فيجتمع الجماعة، ويَضُمُّون إبلَهم بعضها إلى بعض، فيرعاها كل يوم واحدٌ منهم؛ ليكون أرفق بها، وينصرف الباقون في مصالحهم.

8- حرص عقبة رضي الله عنه على أن ينتهي من رعي الإبل سريعًا؛ ليحضر مجلس النبي صلى الله عليه وسلم.   9- قوله: ((مُقبِلٌ عليهما بقلبه ووجهه)): جـَمَعَ صلى الله عليه وسلم بهاتين اللفظتين أنواع الخضوع والخشوع؛ لأنَّ الخضوع في الأعضاء، والخشوع بالقلب على ما قاله جماعة من العلماء[7].
10- قوله: "ما أجْوَدَ هذه!"؛ يعني: هذه الكلمة، أو الفائدة، أو البشارة، أو العبادة، وَجَوْدَتُـها من جهات: منها أنها سهلة متيسِّرة، يقدر عليها كل أحد بلا مشقَّة، ومنها أن أجرها عظيم، ومنها: أنَّها عامة لكل مسلم.
11- قوله: "جئت آنفًا"؛ أي: قريبًا، وهو بالمدِّ على اللغة المشهورة، وبالقصر على لغة صحيحة قُرئ بها في القراءات السبع.

12- يُسْتَحَبُّ للمتوضِّئ أن يقول عَقِبَ وضوئه: أشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وهذا متفق عليه، ويُستحبُّ أيضًا أنْ يَضُمَّ إليه دعاء: ((اللهم اجعلني من التوَّابين، واجعلني من المتطهرين))[8]، ويُستحَبُّ أن يَضُمَّ إليه ما رواه النسائي مرفوعًا: ((سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنتَ أستغفرُكَ وأتوب إليك))[9][10].
13- وَقَوله: ((فَيُحْسِنُ وضوءه)): إِحْسانُ الوضُوء: إِتْمامُه، وَقَوله: ((يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يقبل عَلَيْهِما بِقَلْبِه وَوَجْهه)) الإقبال بِالوَجْهِ: ترك الالْتِفات وَالنَّظَر إلى مَوضِع السُّجُود، وبالقلب: قطع الفِكر عَنهُ، فِيما سوى العِبادة.
14- لا نَقْطَع لأحد بِعَيْنِه بالجنَّة؛ لأَنَّهُ رُبما لم يَأْتِ بالحضور الْمَطْلُوب كما يَنْبَغي، ورُبَّما وَجَبت الْجنَّة لشخص، ثمَّ حَال بَينه وبَينها عمل من أعماله القباح، ولَكنَّا نرجوها لَهُ[11].
15- قوله: ((إلَّا فُتِحَتْ له أبواب الجنة الثمانية))؛ أي: ستُفتَح له؛ لكنه عبَّر عمَّا سيقع لتحقُّقه بالواقع.
16- إنما قال عمر: "إنها أجود" مما سمِعَه بنفسه؛ لأن هذا أجر عظيم على مجرد الوضوء، والقول بعده، وأجر الصلاة غيره [12].
17- قوله: ((قائمًا يُحدِّثُ الناس))؛ أي: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم يخبر الناس، ويعلمهم مصالح دينهم.

18- الفرق بين الخشوع والخضوع أن الخشوع في القلب والخضوع في الأعضاء وهو ناشئ عن خشوع القلب.

19- قال ابن العربي: والـمُخَيـَّرون في الدخول أربعة، الأول: هذا، والثاني: المنفق زوجين في سبيل الله، والثالث: القائل "أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله وأن عيسى عبدالله وكلمته ألقاها إلى مريم" والرابع: من مات يُؤمِن بالله واليوم الآخر.

20- في هذا الحديث ما يدلُّ على أن الذكر بعد الوضوء فضيلة من فضائله.

