أرشيف المقالات

أقصوصة عراقية

مدة قراءة المادة : 13 دقائق .
8 نكتة العمامة للأستاذ محمود.
أ.
السيد على الشرفة الغربية الكبرى، في فندق دجلة الكبير، المشرف على الصالحية وجسرها، في ذات ليلة قمراء من ليالي صيف عام 1935، كنا جماعة صغيرة من أخوان الصفاء، فيها طبيب وكيميائي وصحافي وأديب؛ نحف بسيدة فاضلة، وافدة من بلاد المجر للسياحة ودراسة تقاليد العرب، وأطوار سكان البادية، وأحوال العامة، والأدب الشعبي غير المكتوب في العراق نكرمها مكبرين همتها القعساء التي جشمتها عناء السفر إلى بلادنا، في هذا الفصل الذي يشتد حره؛ فهرب منه كثير من أهلها المترفين إلى مصائف لبنان وغير لبنان، فراحت تتنقل بين القبائل أياماً وأسابيع، ثم تعود إلى هذا القصر الذي أعده أصحابه نزلاً للتجار والسياح والسياسيين والعلماء الأجانب من الأوربيين وأمريكيين وغيرهم، لتدون مذكراتها العلمية، وتسجل ما تقف عليه من قصص وأساطير، وما يحكي لها الرواة من حكايات وروايات تستعين بها على أداء مهمتها العلمية، ولتستريح يوماً أو أياماً قليلة ثم تعود إلى زيارة القبائل والتنقل في القرى والمدن باحثة مدونة ثم تعود.
ومع أنها كانت تبدو للرائي في أقل من الأربعين من العمر، فقد كان يعلوها جلال الشيوخ.
وهي تنتمي إلى (عصبة علمية) تضم رجالاً أفذاذاً من الباحثين وعلماء المشرقيات.
طويلة القامة، مغولية الملامح، لأنها من سلالة الهون.
عالمة بخمس لغات ومنها التركية الحديثة التي تعلمتها في أستانبول.
وقد عرفناها في ذلك الفندق مصادفة.
وكنا نؤمه كل ليلة - في الشتاء والصيف - لنزجي فيه بعض أوقات فراغنا بالحديث والمسامرة، واستطلاع طلع (الغربيين) الكثيرين الذين نراهم فيه، فنتقرب إليهم متشوفين، متبينين نواياهم ونوايا حكوماتهم في بلادنا، منافحين عنها، ذاكرين لهم ما يخفى عليهم من محاسنها، وما في طبيعة قطينها وقطين الشرق كله، وقرارات نفوسهم من سمو في الخلق والعاطفة وقرب إلى الإنسانية والحق والخير، ناعين على الغرب ماديته وحضارته الرأسمالية الاستعمارية.
وكثيراً ما كنا نجادلهم عن إيمان بحقنا وبحق الشعوب المظلومة في الحياة، فننتصر عليهم أحياناً بقوة الحجة، وينتصرون علينا أحياناً بالعناد والمغالطة والمكابرة وما إليها مما يتسلح الغربي به في مناضلة الشرقي اليوم وكان اسم هذه السيدة المجرية ماجدا قالت ماجدا تخاطبنا في شيء من الاستغراب: - (إليكم حادثة من حوادث قطركم هذا ما كان أغربها عندي إذ تلوتها مجملة في هذه الجريدة الإنكليزية التي تصدر عن عاصمتكم دار السلام بل التي كانت يوماً ما دار السلام) وأخرجت جريدة (التيمس) البغدادية من حقيبتها فألقتها على المائدة التي كانت في وسط مجلسنا مغطاة بأقداح الشاي وعدته.
ثم ابتسمت ابتسمنا مدركين المعنى المقصود بقولها عن بغدادنا (التي كانت دار السلام) لأنها أصبحت دار الحرب منذ سنة 1917، الحرب النارية الدامية أولاً، والحرب السياسية ثانياً، وقالت: - (هل يصدق أحد منا نحن معشر الأوربيين لو سمع هذا الخبر في بلده، إذا كان يجهل حقيقة الحياة الاجتماعية في بلادكم: أن صبياً في الحادية عشرة من العمر وأخاً له أصغر منه يقتلان أختاً لهما لأنها انحرفت عن صراط العفاف.
هذا ما تقوله هذه الصحيفة - اليوم - عن صبيين من حي (باب الشيخ).
فواعجبا! حتى الصبيان تجعل منهم النخوة البدوية والغيرة قساة ذابحين؟) قلت وقد بدا لي أن أهون عليها ما سمعت: - (لقد نقلت هذا الخبر جريدة أخرى وقالت عن الصبين القاتلين إنهما يحترفان نحر الجزور لدى جزار.
وربما كان احترافهما هذه الحرفة التي ألفا فيها رؤية الدماء والضحايا من الخراف وغيرها صباح مساء ذا أثر عميق في نفسيهما، فهان عليهما ما فعلا.
وأرجو ألا ترى سيدتي الفاضلة في ذلك دليلاً على وجود ميل طبيعي في مواطنينا إلى التوحش وقتل الإنسان.

