أرشيف المقالات

الهمة العالية - (35) أسباب اكتساب الهمة العالية (18)

مدة قراءة المادة : 4 دقائق .
1 48- السلامة من الغرور ومن المبالغة في احتقار النفس:
فهذان الأمران من أعظم الأسباب لدنو الهمم، والسلامة منهما من أعظم الأسباب لعلوها.
أما الغرور فهو أن يحتقر المرء كل من عداه، وأن يتطاول إلى ما ليس في قدرته، وأن يتدخل فيما ليس من شأنه، وأن يحكم على مالم يحط به علمه.

حتى إن المغرور ليرتفع عن الإصغاء إلى نصيحة، أو الاستماع لرأي أو الخضوع لكبير، أو الإجلال لعالم.
وهذا المرض تبتلى به الأمم الضعيفة، المنتقلة من طور الخمول إلى دور اليقظة، أو المتردية من شامخ العزة إلى درك الضعف والذلة.

وإنه لمرض يتفشى في أمتنا اليوم، وحسبك أن تستمع إلى أحاديث الناس في المجتمعات العامة؛ لترى كيف يحمل كثير منهم مبضع الطبيب، يجرح به هذا، ويقطع به ذلك، وكيف ينطوي على غرور يجعل رأيه فوق الآراء، ونظره فوق الأنظار، وعله فوق كل علم.

وهو لا يفتأ في حديثه يصف الناس بالحماقة، وأهل العلم بالجهالة ونحو ذلك.
وحين تبتلى الأمة بهذه البلية فإنها تستعصي على نصح الناصحين، وتنحدر وهي تظن أنها في أعلى عليين، وتتراكم عليها المصائب، وهي تظن أنها أقوى من جميع أعدائها، تهزمهم بصرخة، وتردهم بإشارة، وتدفعهم عنها بالضجة، والثرثرة.

أما المرض الثاني فهو المبالغة في احتقار النفس؛ فتجد من الناس من هو محطم النفس، مسلوب الإرادة، فاقد الأمل، قليل الثقة بنفسه وبأمته، لا يرى أن باستطاعته أن يقوم بشيء في هذه الحياة، وما أقسى الداء، وما أمره على الأمة؛ إذ يشل حركتها، ويجعلها ذليلة أمام كل جبار، ضعيفة أمام كل قوي.

وهذا المرض متفش في أمتنا؛ فكم من أمتنا من قضى عليه الخمول والكسل، ولو سألتهم عن ذلك لأجابوك: من نحن؟ وما قيمتنا؟ وماذا نستطيع أن نعمل؟ وهل بإمكاننا أن نوقف الشمس؟ أو أن نؤخر عجلة الزمن؟
كلا يا صاح، إنك شيء عظيم، تستطيع أن تفعل أشياء وأشياء، وما هؤلاء الذين تراهم ممن يملأون التاريخ بجلائل الأعمال إلاَّ أناس مثلك، لهم مثل مالك في الذكاء والموهبة، ولكنهم وثقوا بأنفسهم، وعرفوا قيمة مواهبهم.

أما أنت فقد قعدت بك همتك، فازدريت نفسك، وانتقصت أمتك، ورضيت لنفسك أن تكون نسياً منسياً.
مثل هؤلاء في أمتنا كثير، وأعجب من ذلك أنك ترى في هؤلاء المصابين بمرض الخمول والاحتقار للنفس من هو مصاب في الوقت نفسه بداء الغرور أيضاً؛ فهو يضع نفسه في أمته موضع المتكبر المتبجح المغرور.

ولكنه يطرق رأسه أمام الأعداء حطة، وذلة، ومهانة.
والسلامة كل السلامة أن يسلمك اللَّه من هذه الأدواء؛ فالإنسان العاقل السوي، الذي ينظر الأمور كما هي هو ذلك الذي يسير على حد الاعتدال، فلا يغر بما أوتي من ذكاء، وعلم، وقوة، فيزعم لنفسه كل فضيلة، ويتطاول بغرور إلى كل منزلة.

ولا يركن في الوقت نفسه إلى جوانب الضعف فيه، فيقوده ذلك إلى المبالغة في احتقار نفسه، وازدراء إمكاناته ومواهبه، فيقعد عن كل فضيلة، ويعيش في هذه الحياة كأنه همل مضاع، ولقىً مزدرى (انظر: أخلاقنا الاجتماعية ص10-12 ، ولماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم ص141-151)


شارك الخبر

ساهم - قرآن ٢