21- فيه رواية صحابي عن صحابي رضي الله عنهما[13].
22- اعلم: أن ما ذكره الحنفية والشافعية وغيرهم في كتبهم من الدعاء عند كل عضو كقولهم يُقال عند غسل الوجه: اللهم بيِّض وجهي يوم تَبْيَضُّ وجوه وتسودُّ وجوه، وعند غسل اليد اليُمنى، اللهم أعطني كتابي بيميني وحاسبني حسابًا يسيرًا...
إلخ، فلم يثبت فيه حديث[14].
23- حرص الصحابة رضي الله عنهم على الاجتماع برسول الله صلى الله عليه وسلم، والارتواء بحديثه الشريف رغم مشاكلهم الدنيوية، وكثرة متاعبهم في سبيل الرزق، فهذا عقبة بن عامر رضي الله عنه يرعى إبلَه في النهار، ولا يكاد يروح بها إلى مبيتها حتى يَهْرع إلى مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليُدرك من أقواله ووعظه ما يمكن إدراكه.
24- فائدة التخيير إظهار التعظيم والتكريم.
25- يُؤخَذ من قوله: ((ثم يقوم فيُصلِّي ركعتين)) أن القيام في صلاة النفل أكمل من الجلوس إلَّا لعذر.
26- ويُؤخَذ منه مشروعية صلاة ركعتين بعد الوضوء، وهما سنة عند الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة.
27- أن الإخلاص والإقبال على العبادة، وترك الشواغل الدنيوية هو رُوح العبادة.
28- الله تعالى يُعطي الثواب الكثير على العمل القليل الخالص لوجهه.
29- حرص الصحابة رضي الله عنهم على فعل الخير، والترغيب فيه، ودلالة الغير عليه.
30- فضل الشهادتين وعظم كلمة التوحيد.
31- ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من التواضُع، وخدمة الشخص نفسه، ورعيه إبله، وإن كان عظيمًا.
32- مشروعية التعاوُن في أمور المعيشة[15].
33- أن من فعل هكذا له البشارة بالموت على الإيمان؛ لأن الجنة لا يدخلها إلا نفس مؤمنة، وهذا هو مأمول كل عاقل[16].
34- الحرص على العمل الصالح[17].
35- فَضْل الوضوء.

36- يذكر لنا عقبة رضي الله عنه لونًا من ألوان الحياة، وصورة حيَّة من صُور المَعِيشة التي كانوا يعيشونها في ذلك الزمان.

37- قوله: "فأدركتُ من حديثه وهو يقول": يُفهَم منه أن عُقبة رضي الله عنه حَفِظَ من أول مرة، وهذا يدلُّ على قوَّة الذاكرة.

38- عِلْم عُمَر رضي الله عنه.

39- قد يُفوِّت الإنسان بعض الخير، فيُهيِّئ الله له من يُعوِّضه عمَّا فات.
40- حرص الصحابة رضي الله عنهم على نَقْل العِلم، ونشره للناس.

41- رَعْي الأنعام فيه تربية للنفس على الصبر، والتهيئة لتحمُّل المسؤولية.

42- اهتمام الصحابة رضي الله عنهم بعضهم ببعض.


[1] صحيح مسلم 1/ 209 رقم 234. [2] من 1-2 مستفاد من الإفصاح عن معاني الصحاح؛ لابن هبيرة 1/ 218-219. [3] المرجع السابق 1/ 219. [4] من 1-5 مستفاد من الإفصاح عن معاني الصحاح؛ لابن هبيرة 1/ 218-220. [5] المرجع السابق 1/ 220. [6] إكمالُ الـمُعْلِمِ بفوائد مُسلِم؛ للقاضي عياض 2/ 22. [7] من 7-9 مستفاد من شرح صحيح مسلم؛ للنووي 3/ 121. [8] سنن الترمذي 1/ 78 رقم 55، والمصنَّف؛ لعبدالرزاق 1/ 186، رقم 731، والمصنف في الأحاديث والآثار؛ لابن أبي شيبة 1/ 13 رقم 20، والمعجم الأوسط؛ للطبراني 5/ 140، رقم 4895، وعمل اليوم والليلة؛ لابن السنِّـي، ص 35 رقم 32، وصحَّحه الألباني في صحيح الجامع 2/ 1061 رقم 6162. [9] السنن الكبرى للنسائي 9/ 37 رقم 9828.
ورقم 9831.
المستدرك على الصحيحين للحاكم 1/ 752 رقم 2072 وقال: (صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه).
وصححه الألباني في صحيح الجامع 2/ 1062 رقم 6170. [10] من 10-12 مستفاد من شرح صحيح مسلم للنووي 3/ 121. [11] من 13-14 مستفاد من كشف المشكل من حديث الصحيحين؛ لابن الجوزي 1/ 150-151. [12] من 15-16 مستفاد من التَّحبير لإيضاح مَعاني التَّيسير؛ للصنعاني 7/ 160. [13] من 17-21 مستفاد من الكوكب الوهاج شرح صحيح مسلم؛ للهرري 5/ 215-216. [14] المرجع السابق 5/ 218. [15] من 23-32 مستفاد من فتح الـمُنعِم شرح صحيح مسلم، د.
موسى لاشين 2/ 127-128. [16] ذخيرة العقبى في شرح المجتبى؛ لمحمد بن علي بن آدم بن موسى الأثيوبي 3/ 428. [17] المرجع السابق.



شارك الخبر

روائع الشيخ عبدالكريم خضير