وأردت أن أعلل الدوافع التي دفعت الصبيين إلى إتيان هذا الأمر، فلم تدع لي مجالاً للكلام، بل قالت، وقد مضت ترتشف الشاي وتبدي إعجاباً خارجاً عن موضوعنا بالقمر الزاهر المضيء فوق دجلة، في سماء معروفة بجمالها لدى كل غربي ساح في البلاد العربية وبلغ بغداد: - (كلا لم يخطر ببالي أن أتهم العرب العراقيين بالميل إلى التوحش وقتل الإنسان لعين الأسباب التي تدفع غيرهم من أبناء البلاد المتأخرة إلى القتل وإزهاق الأرواح ظلماً وعدوناً.
ولكنني استغربت أن تقع في مثل هذه الآونة مثل هذه الحادثة التي تدل على روح قديم وعادات، كنا نقرأ في الكتب الباحثة في أحوال العرب وعاداتهم وأخلاقهم وتاريخهم أنها كانت، وحسبنا أنها زالت من جراء الاحتكاك والاتصال بالغرب، بعد دخول البريطانيين هذه الأقطار، منذ أكثر من ثمانية عشر عاماً، الاتصال الذي له حكمه في تغيير العادات والأخلاق) قال طبيب من أصحابنا باريسي التحصيل لاتيني الثقافة: - (لاشك في أنه كان لدخول الإنكليز بلادنا واتصال الغربيين بنا واتصالنا بهم اتصالاً لم يكن من قبل، تأثير في تغيير بعض العادات والأخلاق في المدن الكبرى ولا سيما العاصمة؛ ولكننا لو نظرنا ملياً في التغيير الذي حدث لوجدناه منحصراً لدى الطبقة العليا، وبعض أبناء الطبقات الأخرى، في الأسر التي تعددت فيها الدماء واختلف ميراث السلالات المختلفة المتواشجة بالتزاوج.
فكانت النتيجة حدوث انحلال أخلاقي في أفرادها، لا نرى له مثيلاً في أبناء القبائل والأرياف والبوادي والعامة في المدن - الذين هم في الأصل القديم من أبناء القبائل - والذين ينتسب إليهم هذان الصبيان.
ألا تؤيدونني في هذا الرأي يا رفاقي؟) سكت بعضنا، وقال بعضنا: - (بلى) وقال أحدنا وهو الصحافي: - (أن أكثر عاداتنا تقاليدنا - وقولي تقاليدنا أصح من قول السيدة الفاضلة والأخ الطبيب أخلاقنا - لم يتغير بعد.
وأعني بتلك العادات والتقاليد ما كان متأصلاً في روح الشعب ممتزجاً بدمائه منذ قرون وأزمان.
فالعراقي العربي الخالص في الزمن القديم الذي كان يقتل زوجه أو أية امرأة من آل بيته وذوي قرباه إذا ما حادت عن طريق العفاف واستزلها شيطان من الإنس وعبث بها فأثمت معه، هو هذا العراقي العربي - سواء أكان خالصاً في عروبته أم لم يكن وهو يدعيها - الذي يعيش في القرن العشرين، والذي يمثله خير تمثيل بطلا الحادثة التي أتاحت لنا الفرصة لهذا الحوار، إلا ما شذ من الناس.
وهؤلاء الشاذون ممقوتون مكروهون يلبسون ثياب الخزي والعار أنى حلوا وأقاموا.
وقد يوجد فارق بين رجل الأمس الذي كان يقدم على القتل وسفك الدم في بيته لدرء العار عنه، على الشبهة والظن، ورجل اليوم الذي يتبين ويتريث حتى يأتيه اليقين بما يصح أن يدعوه إلى ما لابد له منه لكي يجري حكم التقاليد، ويحيا في قومه عزيزاً شريفاً لا يطأطأ رأسه العار ولا يذله، ولكن هذا الفارق طفيف) قالت وقد لذها الحديث وزادها الولع بتدوين الحكايات والروايات عن تقاليدنا وعاداتنا شوقاً إلى استماع شيء جديد مما يدخل فيما خضنا فيه: - (ألا تحدثوني بحادثة من حوادث العهد السابق لعهدكم الحديث، أسجلها إلى جانب هذه الحادثة التي سوف أستقصيها وأدونها بتفاصيلها، فإنها تغني عن كثير مما يصح أن يروى عن قوة التقاليد - على ما يسميها السيد الصحافي - وشرف العامة وغيرتهم وحرصهم على المرأة من أن تمتد إليها يد الغريب بما يشينها ويدنسها؟) قلت: - (أي عهد تعنين؟) - (العهد الذي ختمته نهاية القرن التاسع عشر؛ إذ أننا نعتبر تلك النهاية آخر خيط من الليل السابق لعهد اليقظة في بلادكم، وبداية الاتصال بالعالم المتمدن) قلت: - (سأقص عليك قصة البطل الغيور عبد الحميد، وهي قصة لحادثة واقعة في النصف أو الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، مما حكى لنا مشايخنا من حوادث بلدنا هذا، قالوا: نكتة سوداء من سخام القدر كانت في عمامته ذات يوم، لم يفطن إليها، وقد جاء القهوة كما كان يجيئها كل يوم، مرفوعاً رأسه على الرؤوس، مفعمة نفسه بخيلاء الفحولة وكبرياء البطولة، البطولة التي اعتلى عرشها المكين في البلد بحق، فهابه الناس على اختلاف طبقاتهم، وتناول الرواة في الأحياء أخباره في كثير من الواقع الخطيرة التي صادف والأحداث التي شهد وكان الشطب - وهو آلة التدخين عند القوم في ذلك الزمن - المفضض الطويل في يسراه يدخن به مفكراً صامتاً ساهما، والدخان ينبعث من بين شدقيه كثيفاً لقد قال له صاحبه أحمد العلوي، وقد لقيه في الطريق قادما من بيته قبيل ساعة: (إن وسخا أو سخاماً على رأسه)، وانصرف لطيته.

.
وكان الناظر إلى وجهه يرى الشر عليه بادياً في وضوح وما عتم أن قام إلى بيته متثاقل الخطى، قابضاً بيده اليمنى على خنجره، رسول الموت الذي طالما أزهق الأرواح وعاد بعد قليل، فاقتعد مكانه الأول من القهوة، وجعل يدخن، كما كان.
ومر به صاحبه، وكانت القهوة حافلة بالكهول والشيوخ ذوي النظرات القاسية والعمائم الكبيرة، فنظر إليه قليلاً، ثم أقبل عليه، فجلس إلى جانبه، ومال إليه برأسه يكلمه همساً: (أن في عمامتك لنكتة سوداء نبهتك إليها فلم تزلها بعد) كان الجواب نظرة تطاير منها الشرر، ولكن أحمد لم يفقه لها معنى وكان سكوت، ثم قام الرجل تاركاً صاحبه جالساً في مكانه، دهشاً، ومشى إلى بيته متثاقل الخطى، قابضاً بيمينه على خنجره ذلك الذي طالما أزهق الأرواح وعاد بعد قليل فاقتعد مكانه الأول من القهوة، بجانب صاحبه، ثم جعل يدخن كما كان.
قال له أحمد: - (غريب هذا الذي أرى منك أيها الأخ! هل أنت آت من بيتك؟ كيف غفلت كذلك عن إزالة النكتة من السخام التي في عمامتك؟) وهنا أنفجر الرجل من شدة الغيظ، وقام على قدميه مرتجفاً، وقد دارت به الأرض الفضاء: - (ويلك لم تبقى إلا أمي العجوز!) تلك هي القصة التي قصها علينا المشايخ فيما قصوا وحفظوا من حكايات بغداد في زمن قديم خلا لقد نحر عبد الحميد زوجه وأخته بيده، واحدة تلو أخرى، كما ينحر الجزار الخراف والبقر، ليزيل السخام من عمامته.
فعمامته هي التاج، تاج الشرف والعرض والكرامة فوق هامته في هذه الحياة، وشرفه وعرضه وكرامته شرف أسرته وعرضها وكرامتها، وكل أولئك من شرف قبيلته وحيه وعرضهما وكرامتهما، فان وسخ العار ذلك التاج ودنسه فلا يطهره منه إلا الدم والموت.
ولم يلم الرجل على ما فعل أحد، لأنه فهم ما قال له صاحبه على غير حقيقته، بل لاموا صاحبه الذي لم يستطع إيضاح ما قصد بعبارته التي توهم سامعها الإشارة والرمز إلى العاب والعار.
فعبد الحميد كان يمثل العربي العراقي ابن الشعب والقبائل بالأمس، وإن كان يسكن داراً في بلد لا خيمة في بادية؛ وهذان الصبيان يمثلانه اليوم أتم تمثيل.
فهما وذاك في الحقيقة واحد في ثلاثة، وإن تباعد بينهما وبينه زمانهما وزمانه) قالت وكأنها استدرجتني إلى استعلام رأي لي فيما كنا نتحدث فيه: - (وما رأيك أنت في هذا العقاب الذي كانت تعاقب به المرأة عندكم إذا ما زلت بها القدم، وما زالت تعاقب به؟) - (لا يسمي الناس قتل المرأة عندنا إذا أثمت عقاباً، بل يسمونه - بحكم العادات والتقاليد الموروثة - محوا للعار وتطهيراً للعرض من الدنس.
وإذا كنا نعتقد أن حياة الشعب المادية هي التي تملي عليه منهاج أخلاقه وتقرر له عاداته وتقاليده.) - (بلى.
أعتقد ذلك.
) - (.

فان الحياة المادية لشعبنا الفقير المسكين لم تتغير بعد تغيراً جوهرياً بالاتصال بالغرب لكي تتغير تلك العادات والتقاليد لديه، بل تغيرت الحياة المادية في القصور، ولدى بعض المتفرنجين من الموظفين، وقولي هذا تعليل متمم لما كان قاله أخونا الطبيب.
) (العراق، الأعظمية) محمود.
أ.
السيد

شارك الخبر

المرئيات-١